د. طارق ليساوي: إحتجاجات “السترات الصفراء” تستهدف بنية النظام الرأسمالي وإيديولوجيته القائمة على ليبرالية متوحشة وإقتصاد سوق متحرر من القيود

د. طارق ليساوي

احتجاجات أو حركة السترات الصفراء  Mouvement des gilets jaunes  هي حركة احتجاج في فرنسا وبلجيكا إنطلقت في شهر أكتوبر الماضي، لكن بلغت ذروتها يوم  17 نوفمبر 2018، و عملت   الحركة على إغلاق الطرق وتسببت في فوضى مرورية، و إعتماد السترات الصفراء هو إشارة إلى أن الأمر يتعلق بالسيارات و الوقود ، فالقانون الفرنسي يفرض على سائقي  السيارات حمل سترات صفراء مميزة وارتدائها عند خروج السيارة عن الطريق في حالة الطوارئ… واندلعت المظاهرات إحتجاجا على زيادة أسعار الوقود والضرائب المفروضة عليه…

 غير أن الحركة أخدت تتسع أفقيا و عموديا، فقد إنضم إليها فئات واسعة من الشعب الفرنسي، وإتسعت لتشمل مدن جديدة، بل إنتقلت عدواها إلى بلجيكا و هولاندا..و سقف مطالبها أخد في الإتساع، ليشمل  غلاء المعيشة و التفاوت في توزيع الثروة و إنحياز الحكومة للأغنياء…والملاحظ أن الحركة عفوية  فليس لها قيادة واضحة، وقد اكتسبت بفعل وسائل التواصل الاجتماعي أنصارا جدد، وجذبت إليها فئات مختلفة من الفوضويين في أقصى اليسار إلى القوميين في أقصى اليمين… وهي بهذا الشكل تشابه بنية الحركات الإحتجاجية التي شهدتها البلدان العربية في 2011 و إنتهت بإسقاط أربع أنظمة سياسية، و تذكرنا أيضا، بالإحتجاجات الطلابية والعمالية التي إنطلقت في فرنسا في مايو 1968و و إحتجاجات الضواحي عام 2005.

وقد تعاملت الحكومة الفرنسية مع الإحتجاجات بقدر كبير من الإنضباط، فعلى الرغم من تصاعد أعمال الشغب، إلا أن تعامل الشرطة مع المحتجيين ظل مقبولا،  و لعل في هذه المرونة درسا بالغ الأهمية لحكامنا العرب الذين لا ينتقون من الغرب إلا ما يخدم هواهم، و يسهم في تدمير شعوبهم، ففي المغرب يحاكم المحتجيين ب 10 سنوات سجناً و ما فوق، و لم يحرقوا أو يدمروا ممتلكات عامة أو خاصة،  و كل جرمهم أنهم عبروا عن أرائهم ومطالبهم بطرق إحتجاجية سلمية لم تبلغ ربع معشار ما حصل في فرنسا،  بينما في فرنسا أقصى الأحكام بلغت  ثلاث أشهر سجنا، لمُتَورِطين في إحراق مبنى عمومي…فالمؤسسة القضائية الفرنسية تغلب العدالة والمصلحة العامة على التملق للحاكم…

و لعل موقف الحكومة المتعقل نابع من الخوف من تأجيج مشاعر المزيد من الفرنسيين، خاصة وأن هناك سوابق تاريخية، توضح أن الشعب الفرنسي من الصعب إخضاعه، أو ضبطه بالإعتماد على القبضة الأمنية، فالفرنسيين أحفاد الثورة الفرنسية لعام  1789- 1799، التي أطاحت بالنظام الملكي و أسست للنظام الجمهوري، و إنتقلت عدواها لباقي بلدان أروبا، و هو نفسه الشعب الذي أطلق إحتجاجات مايو 1968، و إحتجاجات 2005 و التي   بلغ محصول أعمال الشغب فيها خلال 19 ليلة،  إحراق نحو  8,700 سيارة، وإحراق عدد من المباني العامة، و توقيف نحو2,700 موقوف، و تم إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر،  وقد كان للغة المتشددة التي إستعملها وزير الداخلية الفرنسي أنذاك “نيكولا ساركوزي”، ووصفه مثيري  الشغب بأنهم “حثالة” وقوله إن العديد من الضواحي تحتاج إلى “تنظيف صناعي”، سببا في تأزيم الوضع…  وقد إضطر إلى الإعتذار، و الإعتراف بأن المشاكل التي تسببت باندلاع أعمال الشغب أُهملت على مدى ثلاثين عاما وستحتاج لوقت كبير لتُحل…

