د.طارق ليساوي: البنك الدولي: يكشف أمراض المغرب المزمنة

tarek lisawi.jpg555

د.طارق ليساوي

أشرنا في مقال سابق لنا بعنوان “الدرس الكوري الجنوبي” بهذا المنبر وغيره، إلى ضرورة أخد العبرة من النموذج الكوري الجنوبي، و الجدير بالذكر أن ما جاء في هذا المقال الموجز تم تفصيله في تقرير صادر عن البنك الدولي، تناول موضوع التنمية في المغرب، و التقرير لم يأتي بجديد، إلا فيما أطلقه من انتقادات شديدة تجاه العجز التنموي و فشل السياسات العمومية  لا سيما في الجانب الاقتصادي و في مجال التعليم …

 و جاء في التقرير  أن المغرب تأخر عن أوروبا بنصف قرن، و انه جد متأخر عن الدول الصاعدة ذات الدخل المرتفع، و لا مجال لمقارنته بكوريا الجنوبية التي كانت تعادله في الدخل الفردي و مستوى التنمية في ستينات القرن الماضي، لكن اليوم كوريا الجنوبية وصل بها الدخل الفردي إلى 70 ضعف الدخل الفردي في المغرب (حوالي 27 ألف دولار في كوريا الجنوبية مقابل 7000 دولار في المغرب)…

الواقع أن تقييم خبراء البنك الدولي للوضعية التنموية في المغرب على درجة كبيرة من الصواب من الناحية الإحصائية و التقنية، لكن جانب الصواب في أمرين:

أولا – تحليل التجربة الكورية الجنوبية يفيد بأن نجاح هذا البلد كان نتيجة لتبني سياسات مخالفة لإملاءات “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي”، بينما المغرب انخرط بشمل مبالغ فيه في تنفيذ توصيات  البنك الدولي و الخضوع لأجندة “إجماع واشنطن”، و عندما يقر  البنك بفشل السياسة التعليمية  في المغرب فهو يهمل جانبا مهما في هذه الصورة وهو أن سياسات التقويم الهيكلي التي تبنها المغرب في ثمانينات القرن الماضي قد جعلت من الإنفاق العمومي على التعليم والقطاعات الاجتماعية هدر للموارد المالية العمومية…

الثاني- العنصر المسكوت عنه في تقرير البنك الدولي هو الفساد و الاستبداد السياسي و زواج السلطة بالتجارة و هي الظاهرة الطاغية على المشهد التنموي في المغرب، فتوصيات البنك الدولي و معه باقي المؤسسات الدولية أهملت جانب الحريات السياسية والمدنية و غضت الطرف عن الاستبداد السياسي الذي عرفه المغرب منذ ستينات القرن الماضي، فمن الصعب تحقيق إقلاع اقتصادي وتنموي في ظل أنظمة سياسية وبيروقراطية فاسدة …و هو ما أهمله هذا التقرير، و إن كان قد أشار ضمنيا إلى ذلك في بعض الفقرات…

 وبعيدا عن وصفة البنك الدولي، فان تحقيق لتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب مرتبط بداية بالإصلاح و التغيير السياسي فقواعد اللعبة السياسية في المغرب منذ الاستقلال – الشكلي- إلى اليوم لا تخدم التنمية ، فموارد البلاد تنفق في غير محلها و صياغة السياسات العمومية في مجمل القطاعات تتحكم فيها المصالح الفئوية و ليس المصلحة العامة لمجموع المغاربة…

لذلك فالأولوية ليست تنفيذ إصلاحات جزئية تشمل الاقتصاد أو التعليم، فالمغرب في حاجة إلى إصلاحات جذرية كفيلة بخلق دورة تنموية حميدة، فالإصلاح السياسي و الدستوري و فق المنهجية الديمقراطية المتعارف عليها كونيا هو المدخل لتحقيق التنمية، و الإصلاح السياسي و الدستوري ينبغي أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد بين الحاكم و المحكوم و أهم بنوذه الشعب مصدر السلطة (بعد الله جلا و علا طبعا) ، فاليوم البلاد في حاجة إلى فصل للسلط و تدعيم المراقبة و المساءلة على كل المسؤوليين العموميين، وتقييم انجازاتهم وتفعيل عنصر الثواب و العقاب…

