د. طارق ليساوي: أهم ما يميز التجربة التنموية الصينية حرصها على تنمية الإنسان و المؤشرات الكمية توضح ذلك

د. طارق ليساوي: أهم ما يميز التجربة التنموية الصينية حرصها على تنمية الإنسان و المؤشرات الكمية توضح ذلك 1

د. طارق ليساوي

حاولنا في أكثر من مقال تقريب القارئ العربي من الداخل الصيني، و التحديات الكبرى التي تواجه هذا العملاق،و أوضحنا أن التعامل مع الصين كقوة عظمى لا ينبغي أن يتجاوز الرؤية الكلية إلى التحليل الجزئي أو القطاعي،لأن هذا هو المنهج يمكننا من فهم الواقع الصيني أكثر، و فهم طبيعة الأولويات و التحديات التي تواجه صانعي القرار بالصين، فعلى الرغم، من أنها  تمكنت طيلة الثلاث العقود الماضية ، من الحفاظ على وتيرة الصعود السريع لمكانتها الدولية من خلال معدلات استثنائية للنمو الاقتصادي، والتطور التكنولوجي، بالتوازي مع التوسع في الاستثمارات الصينية في مختلف أرجاء العالم، وتنفيذ مشروعات عالمية عابرة للحدود، مثل “مبادرة الحزام والطريق” التي تعتبر محاولة صينية جادة “لأصينة العولمة” أو التأسيس ل”عولمة بخصائص صينية”، على غرار “الاشتراكية” و “إقتصاد السوق” ب”خصائص صينية”…و التوجه نحو هيمنة الصين التدريجي على النظام الدولي…

لكن إمكانيات الصين الضخمة إقتصاديا و ديموغرافيا عسكريا و سياسيا..، بالقدر التي تتيح فرص للقيادة الصينية لتعزيز نفوذ الصين الاقليمي و الدولي، إلا أنها تمثل في ذات الوقت عائق، بالنظر إلى حجم التحديات التي تنتظر الصين على المستوى الداخلي، و هو ما يجعل إهتمام الصين بالعالم الخارجي مرتبط باحتياجات و أولويات الأجندة الداخلية خاصة على المستوى الاقتصادي و الأمني و تحديدا أمن طرق الملاحة البحرية، و سلاسة تدفق موارد الطاقة و المواد الخام إلى البر الرئيسي الصيني…

فالصين تواجه عدة تحديات تحد و تقلص من  وتيرة صعودها، وتحد من قدرة الصين على القيام بالدور الذي لعبته أمريكا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث اعتمدت على الديمقراطية ورأسمالية السوق كداعمتين أساسيتين للعولمة أو “الأمركة”..وتتمثل أهم هذه التحديات في: تدني مستوى الخدمات الأساسية، وتفاوت توزيع الدخول، وتهديدات أمن الطاقة، بالإضافة إلى تهديدات الاستقرار السياسي، واحتمالات التعرض لأزمات اقتصادية ممتدة..كما حصل بعد الأزمة المالية الأسيوية لعام 1997 و الأزمة المالية لعام 2008 و الأزمات الناتجة عن تفشي الاوبئة كأزمة “سارس” 2003 و أزمة “كورونا المستجد” 2020..

و سنحاول من خلال هذا المقال إعطاء صورة عن واقع التنمية البشرية في الصين من الناحية الكمية، على أن نخصص مقالا منفصلا نركز فيه على التفاوت في توزيع عوائد التنمية بالداخل الصيني، لأن هذا الأمر يشكل تهديدا حقيقيا للإستقرار السياسي و السلم الاجتماعي للصين، و يقلص من فرص تحقيق  “المجتمع المتجانس” الذي تسعى القيادة السياسية في الصين تحقيقه ..