و فعلا فالأزمة أكثر تعقيدا، فالوضع المزمن الذي تعرفه فرنسا اليوم، ومعها أغلب البلدان الغربية و الناشئة في الشرق و الغرب،  تتجاوز إرتفاع أسعار المواد الطاقية و المواد الغدائية … و إنما الأزمة بنيوية و تشمل بنية النظام الرأسمالي و إيديولوجيته القائمة على تبني ليبرالية متوحشة و إقتصاد سوق متحرر من القيود …

فالعالم بعد انهيار جدار برلين دخل حقبة تعميم النمط الرأسمالي في الإقتصاد، كما في السياسة و الإجتماع، فانهيار الكتلة الإشتراكية، وفشل النموذج الإشتراكي، فسر آنذاك على أنه انتصار للنظام الرأسمالي الأفضل و الأكفأ، لكن واقع الحال كان غير ذلك، و لعل هذا الابتهاج بانتصار النظام الرأسمالي، هو مادفع إلى تبني مقولات نهاية التاريخ، و القرن الأمريكي و ما إلى ذلك من العبارات و الشعارات الممجدة لقيم الرأسمالية و الليبرالية الغربية..

لكن هذا الابتهاج و السعي إلى “أمركة” العالم و تعميم قيم إقتصاد السوق، و جعل الرأسمالية الخيار الأوحد، لمختلف شعوب و بلدان العالم ، وإن إقتضى الأمر تعميمها تحث الضغط المالي و الاقتصادي، عبر بوابة المنظمات المالية الدولية،  أو عبر القوة العسكرية كما حدث في حالة الغزو المباشر للعراق و أفغانستان، أو بشكل غير مباشر عبر استغلال الأزمات السياسية و الإقتصادية التي تمر بها البلدان المختلفة، و إجبارها على تنفيذ إصلاحات جذرية بغرض “لبرلة” الإقتصاد، و خصخصة المؤسسات العامة و تحرير حركة السلع ورؤوس الأموال دخولا وخروجا، و تقليص دور الدولة و حصره في الأمن و التنظيم، بمعنى استبدال مفهوم الدولة المتدخلة بالدولة الحارسة…

لكن بعد مرور أكثر من ثلاث عقود على هذا التوجه الدولي المتطرف (بدأ من أزمة 1971)، وجب النظر إلى ماذا تحقق للشعوب، وهل نجحت قيم الرأسمالية و إقتصاد السوق بغير قيود ، في تحقيق ماتم الترويج له من رفاه اجتماعي، و توسيع لخيارات الناس الإقتصادية و الإجتماعية و بالأحرى السياسية، أم أن هذا النموذج المتطرف قد قاد إلى كوارث إجتماعية و إقتصادية و قلص من حريات و حقوق الأفراد و الجماعات؟ و ماهي البدائل المتاحة للخروج من حلقة النموذج الرأسمالي المتوحش؟

لقد تطور النظام الرأسمالي عبر العصور و لم يبقى جامدا أمام التحديات الناشئة والأزمات المتتالية، إذ ظهرت مدارس و تيارات فكرية، مواكبة لهذه التطورات التي شهدها النظام الرأسمالي خاصة بعد مرحلة الكساد الكبير لعام 1929، فظهرت  مدارس فكرية منها ” الكينزية” و ” الليبرالية الجديدة” و ” التاتشرية” و  “مدرسة  شيكاغو للاقتصاد” و التي لعبت دورا بالغ الأهمية في صياغة ملامح رأسمالية العقدين الأخيرين و أشهر روادها (فرانك نايت ، فريدريش فون هايك، جورج ستيجلر، ملتون فريدمان..) و قوة المدرسة و تأثيرها نابع من أن أغلب قادة العالم في السياسة و الاقتصاد تتلمذوا على يد أساتذة هذه المدرسة..

و أهم خصائص هذه المدرسة تبنيها لليبرالية متوحشة، مناهضة لدولة الرفاه، و مشجعة على أسلوب “العلاج بالصدمات”، فهي ترى أن  الأزمات و الكوارث الطبيعية او الحروب التي تمر بها الشعوب و البلدان، ينبغي استغلالها لتنفيذ حزمة إصلاحات سياسية و اقتصادية و اجتماعية، تنسجم مع توجهات المدرسة بغض النظر عن الأثار الاجتماعية، و الأخلاقية المترتبة على ذلك.. والدافع إلى ذلك أن الشعوب و الجماعات تكون فاقدة لروح المقاومة أثناء اندلاع الكوارث و الأزمات.