وهذا هو العنصر المفقود في بلادنا، فبدلا من محاسبة ومساءلة الذين تبث تورطهم في قضايا فساد، يتم تعيينهم في مناصب أكبر من التي كانوا فيه، و بدلا من وقف نزيف الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج و تقارير منظمة الشفافية العالمية تقدر حجم هذه الأموال الساخنة التي تحرج من المغرب بطرق شرعية وغير شرعية بملايير الدولارات سنويا …يتم الاستمرار في سياسة غض الطرف عن هذا النزيف المالي لان في ذلك مصلحة لأصحاب الكراسي و المكاسب…

إن أجندة التنمية في البلاد مرتبطة بتدعيم المساءلة والمحاسبة والتقييم، و هذه الضوابط تقتضي سلسلة لا متناهية من الإصلاحات منها تدعيم الحريات السياسية والفردية وتعزيز دور وسائل الإعلام و الحق في الحصول على المعلومة ، و تدعيم دور القضاء المستقل و النزيه، ووضع قوانين فعالة و عامة تطبق بشفافية وعلى الجميع دون استثناء..

و هذه الإصلاحات و السياسات العمومية الرشيدة مرتبطة بوجود حكومة رشيدة ومعبرة على إرادة الناس، و هو العنصر الغائب فعليا في التجربة المغربية منذ عقود، فوجود حكومات فعالة منبثقة عن إرادة الناس يعد لوحده مدخلا رئيس لتحقيق دورة تنموية حميدة ، ويكفي في التجربة المغربية أن نذكر ثلاث محطات رئيسية في تاريخ الحكومات المغربية والتي استطاعت إلى حد ما إثارة نقاش تنموي عمومي و حقيقي:

  • حكومة عبد الله إبراهيم و التي وضعت خطط و سياسات عمومية معبرة عن إرادة الناس لكن لم يكتب لها التنفيذ على ارض الواقع بفعل الاستبداد السياسي…

  • و حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي فتحت اوراش كبرى لكن بدورها لم تستمر لنفس العلة

  • و حكومة ما بعد 2011 و التي انبثقت من رحم حراك شعبي محلى و عربي لكن فشلت بدورها في تحقيق تطلعات الشارع، و دائما لنفس العلة الاستبداد و الحكم الفردي الذي لايريد صوتا يعلو على صوته…

و الواقع أن صوت الشارع أخد يعلو و سيستمر، احتجاجا على الفشل التنموي. فالاقتصاد المغربي، بالرغم من التساقطات المطرية والظرفية الاقتصادية الدولية والإقليمية فانه لا يتجاوز في أحسن الأحوال 4 في المائة، و  أن حجم الهدر في الموارد والاستثمارات العمومية المنفذة أو المتوقعة بلغ نسب جد عالية، فالاستقرار السياسي –النسبي- في المغرب بعد الربيع العربي يقتضي جعل المغرب وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، لكن ما وقع كان عكس ذلك، فالمغرب يعاني عجزا في ميزان مدفوعاته، وارتفاع في حجم الدين العمومي، و اختلال التوازنات الماكرو اقتصادية و انحدار مؤشرات التنمية … و يظل السبب الرئيسي هو الفساد و الاستبداد السياسي و غياب الحوكمة والحكم الرشيد، و فشل السياسات العمومية التي لا تعبر إلا على إرادة واضعيها…

 و الأجانب أكثر من أهل البلد يعرفون هذه الحقائق، فلا يعقل استثمار موارد البلاد بالخارج وتقديم الهبات للغير و استمرار الإنفاق العمومي المظهري و الباذخ و المسرف، في بلد يعاني أمراض تنموية مزمنة …و الله غالب على أمره .

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. شكرا دكتور طارق على هذا التقييم الموضوعي للواقع السياسي والاقتصادي للمغرب حقا ان غياب الحكامة وتدخل السلطة في الاقتصاد والرضوخ لا ملاءات صندوق النقد الدولي وهيمنة الباطرونا والطبقية واحتقار المواطن المغلوب على امره .كل هذا ادى وسيؤدي بالمغرب الى مالاتحمد عقباه..شكرا مرة اخرى

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here