د. طارق ليساوي: التحديات التي تواجه الربيع العربي في نسخته الثانية…

د. طارق ليساوي

بفعل الإحتجاجات الشعبية التي إمتدت في الجزائر لنحو 50 يوما تم إسقاط العهدة الخامسة و إجبار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الإستقالة و الإنسحاب بهدوء و دون إراقة دماء شعبه، و في ذلك موقف يُشكر الرجل عليه خاصة و أن له تاريخا سياسيا حافلا بدءا بمقاومة المحتل الفرنسي،   و لاحقا  الإسهام بفعالية في إخراج بلاده من حرب أهلية طاحنة ونجاحه في تحقيق الوئام و السلم في مطلع هذا القرن بعد عشرية سوداء..و بالمقابل نجح الشعب السوداني في إزاحة عمر البشير من السلطة بعد نحو ثلاث عقود من الحكم أفسدت البلاد و قادتها للتقسيم و أصبح السودان الغني بثرواته الطبيعية وسلة خبز العالم العربي لا يجد أهله رغيف الخبز إلا بشق الأنفس، و تحول السودان إلى سودانين..و لازال ملف دارفور لم يطوى بعد…فتحية للشعب السوداني الذي يستحق حكم سياسي عادل و ديموقراطي، و لعب من دون شك دورا بارزا في تحريك المياه الراكدة بالمنطقة العربية بعد نحو ثماني سنوات و نيف عجاف،  و بنفس القدر تحية للشعب الجزائري الحر …

فالموجة الثانية للربيع العربية إنطلقت بقوة، و نجحت إلى حد الآن في تجاوز النواقص التي تم تسجيلها في الموجة الأولى ، فالشعوب فهمت الدرس و إستوعبته بشكل جيد، و بنفس القدر الأنظمة الحاكمة أدركت أن الشعوب إذا أرادت فعلت…لكن علينا مع ذلك ، توخي الحذر و التحلي بالحكمة و الصبر و الإصرار على التغيير السلمي و الكامل، فالتحدي ليس إطاحة الحكام أو استبدال وجوه بوجوه، و لكن التحدي بنظرنا هو القطيعة مع الحكم الإستبدادي و الفاسد، و السعي بإتجاه إقامة حكم رشيد يعبر عن إرادة الناس و يوسع خياراتهم، و يستعيد السيادة الكاملة للشعوب …

و العائق أمام تحقيق هذا التحدي داخلي و خارجي :

أولا – العائق الداخلي ؛

تحقيق الإنتقال الديموقراطي و السلمي ليس بالأمر اليسير و الممكن، فالأنظمة العربية الحاكمة عمرت لعقود، و أسست لثقافة ريعية و لشبكة مصالح يصعب إزاحتها بمرونة، لذلك فمعظم هذه البلاد في حاجة إلى مراحل إنتقالية  لتحقيق المصالحة مع الحرس القديم و مع النخب المستفيدة من النظام القديم.. و معنى ذلك، الإبتعاد عن منطق الحل و العزل و العقاب الجماعي ، فليس كل من له صلة بالنظام القديم ينبغي تصنيفه على أنه فاسد و مُدَّان، فهذا أمر ينبغي أن يخضع للقضاء النزيه و المستقل،  لذلك فإن أحد أهم التحديات الناشئة بعد إسقاط نظم الحكم الفاسد، إعادة هيكلة المؤسسة القضائية و تطهيرها من الفساد و المفسدين، و الحرص على وضع الأساس لقضاء مهني محايد نزيه، و بنظرنا، فإن تجربة المصالحة في جنوب إفريقيا و إسبانيا و بعض بلدان أمريكا اللاتينية ينبغي التعامل معها بجدية و الإستفادة منها لتحقيق إنتقال سياسي و إجتماعي أمن و بأقل الخسائر ..

