د. طارق ليساوي: أهم العوامل المساعدة على فعالية الأداء التنموي الماليزي: تحويل عوائق التنمية  إلى فرص، بفعل مرونة السياسات وتكيفها مع التحديات الناشئة..

 

 

د. طارق ليساوي

أشرنا في مقال الأمس المعنون ب “أهم ركائز التجربة التنموية الماليزية” إلى أن التجربة الماليزية من التجارب الناجحة على المستوى العالمي، لاسيما إذا ما قورنت بوضع البلدان النامية عموما و البلاد العربية خصوصا، ذاك أن البلد استطاع في وقت قياسي أن يسجل معدلات مرتفعة  في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.. فانتقلت تبعا لذلك، ماليزيا  من بلد متخلف يعتمد على الزراعة وتصدير المواد الأولية الى بلد صناعي متقدم، بالاعتماد على مواردها الذاتية بشكل أساسي، و بنهج أسلوب تنموي يحمل قدرا كبيرا من المرونة و الأصالة و التجديد، فلم تكن الرؤية الماليزية مجرد نقل للنموذج الرأسمالي أو للتجربة اليابانية، بقدر ما حاولت مواءمة السياسات التنموية والاقتصادية مع خصوصيات البلد الثقافية والإثنية و الجغرافية و الموارد الاقتصادية..

فقد شهدت البلاد تحولا تنمويا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، لكن مع اندلاع الأزمة المالية الأسيوية في أكتوبر 1997 سجلت ماليزيا كباقي النمور الأسيوية، هزات إقتصادية وإجتماعية عنيفة، و خسائر فادحة  في أسواق العملات و الاسواق المالية، مما كان له انعكاس سلبي على أداء الاقتصاد الماليزي، و بالرغم من تحقيق البلاد لمعدلات نمو سالبة بين عامي 98-2000، إلا أنها استطاعت النهوض مجددا من كبوتها بالاعتماد على الذات، و رفض الخضوع لتوصيات صندوق النقد و البنك الدوليين،و توجيه جهود التنمية نحو الاستثمار في أنشطة إقتصادية حقيقية ، بعيدا عن المضاربات و الفقاعات المالية، و لعل فترة ما بعد 97 و منهجية تعاطي الحكومة الماليزية بقيادة “الدكتور محمد مهاتير” مع الأزمة، هو ما أعطى للتجربة خصوصيتها و فرادتها، فقد كان لخبرة الرجل في مجال التنمية الاقتصادية، و مواقفه السياسية الجادة و الصارمة و الرافضة لهيمنة الشركات العابرة للحدود على الاقتصاد الوطني ، بالغ الأثر في تحقيق التقدم و التطور.. و هذا ما يجعل للتجربة أهميتها خاصة للبلاد العربية التي لازالت لم تجد بعد و صفة تنموية ناجعة، تخرج البلاد و العباد من دائرة الفقر و العوز و غياب الكرامة وسوء توزيع الثروة القومية..

و للتعمق أكثر في هذه التجربة، سيركز هذا المقال على توضيح مؤشرات الفعالية الاقتصادية، باعتبار أن المؤشرات أفضل ألية لتقييم مدى نجاعة السياسات التنموية، و حتى يكون التقييم موضوعي سنحاول إعطاء صورة موجزة لبعض العوامل التي ساهمت في هذه الفعالية….

أولا- مؤشرات الفعالية الإقتصادية:

يصنف الاقتصاد الماليزي كرابع أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، و 38 عالميا، بناتج محلي يعادل 999.83 مليار دولار (تعادل القوة الشرائية PPP ) و347.29 مليار دولار (إسمي) بمتوسط معدل نمو سنوي بلغ حوالي 4.5 طيلة الفترة من 2017-2019، و بلغ الناتج المحلي للفرد حوالي 30.815 دولار (تعادل القوة الشرائية PPP ) و 10.703 دولار (الاسمي) سنة 2018 ، و نسبة السكان تحث خط الفقر لم تتعدى 0.4 سنة 2016 ، القوة العاملة بلغت سنة 2017 حوالي15.03 مليون ، و معدل البطالة لم يتعدى  3.4%، و تتوزع القوة العاملة على النحو التالي: الزراعة 11.1% ، الصناعة 36 %، الخدمات 53%، و تعد إنتاجية العمل الماليزية أعلى بكثير من نظيرتها في بلدان مجاورة كتايلاند و إندونيسيا، الفلبين و فيتنام، و ذلك راجع إلى الكثافة العالية للصناعات القائمة على المعرفة، و الصناعات كثيفة رأس المال و المعتمدة على أحدث تقنيات التصنيع و الاقتصاد الرقمي..و بحسب تقرير التنافسية العالمية للعام 2018 احتل  الاقتصاد الماليزي الاقتصاد التنافسي رقم 23 عالميا ..

