د. طارق ليساوي: الإنفاق العمومي في “زمن الكورونا” عنصر أساسي في مواجهة التحديات الناشئة، ولعلاج نذرة الموراد لابد من إجراءات إستثانية صارمة

 

د. طارق ليساوي

أشرنا في مقال “أهم الخلاصات العلمية المستفادة من تجربة الصين في محاصرة “فيروس كورونا المستجد” إلى أن “الإنسانية تعيش لحظة حاسمة في تاريخها، وتواجه تهديدا حقيقيا، ينبغي التعامل معه بعقلانية وصرامة، فالمعركة حاسمة وساحة المعركة تشمل معظم البلدان والشعوب وتمس الأفراد والجماعات، وتؤثر على صحة الناس وأقواتهم، فالخسائر المالية والاقتصادية الراهنة خرافية وفي المستقبل ستكون أكبر وأشمل وستقود حتما إلى تغيرات سياسية واقتصادية  عميقة، وسنة 2020 ستكون سنة فاصلة، وسيذكرها التاريخ كما ذكر الثورة الفرنسية واكتشاف رأس الرجاء الصالح، واكتشاف الأمريكيتين، واكتشاف المحرك البخاري، وغيرها من الاكتشافات العلمية والاحداث السياسية التي غيرت مسار البشرية…”

فالفيروس هزم الشعوب والحكومات، وأظهر عجز البنية الصحية في البلدان المتقدمة، أما في البلاد النامية ومنها طبعا أغلب البلدان العربية والاسلامية فإن الوضع شديد السوء، خاصة مع تواجد حكومات تفتقد للكفاءة والشرعية ومصداقية شعوبها، والمصداقية شرط لازم لتجاوب الشعوب مع قرارات الحجر الصحي وباقي الإجراءات والتدابير الاحترازية لمنع تفشي الوباء، والتقليل من الخسائر البشرية، لذلك فإننا نوجه خطابنا إلى  الأفراد بضرورة الالتزام بإجراءات الحجر التطوعي أو الإجباري، والبقاء في البيوت ومنع الأطفال من الخروج، وتقليل الحركة للخارج إلا للضرورة، والعناية بنظافة اليدين جيدا وباقي أجزاء الجسم الظاهرة، وتغيير الملابس وتعقيمها لأن الفيروس يبقى على الأسطح (أي سطح الثوب أوالهاتف أوالكمامة أوالأرض…) ومحاولة العناية أكثر بالمسنين، والأفراد المصابين بأمراض مزمنة كالسكري والفشل الكلوي، والأمراض الرئوية..

لكن مواجهة الفيروس لاينبغي حصرها في التدابير الصحية ومنع الناس من الخروج من بيوتهم ومنع التجمعات، نعم هذه إجراءات ضرورية ونؤكد على أهميتها في إحتواء المرض وتقليل إنتشاره وهذا ما أكدته تجربة الصين وباقي البلدان الأسيوية التي تجاوزت مرحلة الذروة ونجحت في حصار المرض .. لكن هذه التدابير الإحترازية ينبغي مواكبتها ودعمها بإجراءات موازية لا تقل أهمية ، من قبيل توفير المؤن من مواد غدائية ومواد أساسية كالماء والكهرباء والغاز، وأدوية للمرضى، وإذا كان الميسورين يملكون بعض المدخرات التي تمكنهم من توفير هذه الاحتياجات، فإن أغلب البلدان العربية والاسلامية تعرف نسب كبيرة من الفقر والبطالة، فكيف يمكن التعامل مع العمال المياومين، الذين يحصلون على قوتهم بشكل يومي وما أكثرهم في بلداننا ؟

 وفي هذا السياق أستحضر موقف رئيس وزراء باكستان الذي رد على توصية منظمة الصحة العالمية بضرورة فرض تدابير الحجر الصحي على السكان، فكان جوابه “كيف أطلب من أغلبية الشعب البقاء في بيوتهم وهم فقراء؟” وموقف هذا الرجل يُحترم لأنه على الأقل كان صادقا مع نفسه وشعبه،فالجوع أخطر من المرض في كثير من الأحيان ، وعلينا في مثل هذه الظروف تجاوز خلافاتنا السياسية والعقائدية، ولكن بالقدر نفسه، ينبغي تعزيز إجراءات التضامن وترشيد الإنفاق العمومي وتوجيهه إلى الفئات المعوزة والغير قادرة على مواجهة الظروف الطارئة..

وأولوية الأولويات توفير المواد الأساسية لغير القادرين بالمجان أوبثمن رمزي، فإغلاق المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم وغيرها من المؤسسات والمشاريع الصغرى والمتوسطة، يعني تشريد ملايين البشر ووقف مصدر دخلهم، وأغلب العاملين بهذه المؤسسات من محدودي الدخل، ويضاف إلى هؤلاء معدومي الدخل من العاطلين والعاجزين، فالتدابير الحكومية ينبغي أن تتجه لدعم هذه الفئات بمنحهم دخل شهري يغطي احتياجاتهم الأساسية طيلة فترة مكافحة هذا الوباء، أو تزويدهم بالمؤن الأساسية وتخفيف الأعباء المالية على عاتقهم..

