د. طارق ليساوي: أزمة كورونا ستغير الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية في العديد من البلدان وبداية الغيث الاحتجاجات الشعبية في أمريكا على مقتل “جورج فلويد”

د. طارق ليساوي

قبل فترة ليست بالبعيدة كتبت مقالا بعنوان “البيت الأبيض في عهد “ترامب” أَوْهَن من بيت العنكبوت..” نبهنا فيه أشقاءنا في الخليج بعدم الخضوع لإملاءات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وتصريحاته النارية وقرراته المثيرة للجدل، فالرهان على هذا الرجل هو رهان خاسر، فماضي الرجل سيعيق حاضره ومستقبله السياسي، فكما قال الرئيس الأمريكي السابق “إبراهام لينكولن” ‏”يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنك لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت” . وصدق فيما قال فمن الصعب خداع عموم الشعب الأمريكي، الذي يتوفر على مؤسسات دستورية يحكمها مبدأ فصل السلط فكل سلطة تراقب الأخرى وتحد من اندفاعها، ومن ذلك النظام القضائي الأمريكي و مؤسسة الصحافة..” و مناسبة إستحضار هذا المقال هو الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها العديد من المدن الأمريكية بما فيها العاصمة “واشنطن” و أمام البيت الأبيض، إحتجاجا على قتل المواطن الأمريكي من أصول أفريقية “جورج فلويد” على يد الشرطة بمدينة “مينابوليس” و مشهد القتل تم تصويره من قبل المارة، و هو مشهد أليم و يحمل دلالات عنصرية واضحة، و إنتفاضة الشارع تنديدا بهذا الحادث لايسعنا إلا إعتبارها نقطة مشرفة في تاريخ الشعب الأمريكي، الذي عبر جزء منه في أكثر من مرة عن رفضه لسياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة…

و حدث قتل مواطنين من الملونين ليس بالحدث الفريد و إنما هو شائع في أمريكا، ففي سنة 2019 تم قتل حوالي 1000 مواطن أمريكي أسود من طرف الشرطة، لكن ما يميز هذا الحادث أنه جاء في فترة حرجة من تاريخ أمريكا و العالم، ذلك أن البشرية تشهد أزمة صحية و إقتصادية و إجتماعية غير مسبوقة نتيجة تفشي فيروس كورونا و الذي فرض الحجر على بلدان و مدن بأكملها، فالمرحلة كان من المتوقع أن تقود إلى قلاقل إجتماعية و انتفاضات شعبية و قد شرحنا ذلك في أكثر من مقال، فأزمة كورونا ستغير الخريطة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية في العديد من البلدان و على رأسها البلدان الغربية المتسيدة للنظام الرأسمالي و الراعية للنظام العولمي…و قد رأينا أن موجة الاحتجاجات انتقلت بسرعة من مدينة “مينابوليس” إلى مدن أخرى، و انتقلت من أمريكا إلى كندا و بريطانيا و فرسا و نيوزلندة…

و إلى جانب أن هذه الاحتجاجات جاءت في ظرفية خاصة تميزت بالحجر و فرض الإقامة في البيوت على أغلبية السكان، و تزامنت مع تعزيز القبضة الأمنية و منح قوى الأمن صلاحيات أمنية واسعة، فالوضع الأمريكي متفجر أصلا بفعل وجود رئيس أمريكي له ميول عنصرية و اضحة ، بل إن الرجل مصاب بجنون العظمة ، و أفضل وصف له أنه يشبه حكامنا العرب، بل إن أسلوب إدارته للأزمة الحالية يشبه إلى حد بعيد “نفس الأسلوب المعتمد في مصر و إسرائيل” على حد تعبير مراسل شبكة CNN ، فالأوصاف التي وصف بها المتظاهرين لا تختلف عن تلك التي إستعملها سابقا “القدافي” عندما ثار عليه الشعب الليبي،فقد وصف “ترامب” المتظاهرين ب”اللصوص” و “الأنذال”، و هدد بإستعمال القوة الغير محدودة في مواجهة المحتجين،و هو الأمر الذي دفع بعض حكام الولايات و بعض أفراد الشرطة لمطالبة “ترامب” ” بغلق فمه إذا لم يستطع فعل شيء إيجابي يسهم في تهدئة المحتجين”..

