د. طارق ليساوي: التدرج والانفتاح: أهم ركائز إستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة في الصين

د. طارق ليساوي

رأينا في مقال سابق بعنوان ” إستراتيجية إصلاح المقاولات المملوكة للدولة في الصين ” أن الهدف الأساسي لعملية الإصلاح التي انطلقت في الصين منذ 1978، هي خلق  “اقتصاد السوق بخصائص اشتراكية”  و أوضحنا أن هذا  النموذج ليس فريدا من نوعه، ف “الاقتصاد المختلط Mixed Economy  “، تم تبنيه من قبل العديد من بلدان أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وأيضا ببلدان أوروبا الوسطى في سنوات 70و80 من القرن الماضي وأمريكا اللاتينية ، و في العديد من الاقتصاديات الانتقالية، وقد تمكنت الصين ـ نسبيا ـ من تحقيق الانتقال نحو  اقتصاد السوق، فأغلبية أسعار المنتجات تم تحريرها، و المنافسة أصبحت تعم العديد من فروع الأنشطة الاقتصادية .. ، وأصبح السلوك الاقتصادي للمقاولات يتحدد أكثر وفق آليات السوق والمنافسة، و قد تبنت الصين منهجا تدريجيا في التغيير و الإصلاح..

أولا- الوضع قبل إصلاح النظام الصناعي

 لفهم الأهداف التي توختها الصين من خلال إنجاز إصلاحات مابعد 1978،و أيضا للوصول لتقييم دقيق لمدى فعالية الإصلاحات التي استهدفت المقاولات المملوكة للدولة خاصة  و الاقتصاد  عامة،  من المهم فهم طبيعة النظام القائم قبل هذه الفترة، إذ شكل النموذج السوفيتي خلال الخمسينات، النهج المتبع من جانب الحكومة الصينية على مدى العقدين التاليتين، فالشركات الصناعية الصينية كانت   تحت سيطرة الدولة، وهذه الكيانات يتم التعامل معها على أنها فروع للحكومة، وكان كل شيء يخضع لمسؤولية هيئة التخطيط المركزية، والتي تعمل من خلال أكثر من اثني عشر وزارة مخصصة لقطاعات صناعية معينة.

 وكما كان في الاتحاد السوفياتي السابق، فإن المشاريع الصينية مستقلة – كوحدة محاسبية- ولكن على خلاف ذلك، لم تحظى إلا بقدر ضئيل  من الاستقلال الذاتي في صنع القرار، و المشاريع تنفذ الأوامر التي ترسل من أعلى  إلى أسفل التسلسل الهرمي ، وتعمل على تنفيذ الأهداف التي تحددها الخطة، و الشركات تركز بصفة أساسية على تحقيق أهداف النواتج.

لذلك فإن الأسعار في هذا النظام الصناعي تحددها الدولة، ونادرا ما كانت تتغير قبل عام 1978.. ونتيجة لذلك، فان معظم الشركات كانت تحصل على أرباح كبيرة، ويستثنى من هذه القاعدة الشركات المختصة في إنتاج الطاقة والمواد الخام، فخفض أسعار هذه المواد جعل هذه المؤسسات عرضة للخسائر…فاحتكار الإنتاج والأسعار شجع على تحقيق أرباح كبيرة، غير أن هذه الأرباح كانت تعود للدولة لكونها تمثل الجزء الأكبر من إيرادات الحكومة، بينما تحتفظ المؤسسة بجزء بسيط من هذه الأرباح. ويعد هذا الإجراء من الإنجازات التي تم تبنيها بعد القفزة الكبرى إلى الأمام بهدف تحفيز المؤسسات على تحقيق المزيد من الأرباح …

فالقادة الصينيون، خاصة “ماو تسي تونغ”، كانوا غير راضين على جمود النظام الصناعي، وحاولوا إدخال تعديلات عليه فخلال سياسة  القفزة الكبرى إلى الأمام 1958-59 ، جرت محاولة لتبني نظام اللامركزية في صنع القرار على مستوى المشاريع الصناعية ،  غير أن اللامركزية التي تم تبنيها تمت دون مراعاة التنسيق بين المدخلات والمخرجات، و الخطة تمت وسط تجاهل تام لآلية السوق، فكانت النتيجة الفوضى وانخفاض حاد في الإنتاج الصناعي…

هذا النوع من اللامركزية في التخطيط الإداري بدأ في أوائل الستينات، فبعد فشل القفزة الكبرى إلى الإمام ، تم إدخال تعديلات على نهج اللامركزية في تدبير الصناعة . . كما أن الثورة الثقافية، جعلت الحكومة المركزية شبه مشلولة، فتم تعزيز اللامركزية في المناطق الريفية و الصناعات الصغيرة في مطلع السبعينات.