كما أن الشعوب مطالبة بالمشاركة بكثافة ووعي في تحقيق الإنتقال لذلك فإن الإستمرار في الإحتجاج بشكل سلمي و دون إضرار بالممتلكات الخاصة والعامة أمر لا مفر منه لفرض التغيير الحقيقي، و عدم الإغترار أو الإكتفاء بما تحقق إلى حد الآن، فذلك أمر غير كافي، فقد تم سابقا إسقاط مبارك في مصر ، و زين العابدين في تونس و القدافي في ليبيا، فما الذي تحقق في هذه البلدان..هل تم التأسيس لحكم ديموقراطي و فعال… إذ سرعان ما تم الإنقلاب على إرادة الشعوب و توجيه المراحل الإنتقالية و توظيفها لإعادة رموز النظام القديم، و ممارساته الفاسدة والظالمة إلى الواجهة طيلة السنوات الماضية التي أعقبت إحتجاجات 2011… هذا مع الحرص على الإحتجاج السلمي و عدم الإنجرار لمنطق العنف و ردود الفعل السريعة، فأي تدخل عنيف من قبل قوات الأمن ينبغي التعامل معه بضبط شديد للنفس، و تغليب منطق التسامح بدلا من ردود الفعل غير المحسوبة، فالحوار و القبول بالإختلاف و التنوع أمر لا مفر منه لإنجاح الفترات الإنتقالية، و  إقامة حكم ديموقراطي رشيد…

ثانيا- العائق الخارجي؛

هذا العائق لا ينفصل عن العائق الداخلي ، فسرعان ما يتم توظيف حالة الفوضى من قبل بلدان خارجية و خاصة القوى الدولية المهيمنة على موارد البلاد العربية وإمكاناتها، و إن كنا نرى أنا القوى الأجنبية الغربية على وجه التحديد ، تميل إلى تفضيل الإستقرار على الفوضى و هي على إستعداد القبول  بأي نظام سياسي يحقق الإستقرار، لا سيما و أن شبح اللجوء و الهجرة الجماعية، لازالت تخيم على ذهنية أغلب بلدان الغرب و هناك حرص على التعاطي مع حركة التغيير في الوطن العربي بإيجابية طالما أن الشعوب متيقظة، و بنظرنا أن التهديد الحقيقي مصدره بعض بلدان الخليج التي تحاول إستغلال و توظيف ما لديها من سيولة نقدية لتأبيد الحكم الإستبدادي و إعاقة التحول الديموقراطي السلمي و السلس… وذلك بغرض منع إنتقال عدوى المطالبة بالحرية و الدمقرطة إلى الخليج، و إن كنا نميل إلى إعتبار  ما يتم تنفيذه هو أجندة أجنبية يتكفلون تنفيذها بالوكالة، لكن على حكام الخليج أن يتعلموا من فشلهم في كسر شوكة ثورات الربيع العربي ل 2011، و ما يحدث في اليمن و تورط السعودية والإمارات في المستنقع اليمني هي نتاج طبيعي للسياسات الخاطئة ، كما أن إعاقة التحول الديموقراطي في مصر وسوريا و العراق كان من نتائجه تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة، و أيضا جعل المنطقة مفتوحة أمام التغلل الصهيوني ، و إن كنا نرى أن إيران لا تشكل تهديدا حقيقيا لشعوب المنطقة وخاصة في الخليج، لكن محاولة شيطنة إيران نابع بنظرنا من التخوف من إنتقال التجربة الديموقراطية الإيرانية إلى منطقة الخليج،  وهو نفس الأمر الذي تخشاه الأنظمة العربية المستبدة من نجاح الشعوب العربية في فرض إرادتها و إستعادة سيادتها …

و على ضوء ماسبق فإن الإستمرار في الإحتجاج السلمي هو الخيار المتاح لتحقيق إنتقال ديموقراطي حقيقي، و أن حركة التغيير لن تقتصر على الجزائر أو السودان بل ستمتد إلى باقي بلدان الإقليم، و أن أجندة الشعوب في الموجة الثانية للحراك لن تكون على نفس منوال المرحلة السابقة، فهذه المرحلة وما صاحبها من نكسات و خسائر بشرية ومادية جسيمة كان لها دورا في تمكين الشعوب من كشف حزب المنافقين و المنتفعين ، و أن تعرف من معها و من ضدها و في ذلك فائدة بالغة الأهمية…و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here