د. طارق ليساوي: الإقرار بنسبية الحضارة الغربية مدخل أساسي لتجاوز الصدام.. والفوضى التي يعيشها العالم الإسلامي نابعة من رؤيته للغرب وتقدمه

د. طارق ليساوي

أثار مقال “الأزمات المالية وتفشي الأوبئة وتناسل الحروب المدمرة أهم سمات النموذج التنموي الغربي، والبديل العودة إلى الاعتدال والوسطية بدلا من التطرف والشذوذ عن الفطرة..” جدلا واسعا بين القراء، وهذا الجدل يثير قدرا كبيرا من الإعجاب، ويدفعنا إلى الاستمرار في نشر مقالات متخصصة ، فأحيانا يشعر الكاتب بأنه يُنفق جزءا من وقته وجهده في عمل لا يفيد –على الأقل في الوقت الراهن- وما يدفعه إلى المواظبة هو الأمل في المستقبل وفي الأجيال القادمة ، وأيضا هو عمل تعبدي نتوخى منه التقرب إلى المولى عز وجل شكرا لنعمه وفضله، وأيضا دفاعا عن هذا الدين المفترى عليه، لأن سلاح الكلمة والوعي بنظرنا هو أهم سلاح في عصر المعرفة.. وبالرغم من أن تخصصي بالأساس هو الاقتصاد الصيني والأسيوي ومجال عملي وإشتغالي محصور في هذا الجانب، إلا أن الكاتب وبعد إطلاعه على العديد من التجارب التنموية الدولية خَلُص إلى أن هذه التجارب بالرغم من نجاحها في تحقيق النمو الاقتصادي والتقدم العلمي، وغز والفضاء، والتحرر من الفقر والعوز والسيطرة على الطبيعة وتغيير الفطرة… إلا أنها أضرت بالنهاية بالبيئة والإنسان ..

بالإضافة، إلى أن العالم الغربي تحكمه نظرة استعلائية لحضارته وإنجازاته، فهو يرى أن حضارته إنسانية بديلة عن الحضارات الإنسانية الأخرى، بما تمثله مـن قـيم سـليمة، قـيم حضارية مبنية على العدالة والمساواة والأخوة والمحبة، لا مجال فيها لتسلط إنسان على إنسان، حضـارة تمثـل الملاذ الآمن للبشرية جمعاء…وفي ذلك مجانبة واضحة للصواب وطمس مقصود للحقائق، فصعود الغرب وتقدمه كان نتاج لمسار حضاري طويل أسهمت فيه البشرية عبر عصورها المختلفة، كما أن الحضارة الغربية التي تَسَيَّدت العالم منذ بداية القرن 16 م، قامت على مبدأ الاستعمار ونهب ثروات الشعوب المستضعفة، وقد خلُصَت العديد من الدراسات والبحوث إلى أن أزمات ونواقص النموذج الحضاري الغربي علاجها متاح بالعودة إلى المنهج الرباني وإلى وسطية وإعتدال الإسلام ، ومحاولتنا نقذ الحضارة الغربية لا يعني بالضرورة الجهل بها أو نفي إنجازاتها، لكن لا ينبغي الأجد بالطالح والصالح، نقل الروح والتقنية، فهناك إيجابيات في هذه الحضارة وهناك سلبيات أيضا، والحضارات في الأصل قائمة على التكامل والتفاعل، فحضارة المسلمين لم تلغي إيجابيات الحضارة الإغريقية أو الفارسية أو الصينية ، والحضارة الغربية وصعودها إعتمد على تراث المسلمين لكنها أنكرت فضل المسلمين، وحاولت طمس هويتهم ودينهم لأنهم في مرحلة ضعف وغثائية، وبنفس المنهجية تعاملت مع باقي الحضارات فقد أنكرت دور الحضارة الصينية والهندية، لكن عندما صعدت الصين أصبحت الثقافة الصينية في الأكل واللباس والموسيقى موضع اهتمام من قبل الغرب….