و بلغ حجم الصادرات الماليزية سنة 2017 حوالي 263 مليار دولار ، و الواردات حوالي 197 مليار دولار، بحساب جاري يعادل 9.296 مليار دولار.. و بلغ حجم الديون الخارجية حوالي 217.2 مليار دولار، ويمثل الدين العام حوالي 54.1% من (GDP)، أما إحتياطي  البلاد من النقد الأجنبي فقد بلغ حوالي 110 مليار سنة 2018، و التصنيف الإئتماني مستقر.. و بلغت  مداخيل الحكومة المركزية سنة 2017  حوالي 51.25 مليار، و النفقات حوالي 60.63 مليار، و تعتمد  إيرادات الحكومة المركزية بشكل أساسي على صادرات النفط، و بفعل تقلبات أسعار السوق الدولية سنة 2015 إتخذت الحكومة سلسلة من التدابير، بغرض زيادة الإيرادات.. ومن ذلك، فرض ضريبة على  المبيعات والخدمات بمعدل 6% ، لتقليل العجز والوفاء بالتزامات الديون الفدرالية…

وتبعا لذلك، فإن المواطن الماليزي  يعيش نمط حياة أكثر ثراءا مقارنة بباقي  البلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع مثل المكسيك وتركيا.. ويعود ذلك، إلى إنخفاض ضريبة الدخل، و إنخفاض تكاليف المعيشة، بفعل إنخفاض معدل التضخم الذي لا يتعدى 3.6%   سنة 2017، بالإضافة إلى مجانية العديد من السلع العمومية أو إنخفاض التكاليف الخارجة من الجيب: كالتطبيب و الدواء و النقل العمومي، و الرعاية الاجتماعية الشاملة المجانية.. مع متوسط دخل فردي تصل قيمته إلى 28.681 دولار للفرد (PPP، البنك الدولي، 2017)، أو 10.620 دولار (الاسمي).. لذلك تعد ماليزيا أغنى بلد في جنوب شرق أسيا بعد كل من “سنغافورة” و “سلطنة بروناي”…

ثانيا- بعض العوامل المساعدة على فعالية الأداء:

عند تحليل التجربة الماليزية لابد من الاقرار بأن هناك عوامل مساعدة و مشجعة لهذا الأداء، لكن هذه العوامل لم تكن إيجابية بالمجمل، بل هي سلبية و عائق أمام التنمية بالنسبة لبعض النظم السياسية ضيقة الأفق، غير أن مرونة الفاعل السياسي، و قدرته على تحويل نقاط الضعف إلى قوة، و حرصه على تحويل الصعوبات إلى فرص، أمر في غاية الأهمية.. لذلك، فإن التنوع العرقي الذي ينظر إليه في بلداننا العربية –تحديدا- على أنه معيق للتنمية و الاستقرار، أصبح في ماليزيا مفجر عملية النهضة والتحول، و الجوار الجغرافي الذي يتم التعامل معه بعدوانية في عالمنا العربي، أصبح بالنسبة لماليزيا مصدر إلهام و ناقل لعدوى التنمية، و تكييف الواقع و المعطيات، هو نتاج لمرونة و كفاءة السياسات و قدرتها على مواكبتها التحديات الناشئة:

  • الاستعانة بالجوار الجغرافي: منذ مطلع تسعينات القرن الماضي إتبعت ماليزيا خطى بلدان النمور الأسيوية ” كوريا الجنوبية- تايوان-سنغافورة –هونغ كونغ” و قد استعانت بتجربة اليابان للتحول من اقتصاد يعتمد على الزراعة و المواد الخام، إلى اقتصاد يعتمد على التصنيع، و في هذا السياق العام تم البحث عن منهجية لحل ظاهرة عدم التوازن في توزيع الثروة الوطنية بين فئات و طبقات المجتمع الماليزي، وقد رأينا أن أغلبية المجتمع الماليزي تتشكل من الملايو و يمثلون 60 في المائة من السكان ، بينما حصتهم في الثروة الوطنية أقل بكثير من الصينيون الذين لا يمثلون سوى 30 في المائة من إجمالي سكان البلاد..

