د. طارق ليساوي: التنمية في الفكر الاسلامي تبدأ بالإنسان وتنتهي به …

 

 

د. طارق ليساوي

في مقالين سابقين رأينا أن الإسلام اهتم بالتنمية وأعطاها معنى أعمق من ذلك وهو “العمارة”، واعتبرها عبادة لله تعالى وجعلها من واجبات “الاستخلاف”، مصداقا لقوله تعالى: (هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).. وعمارة الأرض بهذا المفهوم تسعي لخلق مجتمع  المُتَقِين الذي يستخدم الموارد المسخرة له في التمتع بمستوي معيشي كريم مع استشعار تقوى الله وشكر نعمه.. ولقد استخدم المسلمون الأوائل لفظ عمارة الأرض للدلالة على التنمية الاقتصادية ونادى العلماء و أولي الأمر منذ فجر الإسلام بعمارة الأرض، ولقد جاء ذلك في كتاب الخلفاء إلى الولاة عندما كتب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى والي  مصر:”وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ..” ذلك أن  التوسع  في عمارة الأرض يؤدي إلى زيادة النشاط الإنتاجي،  و زيادة  الدخل المتولد عنه …

وتبعا لذلك، يمكن تعريف التنمية الاقتصادية بأنها : ” مجموع الأحكام والقواعد والوسائل الشرعية المتبعة لعمارة الأرض إشباعاً لحاجات المجتمع الإنسانى الدنيوية والأخروية وتحقيقا لعبادة الله تعالى “..وخلافا للفكر الإقتصادي الرأسمالي أو الاشتراكي، يرى الإسلام أن مشكلة التنمية الاقتصادية لا تتمثل في نقص الموارد أو شح الطبيعة كما يرى الفكر الرأسمالي (نظرية مالتيس مثلا)، ولكن المشكلة الاقتصادية في الإسلام تكمن في ظلم الإنسان لنفسه وكفرانه بهذه النعم، فقد وفر الله تعالى  للإنسان الموارد الكافية لسد حاجاته المادية، لكن الإنسان ضيع على نفسه هذه الفرصة، بظلمه لنفسه وكفرانه بالنعم الربانية، ويتجسد ظلم الإنسان على الصعيد الاقتصادي في سوء توظيف و توزيع الموارد… وللمساهمة في حل مشكلة التنمية الاقتصادية و حسن توظيف و توزيع الموارد وضع الإسلام عدة ضوابط نذكر منها:

أولا- فلسفة الضمان الاجتماعي الكفاية بدلا من الكفاف :

الفكر الاسلامي يقرر ضرورة كفالة حد أدنى من المعيشة لكل فرد في المجتمع الاسلامي، و لا يعني بذلك  حد الكفاف وإنما حد الكفاية، لأن حد الكفاف يُقَاتِل عليه المضطر لدفع غائلة الهلاك عن نفسه، و هنا نستحضر – بتحفظ _  المقولة الشهيرة المنسوبة للصحابي الجليل أبو ذر الغفاري” عجبت لمن لم يجد القوت يومه في بيته، ألا يخرج على الناس شاهراً سيفه؟!”

أما حد الكفاية فهو الحد الذي تكون فيه مسؤولية تحقيق هذا الهدف إما مسؤولية مباشرة، تقع على الأفراد من باب التكافل الاجتماعي ..و إما مسؤولية جماعية تقع على المجتمع وتقوم به الدولة نيابة عن أفراد الأمة وتمثلهم في تحقيق ذلك…وحد الكفاية حق مشروع لجميع الأفراد في حال عجزهم عن تحقيق هذا الحد لأسباب خارجة عن إرادتهم كالمرض والعجز والشيخوخة و البطالة .. و في هذا الصدد يقول “الماوردي” في كتابه “الأحكام السلطانية” :” فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى..و تقدير العطاء معتبر بالكفاية..”

والجدير بالذكر، أن حد الكفاية حد نسبي غير ثابت، و يتغير تبعا لتغير ظروف  المجتمع، و تغير الضروريات و الحاجيات و التحسينات..فحاجيات الأمس تصبح ضروريات اليوم وتحسينات الأمس تتحول حاجيات اليوم، وهكذا في حركة دائبة تصاعدية يرتقي معها هذا الحد برقي المجتمع وتقدمه..و عدم وجود آليات فعالة لمواكبة هذا التغير  يؤدي إلى اتساع الفجوة بين طبقة الفقراء والأغنياء ..