فالفوضى التي يعشها العالم الإسلامي نابعة من رؤيته للغرب وتقدمه، فلو أدرك المسلمين على حد تعبير “مالك بن نبي” أن: ” صدق الظواهر الأوربية مسألة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه الـنقص فيهـا، كمـا سيتعرف على عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات مع هذا العالم الغربي أعظم خصباً، لتظفر الصفوة المسلمة إلـى حد بعيد بمنوال تنسج عليه فكرها ونشاطها” حيث أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هـو الذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، يجب تشريحها وتفهمها في إطار علاقتها بالمشكلة الإنسانية بصفة عامة، وبالمشكلة الإسلامية بصفة خاصة، لذلك سنحاول إظهار “نسبية الغرب” عبر تحليل بعضا من إيجابياته وسلبياته، وسيقتصر هذا المقال على بعض الايجابيات،على أن نخصص مقالا منفصلا للسلبيات مع العلم أننا في نقذنا للنموذج الغربي، ودوعتنا للإطلاع على المنهج الاسلامي قد أشرنا إلى بعض سلبيات الأنموذج الغربي…

مبدئيا، من الصعب حصر إيجابيات حضارة ما في مقال محدود، لكن الغاية من هذا التحليل إقرار مبدأ “النسبية” ونفي “الكمال” عن الحضارة الغربية أو غيرها، فالكمال لله وحده، أما السلوك البشري فهو نسبي يتضمن الصواب والنقص وهذه سنة من سنن الله..

فالحضارة الغربية نجحت في تحقيق جملة من الانجازات العلمية والثقافية التي يصعب إنكارها، ونجحت في تحقيق هيمنة عالمية عبر نشر سلطانها وثقافتها وقيمها، فمنتوجاتها المتنوعة في كـل ميدان وفي كل بقاع العالم، ومن هنا أصبحت الحضارة الغربية عالمية، خاصة وأنها استطاعت توحيد المشكلة الإنسـانية،

حيث أن العبقرية الغربية تمكنت من تحقيق ” هذا التوحيد حين أوصلت مقدرة الإنسان إلى المسـتوى العـالمي، وهـو يتجلى في حياة كل شعب وفي تشكيلاته السياسية، وفي ألوان نشاطه العقلي والفني والاجتماعي، فالمقـاييس وطرائـق

السلوك والتفكير لا تكف عن التقارب على محور طنجة – جاكرتا، ومحور واشنطن – موسـكو”..

وهكـذا سـادت مفاهيم الغرب ونظرياته المختلفة في شتى مجالات المعرفة والعلم والسياسة والاقتصاد وغيرها، ويمكن القول أن هـذا الانتشار يعتبر هيمنة للحضارة الغربية ومثالاً لغيرها من الحضارات، وبالقدر نفسه فإن الحضارة الغربية قربت المسافات بين مختلف أجناس الإنسانية ووحدت مشاكلها وآمالها وطموحاتها، حتـى أصـبح المصير الإنساني مشتركا، بل إن الوعي الفردي والاجتماعي أصبح واسعاً أكثر مما كان عليه من قبـل، حيـث أصـبح مرتبطا بهموم الإنسانية جمعاء… ومن دون شك، أن معظم شعوب العالم تبنت أنظمة أنمـاط الحياة التي أبدعها الغرب، مع انتشار النموذج الاستهلاكي الغربي، بالإضافة إلى انتشار الإنتاج الصناعي والتكنولـوجي الغربي في العالم كله ، بل في كل بيت في العالم وليس في كل مجتمع فقط ” ( للتوسع أكثر أنظر: مالك بن نبي ، مذكرات شاهد للقرن، ترجمة عمر كامل مسقاوي ، ط 2 دمشق : دار الفكر،1984، ص 40. (..