وفيما عدا المناطق الريفية والصناعات الصغيرة، لم يتم التخطيط وإدارة المؤسسات التابعة للدولة والصناعة خلال سنوات الثورة الثقافية (1966-76) ،  ذلك أن كثيرا من المسئولين الحكوميين (بما في ذلك  العديد من المسئولين بوزارات الصناعة وهيئة التخطيط) تم إرسالهم إلى الريف، وهو ما  اضعف الدولة .. و على العموم ، فان الإصلاحات التي تمت خلال هذه الفترة لم تستهدف بالأساس تحسين أداء المؤسسات المملوكة للدولة…

 ونحن على أعتاب جهود الإصلاح الرئيسي لل- 1978 ومع انتهاء هذه الفترة، الصناعة ظلت إلى حد كبير المملوكة للدولة، لكن في ذات الوقت كان هناك نمو وتوسع في قطاع الصناعة الجماعي بكل من المناطق الريفية والمناطق الحضرية، كما أن توزيع المدخلات لازال يتم وفقا للخطة (من خلال القنوات الإدارية بدلا من السوق)، لكن التخطيط والتخصيص أصبح يتم على مستوى المقاطعات وليس من قبل بكين.

ثانيا- تطور سياسات الإصلاح الصناعي بعد 1978

تميزت سياسة الإصلاح الصناعي بالتذبذب، فهي انطلقت في البداية بتبني بعض الإصلاحات الثانوية التي استهدفت إصلاح نظام الأسعار، ومنح قدر من الاستقلال الذاتي للمؤسسات الصناعية المملوكة للدولة، لكن مع نجاح الإصلاحات الأولى أصبحت دائرة الإصلاحات تتوسع وتتسارع..

ففي أوائل عام 1979، واجه الإصلاحيين الصينين وضعا مختلفا تماما عن ذلك الذي واجهه الإصلاحيين الروس وفي أوروبا الشرقية بعد 1989، فالحزب الشيوعي ما زال إلى حد كبير متحكم في الصين، ففي حين انه فشل في تحقيق الأهداف التي رسمها  إبان» القفزة الكبرى إلى الأمام  والثورة الثقافية«، إلا أنه ظل  متمسكا  ببعض مقومات الاشتراكية كالاعتماد على المؤسسات المملوكة للدولة و  التخطيط المركزي.

 وكان هناك اهتمام بمختلف الجهود المبذولة في هنغاريا وبولندا لجعل النظام الاشتراكي يعمل على نحو أفضل، ولكن حتى هذا المستوى من الجدل حول الإصلاح قد استبعد مسألة “الخصخصة”. و وكان هناك استعداد ناشئ لتحرير أسعار بعض المنتجات الزراعية وعدد قليل من السلع الاستهلاكية في المناطق الحضرية على أساس تجريبي ، ولكن لم يشمل هذا التحرير الجزئي أسعار الحبوب أو المدخلات الصناعية الوسيطة، ولم يبرز مصطلح “اقتصاد السوق الاشتراكي بالخصائص الصينية ““a socialist market economy with Chinese characteristics” – بل إن البعض فضل شعار» الاقتصاد السلعي المخطط «   “Planned Commodity Economy” – لكن مع انعقاد الجلسة الرابعة عشرة لمؤتمر الحزب الشيوعي الصيني 1992، كانت الصين تتمتع بثلاث مزايا كان لها دور في إنجاح الإصلاحات التي مست القطاع الصناعي :

الميزة الأولى: معظم الإنتاج الاقتصادي الصيني يتم في وحدات إنتاج صغيرة الحجم، كما أن الزراعة أصبحت بأيدي الأسر، والخدمات في أيدي صغار التجار، لكن باستثناء هذين القطاعين، ظلت الخدمات المالية محتكرة من قبل الدولة.. أما في القطاع الصناعي فإن حوالي 40 ٪ من الناتج الاجمالى الصناعي قد أنتج من قبل الشركات الصينية كبيرة ومتوسطة الحجم  . وهكذا ، نحو ثلاثة أرباع الاقتصاد الصيني هو في  أيدى الوحدات التي تحتاج إلى قليل  من إعادة الهيكلة حتى تصبح موجهة نحو الربح.

الميزة الثانية: تميزت الصين في بداية فترة الإصلاح بدرجة عالية من الاستقرار على صعيد الاقتصاد الكلي، فأسعار التجزئة المحلية  قد ارتفعت ب 1 ٪ فقط بين عامي 1965 و 1978 ، و درجة التضخم ظلت متواضعة.