ذلك أن الحكومة الصينية اهتمت منذ عقود بتحسين حياة الشعب الصيني، وهذا يندرج ضمن استراتيجية تنموية محورها الإنسان، فالأجهزة الحكومية في الصين أكدت في مناسبات عديدة، على أهمية بناء “مجتمع متجانس يسوده الرخاء”، وذلك بحلول عام  2020، وهو ما يتطلب توازن سليم بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية  للتنمية، والحد من الفوارق الكبيرة بين مختلف أجزاء البلاد. ففي الجلسة العامة ليوم 11  أكتوبر 2006، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قرارا بشأن بناء مجتمع متجانس، حيث أكد على  أن الأولوية يجب أن تعطى للمناطق الأقل نموا والمناطق المحرومة، وبأن الحكومة المركزية سوف توفر الموارد المالية الضرورية  للمناطق التي تعاني من خصاص في البنى التحتية و  الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والثقافة  الخ ، وهذا يعني إعطاء أولوية أكبر مما كانت عليه في الماضي إلى التنمية الاجتماعية ، بما فيها الخدمات الحيوية للفئات ذات الاحتياجات الخاصة، وتضييق الفجوات بين الريف والحضر، وبين المناطق المختلفة…

فمنذ بداية عهد الإصلاح في الصين سنة 1978، شهدت البلاد تحسنا جذريا في معظم  مؤشرات التنمية البشرية على المستوى الوطني، غير أن هذه الانجازات التنموية تخفي بين طياتها تباينات حادة بين المقاطعات الصينية وبين المناطق الحضرية والمناطق الريفية كما أن التنمية الاقتصادية لم يكن عائدها الاجتماعي -الدخل والثروة- متوازنا بين مختلف المناطق الصينية والشرائح الاجتماعية ..وقد سجلت الصين أداء قويا في معدلات التنمية البشرية خلال عام 2018، و بحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2019 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، فإن قيمة مؤشر التنمية البشرية الصيني بلغت 0.758 لعام 2018، لتحتل المرتبة 85 بين 189 دولة ومنطقة… وأوضح التقرير أن قيمة مؤشر التنمية البشرية بالصين ارتفعت بنحو 51.1 في المئة مقارنة مع قراءة بلغت 0.501 في عام 1990.. و هو ما وضع البلاد في فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية..و جعل من الصين الدولة الوحيدة في العالم التي انتقلت من مجموعة التنمية البشرية المنخفضة إلى فئة التنمية البشرية العالية منذ إصدار مؤشر التنمية البشرية في عام 1990.

وقد شهدت الصين تحسينات في العوامل الرئيسية المرتبطة بالتنمية البشرية خلال الفترة من 1990 إلى 2018، مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع بواقع 7 أعوام إلى 76 عام، وكذا ارتفاع سنوات التعليم المتوقعة بمعدل 5.1 عام إلى 13.9 عام..كما سجلت الصين تقدما في مجال التعليم مقارنة بالبلدان النامية، إذ تمكنت من تعميم  التعليم الإلزامي لمدة تسع سنوات في كل من المناطق الحضرية والريفية، كما أن معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية لدى الأطفال في سن الدراسة بلغ أكثر من  99 % بين عامي 2000 و 2005، كما سجلت زيادة في إجمالي معدل الالتحاق بالمدارس الإعدادية من 88.6 في % إلى 95%. ومعدل التسرب من المدارس الابتدائية سجل انخفاضا إلى أدنى مستوى.

أما معدل محو أمية الكبار فقد انتقل من 67.1 % في عام 1980 إلى أكثر من 90.7 % في عام 2006 ، وهو معدل أعلى من المتوسط العالمي البالغ (78 ٪) والمتوسط في ما بين البلدان النامية  (77 ٪) في عام 2004 .. كما أن متوسط عدد سنوات الدراسة التي تلقاها الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و أكثر ارتفع في الصين من 5.3 سنة في عام 1982 إلى 8.5 عام في عام 2005، كما  أن دخول 40 بالمئة الدنيا من السكان ارتفعت بمعدل 263 في المئة بين عام 2000 وعام 2018 في الصين، مما ساهم في الخفض السريع للفقر المدقع..ومع ذلك، بقيت بعض المشاكل، مثل التفاوت المتزايد في مجالات مثل الدخل والتعليم والموارد الطبية ومتوسط العمر المتوقع…

كما أن الصين حققت تقدما كبيرا في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية: “بعض من هذه الأهداف، بما في ذلك خفض نسبة السكان الذين يعيشون في الفقر و وتعميم التعليم الابتدائي للجميع، وهذه الأهداف تم إنجازها بالفعل، قبل عام 2015 الموعد النهائي لتحقيق أهداف الألفية ” ..غير أن هذا الانجاز الكلي، تعتريه بعض  النواقص لعل أبرزها : التفاوتات الحادة في مدى الاستفادة من أثار النمو وهو ما أصبح يمثل عائقا في وجه قيام “المجتمع المتجانس” ، وهو ما دفع الحكومة الصينية إلى وضع مؤشر خاص بها لقياس “حجم التجانس أو التناغم” بداخل المجتمع الصيني، فانتقل المؤشر من 0.57 في عام 2000 إلى 0.69 في عام 2006 و 0.75 عام 2010..