“ترامب” عنصري هذا أمر مؤكد و لسنا في حاجة إلى شرحه ، كاره للعرب و للمسلمين و هذا أمر يخصه، لكن سلوكه “العنجهي” و أسلوبه “الفض” و صراحته التي لاحدود لها، أفادتنا كشعوب عربية و إسلامية و هذا أمر لابد من الإقرار به، فقد كشف لنا قلاع النفاق في عالمنا العربي، و زالت أقنعة أغلب الحكام العرب، فمن كان يتصور أن السعودية و الإمارات و العديد من بلدان الخليج تتأمر على باقي الشعوب العربية ، من كان يظن بأن السعودية و الإمارات ستلعب دورا سلبيا في وأد ثورات الربيع العربي ،لذلك فإني قلت منذ انعقاد القمة الاسلامية – الأمريكية بالسعودية، وبحضور ترامب و العديد من قادة البلدان العربية و الاسلامية ، أنه لا ينبغي سب “ترامب”، فالرجل يمارس السياسة بغير نفاق، و هو يختلف عن باقي رؤساء أمريكا، فالرجل غير محترف للسياسة، و قد كشف لعموم الناس ما كان الساسة في أمريكا و غيرها يحاولون إخفاءه أو تجميله بمسميات ناعمة…

فمن يتابع قرارات الرئيس الأمريكي ” ترامب” و تصريحاته منذ تنصيبه إلى الآن، يدرك أن الرجل يتحرك وفق عقيدة راسخة أساسها كره العرب و المسلمين عموما، و تأييد المصالح الأمريكية الإمبريالية، و دعم إسرائيل و الدفاع عن تطلعاتها العنصرية، على إعتبار أن الغاية واحدة…لكن كل هذا لا يهم فعداوة القادة الأمريكيين و الغربيين عموما للعرب و المسلمين ليست بالأمر

الجديد، فهي راسخة عبر أزيد من ١٤قرن منذ فجر الإسلام..

 فالمكائد و الحروب ضد المسلمين لم تتوقف، فمن سياسة الاغتيالات التي تعرض لها ثلاث خلفاء راشدين، مرورا بالحروب الصليبية و ما صاحب ذلك من تأجيج الصراعات الطائفية و الاثنية، إلى إبادة المسلمين في الأندلس، و سياسات الاستعمار الأوروبي التي تكالبت على تركة الرجل المريض و احتلت أجزاء واسعة من العالم العربي و الإسلامي ، وتسليم فلسطين لليهود وتشريد أهلها… إن جرد اعتداءات الغرب عموما على بلاد المسلمين لا تكاد تنتهي…لكن ما يهمنا حقيقة هو هذا الجبن الذي يظهره القادة العرب لجلادهم، كيف يعقل أن نتحالف مع هذا الرجل الذي يفكر بمنطق القراصنة و قطاع الطرق وليس بمنطق الزعماء، و القادة الذين يسعون لنشر التنمية و السلم و الأمن و ترسيخ أسس التعاون و التضامن والحوار بين الشرق والغرب …

فسياساته التي عبر عنها قولا و فعلا تستهدف بالدرجة الأولى العالم العربي و الإسلامي، فهو إستهدف إيران و ألغى الاتفاق النووي و حاول حصارها لكن هل تمكن فعلا من فرض رؤيته على القادة الإيرانيين؟ و حاول توظيف إيران لإرهاب بلدان الخليج بغرض حلب مدخراتهم، وقد نجح في السيطرة على أموال الخليج و فرض المزيد من الجزية على بلدان الخليج مقابل الحماية و اللائحة طويلة … لكن بالمقابل سعى جاهدا لكسب ود روسيا و الصين، فهو يخشى قوة و بطش هؤلاء لأن لديهم القدرة على الرد،و رأينا أن هجومه على الصين سرعان ما يتحول إلى ود و مغازلة بمجرد أن تقرر الصين المعاملة بالمثل، بينما العالم العربي و الإسلامي منطقة فارغة من أي قوة و لا تشكل بالنسبة له أي تهديد، فمواردها و قدراتها أصبحت مستباحة للجميع…