وبالنظر إلى أن الصين وفرت قدر من المعاشات التقاعدية وغيرها من الاستحقاقات للعاملين في المؤسسات المملوكة للدولة في سياق إعادة الهيكلة، إلا أن عدد الأشخاص الذين استفادوا من هذه الإعانات الاجتماعية كان محدودا – خلافا لما  حدث في أوروبا الشرقية –إذ لم تتعدى النسبة المئوية لعدد المستفيدين  19 ٪ من إجمالي قوة العمل ومعظم هؤلاء الموظفين لم يصلوا بعد لسن التقاعد ، لذلك لم تشكل الاعتمادات المخصصة لتمويل المعاشات التقاعدية عبأ على الاقتصاد الكلى الصين إلا في مطلع  التسعينات. كما أن الصين لم يكن عليها ديون دولية على الإطلاق. ولذلك ، فالصين  في أوائل الثمانينات ، لم تكن  تعرف اختلالات خطيرة على صعيد الاقتصاد الكلي.

الميزة الثالثة: تحيط بالصين اقتصاديات نمت بسرعة في  النصف الثاني من القرن العشرين، وهو ما من شأنه أن يساعد الصين على الاستفادة من  الآثار غير المباشرة لدينامية الجوار، فكثير من المسؤولين ارجعوا الإنجازات الصناعية للبلدان المجاورة للثقافة الصينية، فإذا ما سمح البر الصيني لصينيوا ما وراء البحار بلعب دور اكبر في الصين، فيمكن أن تستفيد الصناعة الصينية من تجربتهم في كيفية تصدير السلع المصنعة إلى الأسواق الغربية.

وبناءا على ما سبق، تم اتخاذ عدة تدابير لإصلاح المؤسسات التابعة للدولة من 1979 إلى 1983، و كان التدبير الأكثر أهمية هو زيادة التركيز على أرباح المشاريع، بالسماح للمؤسسات بالإبقاء وإنفاق الأرباح فوق المبلغ المحدد في المخطط، أما الإصلاح الآخر الذي في مطلع الثمانينات، فقد انصب حول تبسيط وتخفيض الرقابة الإدارية ومتطلبات إعداد التقارير التي تؤثر على المشاريع الفردية، في الجزء السفلي من التسلسل الهرمي، فتبلورت العديد من الجهود التي بدلتها السلطات الصينية لتقليص وطأة الرقابة الإدارية وتقديم التقارير إلى حكومة المقاطعة، باعتبارها – المالك- للمؤسسة والى الحكومة المركزية.

 وخلال هذه الفترة تم منح المؤسسات الصناعية مزيدا من المرونة في توظيف العمال الصناعيين… بالإضافة إلى ذلك، فان حجم العلاوات عرف زيادة، كما أصيح في إمكان  المؤسسات “بيع” أو التصرف في الناتج الذي يتجاوز الإنتاج الذي استهدفته الخطة، كما يمكن للمؤسسات الصناعية الاقتراض من البنوك العالمية لتمويل خطط الاستثمار الخاصة بها.

وبحلول منتصف الثمانينات، كان هناك مجموعة من واضعي السياسات الذين قاموا بدور رائد في إصلاح الصناعة المملوكة للدولة، وكان من بين هؤلاء »زهاو زيانغ « ، بوصفه أول أمين حزب من مقاطعة سيتشوان، المقاطعة التي كانت رائدة في الإصلاحات وتحديدا في تجريب الخصخصة في الزراعة، فنجاحه في تنفيذ الجولة الأولى من الإصلاح اجتذب اهتمام القيادة في بكين، وتم تعيينه مفوضا لرئيس الوزراء، مع تحميله مسؤولية الإشراف عن  الإصلاح الاقتصادي.

 فانتشار الإصلاحات الزراعية ونجاحها  في رفع مستوى الإنتاج الزراعي. أضفى على» زهاو زيانغ « مصداقية كبيرة باعتباره المصلح – وضم إلى نهجه  حلفاء أقوياء  بداخل قيادة الحزب الشيوعي، و نتيجة لمبادراته الإصلاحية اتخذت إصلاحات المؤسسات المملوكة للدولة خطوة كبيرة إلى الإمام و هو ما سنحاول توضيحه في مبادرات الإصلاح الصناعي 1980-1984، وبحكم أهمية هذه الإصلاحات و دورها المركزي في تقوية أداء المقاولات المملوكة للدولة، وإسهامها في رفع وثيرة النمو الاقتصادي، و رفع الصادرات الصناعية، فسنخصص لها مقالا منفصلا إن شاء الله.. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق أسيوي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here