المعركة بنظرنا، تتجاوز حصار المرض، نعم حماية الأرواح أولوية الأولويات، لكن التحدي الأكبر هو مواجهة الآثار التي أنتجها هذا الوباء، والذي عمق وسيُعَمِق من معاناة ملايين البشر، فقد أعلنت “منظمة العمل الدولية” أن العالم سيشهد فقدان 20 مليون فرصة عمل في هذه السنة جراء انتشار الوباء، وفي بلداننا التي تعاني من الفقر والاستبداد والفساد وضعف التنمية الأزمة ستكون مركبة وأكثر خطورة.. لذلك، نناشد الحكومات إلى تجاوز أنانيتهم، وتوسيع أفق تفكيرهم، فأمريكا تقرر تخصيص 1000 دولار لكل مواطن فقد عمله شهريا، والصين البلد الذي يحكمه نظام قمعي على حد تعبير البلدان الغربية، وزع الجيش الشعبي الصيني المؤن بالمجان على السكان بالمدن التي تم فرض الحجر الصحي عليها، مع توفير العلاج بالمجان ، كما إتخدت الحكومة إجراءات فورية لدعم الشركات العاملة في الصين بتخصيص ميزانية مفتوحة   لدعم المؤسسات التجارية والصناعية وغيرها من المؤسسات المتضررة، وتعليق أداء كافة الالتزامات الائتمانية على الأفراد والمؤسسات ..نفس التوجه رأيناه في مختلف البلدان الأوروبية فإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا تقرر تخصيص إعتمادات مالية إستثنائية لمواجهة التحديات التي أنتجها الوباء خاصة على المستوى الإقتصادي ، بل إن وزير المالية الفرنسي يقرر إمكانية اللجوء إلى التأميم لإنقاد الشركات الفرنسية..

لذلك، نطالب الحكومات العربية والإسلامية ، إلى تحمل مسؤولياتها في هذه اللحظة التاريخية، ندرك جيدا أن الموارد العمومية شحيحة وعاجزة عن الوفاء بالالتزامات الطارئة، لأن أغلب هذه الحكومات  تتطلع الى التسهيلات الإئتمانية التي ستحصل عليها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالة الدولية، ونحن  نقول لهم هذا المنبر لا تراهنوا كثيرا على هذه الأموال لسببين: الأول- أن العالم سيشهد تبخر تريليونات الدولارات والأزمة مست الجميع وكل بلد يحاول إستغلال ما لديه من موارد لمواجهة الأثار السلبية والتي ستمتد لنحو4 سنوات قادمة على الأقل، فالعالم سيشهد ظروف إقتصادية واجتماعيه قاسية، وسنشهد بعد نهاية الوباء ومحاصرته، والتي من المؤكد ستنتهي إن شاء الله بمجرد إيجاد لقاح، وفي نظرنا الجهود جارية في الغرب والشرق للتوصل إليه، وعلى خلاف ما هو متداول، فالصين إقتربت من إيجاد لقاح ولذلك سمحت الحكومة بإختباره سريريا، ونفس الجهود تتم في مختبرات أوروبية.. ولكن    الأزمات المالية والإقتصادية التالية للوباء ستكون أكبر وأخطر وأعم، ولعل أبرز ملامحها تغيير الخريطة السياسية  في العديد من بلدان العالم بما في ذلك بلدان الغرب المتقدم..

  ثانيا- الاموال التي سيتم تخصيصها – على نذرتها- ستكون أموال مشروطة، وسترهق كاهل الشعوب لعقود أخرى..

 وبنظرنا ، البديل هو الضغط باتجاه استرداد الأموال المنهوبة وهي كافية لتغطية الالتزامات المالية الناشئة، وإذا كان من الصعب استردادها كاملة فعلى الأقل حجز نصف ثروات هؤلاء الفاسدين، وهم معروفين لكل الحكومات وأجهزة الرقابة والتدقيق المالي وأجهزة الإستخبارات المختلفة.. وهنا نوجه الحكومات العربية والإسلامية إلى الإستفادة من   تجربة ماليزيا بعد 2018 ” وكيف تمكن ” محمد مهاتير”  من استرداد مليار الدولارات في أقل من 10 أيام…

أما المراهنة على الإحسان العمومي والإنفاق التطوعي من قبل الأغنياء فإن ذلك غير كافي، خاصة وأن أزمات الشعوب العربية والإسلامية مصدرها هؤلاء الفاسدين الذين وظفوا المنصب العمومي، وقربهم من السلطة لتحقيق ثروات “قارونية” ولطالما قلنا بأن زواج السلطان والتجارة أس المصائب.. لذلك، نرى أن الإجراء الحازم والفعال والذي سيدعم مصداقية الحكومات في هذه الظروف العصيبة، هو استرداد الثروات التي تم نهبها بطريقة غير مشروع، وأجهزة الدولة المختلفة تعرف جيدا المفسد من الصالح، وبدلا من تشكيل خلية أزمة لمواجهة “كورونا” ، ينبغي أيضا تشكيل خلية أزمة لإستراد الأموال العمومية التي تم نهبها، لأن هذه الأموال هي التي ستمكن الحكومات من تمويل جهود محاصرة الوباء، وأيضا مواجهة التأثيرات اللاحقة، والتي نتوقع أنها ستكون أسوأ من الوباء نفسة… وبنفس القدر ينبغي تشجيع الإحسان العمومي وتعزيز التضامن بين أفراد المجتمع، وتفعيل فريضة الزكاة وسن القوانين التي تمنح المزكين إبراء ضريبي، والتحسيس بأهمية الزكاة وإنفاق العفوفي مثل هذه الظروف العصيبة، وإن كنا نرى أن فريضة الزكاة والإنفاق في أوجه الخير ضروري في كل زمان ومكان وليس فقط في “زمن الكورونا”… والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here