وكما سادت منتوجات الغرب الصناعية والثقافية والعلمية سادت مفاهيمه ونظرياته في العلم والمعرفة وفي السياسة والاقتصاد ….هذا الانتشار قد ينظر إليه باعتباره نوعاً من هيمنة الحضارة الغربية، وهذا صحيح.. غير أن “ابـن نبـي” ، ينظر إلى الموضوع من زاويته السوسيولوجية والتاريخية، إذ أن الإنسانية مع الحضارة الغربية اقتربت بينها المسافات، وتوحدت مشاكلها وآمالها، بشكل جعل المصير الإنساني مشتركاً وموحداً، ولا يمكن لبلد أن يبنـي مشـروعا

اجتماعيا أو التفكير في تغيير حضاري، دون الأخذ بالحسبان العامل الخارجي، أي الإنساني.. وتبعا لذلك، فإن وعي الفرد والجماعة تحول وتوسع، فبعدما كان في دائرة المجتمع الضـيق أصبح مرتبطاً بدوائر إنسانية أوسع، بل أصبح مهتماً بكل المشاكل الإنسانية…وهذا ما نراه في توحد الهموم والأزمات والأوبئة، فلم يعد أحد بعيدا عن ما يحدث في أي مكان من العالم، ولا أحد من البلدان بعيد عن تأثير متتالية الأزمات ، فعالمية الحضارة الغربية أو “العولمة ” بقدر ما لها إيجابيات لها سلبيات، وفي البلدان الهشة والضعيفة سياسيا واقتصاديا لا تجني من العولمة إلى الطالح، أما الصالح فمن نصيب البلدان والحكومات القوية، وهوما سنحاول توضيحه في مقال منفصل إن شاء الله.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي.. أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. الحضارة التي تقوم على ملايين الجماجم تبقى حضارة زائفة في كل مظاهرها

  2. من حقائق التاريخ ان الانسان العربي ابن الصحراء اسس لحضارة انسانية عظيمة عالمية
    استفاد منهاكل من عاش في ظلالها بل انها فرضت نفسها في الحياة اليومية
    وهي عالمية لانهاتخطت الحودود وتفوقت بذلك على كل من سبقتها من حضارات
    وكل اللغات الاروروبية فيها كلمات بل ومصطلحات عربية مثل كلمات سكر قهوة قلوي
    وبوءبوؤ في كل مجالات الحياة الحياتية البسيطة من المطبخ الى غرفة النوم
    وفي الطب والعلوم على اختلافها
    اللغة الاسبانية والمالطية خير شاهد على ما اكتب
    وان اول من كتب النوتة الموسيقية هو الفيسلوف العربي الكندي
    وعمارة الاندلس وقصر الحمراء خير شاهد على حضارة العرب
    ومكتبة بغداد وبيت الحكمة دليل عظم على المستوي الثقافي للامة
    وما يخص احترام المراءة
    لقدكانت المراءة وما زالت الحديقة الخضراء للرجل العربي التي يلجاء اليها للتخفيف عنه ولشد ازره امام هموم الحياة وقسوتها
    الغرب يعلم من هم العرب كما قال ديغول انهم امة دينميكية والغرب يعلم انه سارق لحضارتنا وان الوريث الشرعي لحضارته هم نحن امة العرب

  3. وكما قال الشيخ الغزالي رحمه الله
    ان تخلف المسلمين عن اسلامهم هو مشكلة المشاكل وهو التخلف الحقيقي
    وهنا احب ان اذكر بمقولة للصليبين القادمين من اوروبا الى فلسطين
    لماذا علينا ان نعود الى الغرب الحزين الموبوء بعدان من الله علينا العيش في الشرق الاسلام

  4. ليس من فكر او حضارة كاملة ولكن هناك نسبية واضحة في تغلب حضارة على الأحرى. مما لا شك فيه ان هناك اشياء لا بد من الاعتراف بها مثلا . الانسان العربي ما زال عشائريا ،عاطفيا لا يهتم بنظافة المحيط العام ويلقي بالقاذورات كيفما. اتفق
    لا يهتم للسلم المجمعي فهو يصرخ ويسب ويقاتل لاتفه الاساب .والعلم عنده الحصول على الشهادة كديكور ولا يقرا ولايحترم المراة ولا يقدر الفنون ولا يزال يبحث عن فتوى تبرر افعاله ، وهو متعصب.دينيا …… ولا ولا. ولا. ……_____ قد اكتب مقالا

  5. ،””””” لتظفر الصفوة المسلمة إلـى حد بعيد بمنوال تنسج عليه فكرها ونشاطها” حيث أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هـو الذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية””””

    الصفوة المسلمة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here