  • التنوع العرقي مصدر للثراء: و في هذا السياق تم تبني مبدأ التمييز الايجابي فقد منح الدستور الماليزي مزايا للملايو..و من ذلك، تخصيص 60 في المائة من مقاعد الجامعات للملايو ، كما لعب التخطيط المركزي دورا محوريا في النهضة، فقد اعتمدت ماليزيا الخطط الخمسية FYP Five -Year Plan منذ عام 1955، و بموجب هذه الآلية تم التأثير في توزيع الثروات الوطنية ، و الاستثمار في البنية التحتية، و تبني سياسات تنموية و طنية تشجع الانتاج و العمل و الاستثمار المحلي عبر إحلال الواردات، و كانت البداية بالتركيز على تصنيع السلع الاستهلاكية و التي كانت في ملكية الشركات الأجنبية ، لكن هذا النهج لم يحقق نتائج إيجابية في البداية، بفعل ضيق السوق المحلية، و ضعف الطلب المحلي بفعل سوء توزيع الدخول بين فئات المجتمع كما بينا سابقا، و هو ما سيترتب عنه تعديل خطط التنموية فيما بعد…و هنا تكمن أهمية مرونة السياسات و يقظة الفاعلين السياسيين و تجاوبهم مع التحديات الناشئة…

  • مرونة السياسات : قلنا بأن أول خطة خمسية في ماليزيا، قد سعت إلى تقليل نسبة الفقر، وتحسين المستوى المعيشي للسكان، إلا أن هذه الخطة حققتنجاحاً محدوداً لم يكن كافياً على المستوى العام، مما أدى إلى حدوث اضطرابات واندلاع انتفاضاتواحتجاجات شهدتها ماليزيا في 19مايو 1969م، وباندلاع أحداث وأعمال عنف مناهضة للحكومة، اضطر الحكومة إلى صياغة خطة ثانية بديلة، تعطي بعدا أكبر وتحقق تنمية أوسع..فتم خلال فترة السبعينات، و هي الفترة التي تغطي كلاً من الخطة الماليزية الثانية (1971-1975) والخطة الماليزية الثالثة (1976- 1980)، تطوير دور الدولة وتدخلها، وتوسيع رقعة القطاعالعام في الحياة الاقتصادية الماليزية، ولقد ساعدت الزيادة في عائدات النفط في تمويل الحجم المتزايدللنفقات العامة، كما شهدت هذه الفترة بداية التوجه نحو التصدير، فبدأ التركيز على تصنيع المكونات الالكترونية و بعض المنتجات التصديرية كثيفة العمالة..و هو ما ساعد في امتصاص العمالة، و انخفاض معدلات البطالة، و تحسين إنتاجية العمل، و تحسين توزيع الدخول الثروات بين مختلف مكونات المجتمع الماليزي…فتنظيم دور الدولة التدخلي في السياسات الاقتصادية الماليزية ،كان في صالح خدمة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، حيث انتهجت الحكومة سياسات أقرب إلى “الكينزية”، و التي تقوم على مبدأ تفعيل الطلب الكلي الاستهلاكي والاستثماري،  بغرض تخفيض مستوى   الفقر و البطالة…

و مجمل القول، أن التجربة الماليزية تستحق الدراسة لكونها نجحت في تحويل الصعوبات إلى فرص، ووظفت الموارد الطبيعية و البشرية لبناء دولة عصرية ديمقراطية متطورة، لكن هذا الأداء أصبح ذا فاعلية أكبر مع مطلع ثمانينات القرن الماضي، و لاسيما في عهد رئيس الوزراء “الدكتور محمد مهاتير” و توفر قيادة سياسية وطنية واعية ونزيهة، و هو الأمر الذي يقودنا إلى تحليل البنية السياسية للنظام السياسي الماليزي و لشخصية “مهاتير” باني نهضة ماليزيا الحديثة.. لكن في مقال منفصل إن شاء الله ..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون ..

أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here