 وعموما، وفقا  للمؤشرات الكمية السالفة الذكر يمكن التأكيد على أن الصين حققت تقدما هائلا على المستوى التنموي، غير أن هذا التحليل الكلي  لن يساعدنا في تحديد صورة واضحة عن واقع التنمية البشرية في الصين، وذلك راجع بالأساس إلى وجود تفاوتات في مستوى التنمية بين المقاطعات الصينية : فالمقاطعات الساحلية هي أكثر نموا من المقاطعات الشرقية أو الغربية ، كما أن  المناطق الريفية هي أقل تنمية من  المناطق الحضرية.. و هو ما سنحاول توضيحه في مقال منفصل- تفاديا للإطالة- إن شاء الله.. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون…

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

7 تعليقات

  1. يرى الكثير من الدارسين أن النموذج الصيني لا يخرج عن كونه ” نيوليبراليا ” انطلق متزامنا مع انطلاق النيوليبرالية في عهد تاتشر و ريغن و لكن بسلطة شيوعية.

  2. الشكر أولا لجريدة الرأي التي تتيح لنا الفرصة للإطلاع على ما هو مفيد ولصاحبها العربي الأصيل والشكر أيضا للدكتور صاحب المقال الذي وضعنا في صورة مفيدة عن واقع العمل المضني الذي تقوم به الحكومة الصينية لبناء إمبرطورية عظمى تسود العالم إنسانية كما تبني بداخلها الإنسانية بدلا من إمبرطورية الشر والقتل والسرقات والنهب الذي تمارسه تجاه الإنسانية كلها والدليل حتى الكمامات البسيطة المرسلة إلى الذين يعانون الموت والذين لم يبعدهم عنه إلا سويعات فهذا هو ديدنهم وهذه هي أفعالهم القذرة .لكن وآحسرتاه إن أمتنا تمتلك إمكانيات وهبها الله سبحانه لها فيما لو نمتلك العقل لكنا خير امة أخرجت للناس ولتشكلت الإمبرطورية العربية الحديثة من المحيط إلى الخليج ولطبقنا مقولة إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ولكن قتلنا ودمرت بلادنا بالثروات العربية شكرا للدكتور الكاتب وأتمنى له التوفيق وأرجو أن يتحفنا دائما بالمزيد من هذه الأعمال.

  3. شكرا للكاتب الفاضل على هذا المقال القيم. ليت بني جلدتنا ياخذون العبرة من دلالات هذا المقال. ام ان الثروة التي انعم الله بها على بعض البلدان العربية الغت ونفت الاكثر اهمية الا وهي نعمة العقل…

  4. جزيل الشكر للكاتب على المقال وسابقيه. المقال الاخير ، بتناوله لجزئيات اقتصاد الصين ارغمني على ارشفته والعودة لسابقيه.

    ارى ان امكانيات نمو الصين ما زالت كبيرة فيما يخص التجارة العالمية ناهيك عن حثها للسوق الداخلية، وإن تراجعت العولمة ورجعت الحمائية. إذ كما علقت سابقا فيما يخص التكنولوجيا المتطورة ( طائرات النقل، الدارات المدمجة، الاسلحة…) الصين تجري وراء الغرب بفارق بضعة سنوات.

    بالتوازي مع سلسلة مقالات ” نمو الصين ” نرجو من الكاتب المحترم إن امكن ان يكتب عن نمو اندنوسيا، ذلك البلد المسلم الغير معروف لدى غالبيتنا.

  5. تصحيح
    أوضحنا أن التعامل مع الصين كقوة عظمى ينبغي أن يتجاوز الرؤية الكلية إلى التحليل الجزئي أو القطاعي،لأن هذا المنهج يمكننا من فهم الواقع الصيني أكثر، و فهم طبيعة الأولويات و التحديات التي تواجه صانعي القرار بالصين..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here