ثانيا- العنصر البشري غاية التنمية و وسيلتها : العنصر البشري في الفكر الاقتصادي الاسلامي هو غاية التنمية البشرية وأهم وسائلها ، لذلك اهتم الإسلام بإعداده للقيام بمهمة “الاستخلاف” ، وشرط الاستخلاف يعني تسخير هذا المال لخدمة الخلق المستخلفين وتمكينهم منه ، أي تمكين استعمال و ملكية انتفاع.. قال تعالى : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون} (الأعراف الآية 10) و إعداد الإنسان للقيام بواجب الاستخلاف أي عمارة الأرض يقتضي بالضرورة  تربيته تربية إسلامية صحيحة وتعريفه بأن المال هو مال الله، قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور الآية 33)، وتعريفه انه مطالب بأن يحصل عليه بالحلال وأن يوجهه للإنتاج الطيب والاستهلاك الطيب .. وذلك من خلال الإيمان بأن الله هو المالك الحقيقي لهذه الأموال وهو المتصرف فيها كيفما شاء والإنسان مستخلف عليها ، فعليه استخدامها وتنميتها بالقدر الذي يمكنه من عمارة الأرض التي استخلفه الله فيها وأمره بعمارتها، والإيمان بان الله سخر للإنسان ما في الكون لخدمته ومزاولة النشاط الاقتصادي.. وكذلك الإيمان بالتفاوت في الأرزاق وبتسخير الناس بعضهم لبعض، ومن هنا يجب على الفرد المسلم السعي لكسب الرزق امتثالاً لأمر الله والرضي بما قسمه الله وفق حكمته وعدله وعلمه بما هو صالح لهم قال الله تعالى { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [سورة الزخرف: 32]…

وأيضاً الإيمان بأن مزاولة النشاط الاقتصادي عبادة وأن السعي لكسب الرزق وبذل الجهد فيه ابتغاء مرضاة الله ومساعدة له على القيام بواجباته التي أمره الله بها فانه يثاب عليها كما انه يحاسب عليها يوم القيامة  قال تعالى : {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *  عَمَّا كانُوا يَعْمَلُون}(الحجر الآية 92-93).. ومن هنا فلا بد أن يوجه هذا النشاط وفق أوامر الله وتوجيهاته وأن يكون الهدف منه التنمية التي تعود على جميع الأمة بالخير…

ثالثا- ضوابط  العمل الصالح الذي يحقق العمارة و الاستخلاف : عمارة الأرض تقتضي العمل باستمرار من أجل تنمية و تثمير المال لتغطية حاجات الانسان حتى قيام الساعة، والعمل المقصود هو ” بذل الجهد الدائب في تثمير الموارد، ومضاعفة الغلة من أجل رخاء الأمة ودعم وجودها وقيمها العليا “،  وهذا العمل هو  العمل الصالح الذي تزكى به النفس وتقوم به الأخلاق ، وتتسع به دائرة البر ويحفظ به الدين والبدن والعقل والمال والنسل.. و جاء في الحديث النبوي الشريف :(ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ) وهو العمل الذي يحقق الاستخلاف في الأرض  قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النور الآية 55)..

ولكي يقوم الإنسان بهذا العمل على أكمل وجه فإنه يجب إعداده علمياً وفنياً

وذلك عن طريق التعليم والتدريب ومده بأفضل وسائل الإنتاج والإمكانات ووضعه في المكان المناسب وتنميته وإكسابه مهارات تحتاج إليها الأمة وتشجيعه على الإبداع والابتكار كما لابد من تعليمه ما لا يعذر الجهل به من أحكام الشريعة

المعروفة من الدين بالضرورة حتى لا يقع في محظور أو شبهة حرام .. و الغاية  إيجاد العنصر البشري الذي تتحقق فيه صفة الصدق والأمانة إلى جانب

الخبرة والكفاءة امتثالاً لقوله تعالى: (إِن خَير منِ استَأْجرتَ الْقَوِي الْأَمِين .(

وبعد إعداد العنصر البشرى روحيا وفنيا ، يجب تـوفير فـرص العمل وفرضه على كل قادر، فالإسلام يحث الأفراد على اكتساب الرزق عن طريـق العمل.. والسبيل الحقيقي للتنمية لا يكون إلا بتعبئة الطاقات البشرية ودفعهـا فـي مجالات الإنتاج المختلفة، فتوفير العمل لكل قادر يضمن تشغيل كافة الموارد الإنتاجية للمجتمع ، و يعتبر توفير العمل لكل قادر من واجبات الراعي على رعيته …

و عليه يمكن القول، أن التنمية فى الإسلام مستمدة من عقيدة التوحيد، و منهجها مستوحى من الكتاب والسنة، وهذا يقتضي أن تكون خطة التنمية منسجمة  مع مكارم الأخلاق التي أرساها الاسلام، ومتضمنة الشمولية التى تمزج بين الروح والمادة في قالب واحد، وتنظر إلـى الإنسان من خلال هذا المفهوم الشامل، والتنمية هى عملية شاملة تبدأ بعد إنتاج الضروريات وإشـباع الحاجـات الضرورية، وهى تبدأ بالإنسان وتنتهي به فهو غاية التنمية ووسيلتها .. و سنحاول التوسع أكثر في هذا الموضوع في مقال منفصل إن شاء المولى.. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون ..

  • أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. الحلم جميل ولكن التطبيق مستحيل ١٤٠٠ سنه وما تقوله لم يطبق ولن يطبق لان العيوب كثيره والعالم ليس إسلامي فحسب ما ترضى به لن يرضاه الاخر

  2. والنتيجه استاذنا الفاضل هو ما نراه على الواقع , مع احترامي فالتنظير الغير قابل للتطبيق لا اهمية له .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here