فما يحدث في أغلب بلدان العالم من وصفات الإصلاح و التحرير  و نقل العبء الضريبي للمستهلك و الفئات الشعبية و محاباة الأغنياء و رؤوس الأموال، بدأ من سياسة التقويم الهيكلي في أواخر سبعينات القرن الماضي، والتحول الاقتصادي الذي شهدته بلدان شرق أروبا و روسيا ، وكذلك ماحدث في الصين خاصة بعد أحداث “تيانتامين”…و الإجراءات و التدابير التي خضعت لها بلدان شرق آسيا بعد الأزمة المالية لعام 1997، و كذا الإجراءات المتحدة في الولايات المتحدة ذاتها سنة 2008 مع اندلاع أزمة الديون العقارية، و التي تحولت لأزمة مالية عالمية، تأثرت بها بلدان أوربا كاليونان و إسبانيا و عمت العديد من البلاد الأخرى بما في ذلك فرنسا و غيرها من البلدان، ماهو إلا تجسيد لليبرالية المتوحشة و علاج بالصدمة …

وعموما، فالنظام الاقتصادي الرأسمالي السائد منذ ثلاثة  عقود تحكمه  نواقص بنيوية أهمها تسليع المال.. فالمال أصبح يولد المال دون الحاجة إلى العمل، فتكدس الثروة بواسطة الثروة نفسها وليس بواسطة العمل، فمنذ عام 1971 إلى الآن، كان التوجه العام للاقتصاد الرأسمالي يؤشر إلى أن القطاع المنتج في تباطؤ، وأن القطاع المالي هو الذي ينمو بشكل سريع، وتشيرالتقديرات إلى أن 90% من الحركة اليومية للرأسمال تتمركز في القطاع المالي، وبالتالي فإن الاقتصاد الحقيقي لا يحظى إلا بنحو 10% من النشاط المالي… وهذا الأمر فرض -بالضرورة- أن تتحكم “الأوليغارشية” المالية بمجمل الاقتصاد، وبالسلطة في الدول الرأسمالية، وأن تفرض منطقها عالميا، و أن تصبح آليات النهب هي السائدة في عموم النمط الرأسمالي المحلي و العابر للحدود، ومن ذلك، التوسع في سياسات خفض الأجور، والتخلي عن الضمان الاجتماعي والصحي والتعليم المجاني، وزيادة العاطلين عن العمل، و هي المطالب التي ترفعها حركة السترات الصفراء..

و إنتقلت  السلطة من الحكومات إلى الكيانات الاقتصادية العابرة للحدود، وهو ما أدى إلى تقييد الحكومات والسياسات أمام الكيانات الإقتصادية الرأسمالية الضخمة ، وبالتالي التأثير على القرار السياسي، والتحكم فيه مما يؤدى إلى انحياز السياسات الإقتصادية و التنموية إلى طبقه بعينها، مما يؤدى بالنتيجة إلى توسيع دائرة الحرمان الاقتصادي و الاجتماعي مقابل توسيع خيارات القلة الهيمنة على السلة و الموارد الاقتصادية..

و نتيجة لهذه الاختلالات البنيوية، أصبح من الضروري بحث عن طريق ثالث وسط ، فمن المستبعد العودة للنظام الإشتراكي الذي تبت فشله في بلدان المهد ، ومن الصعب الاستمرار في نظام رأسمالي أصبح أقرب لإنتاج الأزمات و الكوارث الإقتصادية و المالية، بدلا من إنتاج الثروة و تعميم الرفاه وتعزيز الاستقرار والانضباط…

و بنظرنا، فالأسباب الكامنة وراء الأزمات الاقتصادية و المالية في النظام الرأسمالي رغم تعدد تسمياتها، إلا أنه يصعب إخراجها عن تحويل المال إلى سلعة ، و ما يصاحب ذلك من احتكار واستغلال عبر انتشار الربا، فأغلبية الشعوب في الغرب و الشرق، و في العالم المتقدم و الناشئ و النامي على السواء،  تعاني من الحيف و الإستغلال و العبودية لمالكي رأس المال..

لذلك، فإن  أزمات الرأسمالية، علاجها وارد في القرأن الكريم قبل نحو 14 قرن،  فالإسلام حرم المعاملات الماليّة الربوية، ويشمل التحريم كافة القروض التي تُمنح للأفراد أو المُنشآت بنسبة فائدة مالية.. وهذا التحريم نص عليه القرأن قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم)..فالإسلام يحظر  الربا ويحرم الاحتكار، ويدعو إلي العمل و الإنتاج و إلى عدالة التوزيع و هي مقاومات أساسية لتأسيس  لاقتصاد حقيقي بدل إقتصاد مبني على الفقاعات المالية، إقتصاد في خدمة عامة الناس و ليس إقتصاد يسخر عامة الناس لصالح قلة من الناس….و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون….

إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here