وعلى الرغم من نجاحه مؤقتا في تحسين المؤشرات الكلية و الجزئية للاقتصاد الأمريكي، قبل تفشي جائحة كورونا، إلا أن هذا الأداء الايجابي ظرفي و مؤقت، و مستند على الأموال و الاستثمارات التي جباها من بلدان الخليج ، ففي ظرف قياسي تمكن من الحصول على نحو 500 مليار دولار من السعودية لوحدها بعد القمة “الإسلامية” الأمريكية بالرياض، كما حصل على مبالغ مالية طارئة  من بلدان خليجية أخرى، فهذه البلدان قدمت طوق نجاة لسياساته المستفزة و الرعناء، و بدى للعيان و لرجل الشارع الأمريكي أن أسلوبه و سياسته فعالة وذات جدوى خاصة في هجومه على الصين…لكن مع تأكل هذه الانجازات بفعل تفشي الوباء و دخول الاقتصاد الامريكي في حالة كساد و ركود و خسائر بالجملة ، أصبحت إنجازات “ترامب” غير ذات جدوى، بل إن الاستمرار في سياساته العدوانية تجاه الصين في غير مصلحة أمريكا على المدى المتوسط …

لأن سياساته العدوانية تجاه الصين و حلفاءه الغربيين، تسرع بتشكيل تحالف مناهض لقررات “ترامب” المهددة لحرية التجارة و لإستقرار الإقتصاد العالمي، فحرية التجارة شكلت إلى جانب “الدولار” القوة الناعمة للسيطرة الأمريكية على مقدرات العالم، و رأينا كيف تسارعت وثيرة الاتفاقيات المتعددة الأطراف بين الصين وروسيا و الهند و تركيا، أو بداخل منظمة شانغهاي و مجموعة BRICS . بغرض تبني “سلة عملات” كبديل عن الدولار في المعاملات التجارية البينية، و بداية الجهود الدولية كسر هيمنة الدولار على الإقتصاد المالي العالمي، وهو ما يعني انهيار الإقتصاد الأمريكي…

و من المؤكد، أن عنصرية الرجل و عداءه الواضح للإسلام و المسلمين، يسهم في تعميق مأسي المسلمين في مواجهة أنظمة مستبدة تابعة وخاضعة لإرادة ترامب، و الانحياز الأمريكي للكيان الصهيوني ضد الحق العربي و الإسلامي، فهذا الرجل اعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني و هو اعتراف لطالما حلمت به إسرائيل..

لكن مهما يكن من”فنتازية” الرجل و استفزازه لمشاعر نحو مليار و نصف من المسلمين، إلا أن جهوده في الإضرار بمصالح المسلمين لم تكن لتتحقق لولا الخضوع المهين و الإتباع الأعمى لحكام العالم العربي عامة وبلدان الخليج خاصة ، لتوجيهات و أوامر هذا الرجل على حساب مصالح أوطانهم و شعوبهم، فلأجل رضاه دفعوا الغالي و النفيس لدعم أمريكا على الرغم من حاجة شعوبهم لهذه الأموال…

لذلك نرى أن ما يحدث الآن في أمريكا أمر إيجابي لشعوب المنطقة العربية و الإسلامية، لأننا نتوقع أنا أيام ترامب في البيت الأبيض محدودة و إعادة انتخابه لولاية ثانية أمر في غاية الصعوبة، لأن أغلب المؤشرات تقول بفوز الحزب الديمقراطي، وتبعا للنتائج الاقتصادية الحالية فإن الاحتجاجات الشعبية في أمريكا سوف تتسع أكثر، بل إننا نتوقع أن تنتقل لباقي البلدان الغربية، و العالم العربي مرشح لموجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، فالمظلة الأمريكية الداعمة لأنظمة الحكم الديكتاتوري في العالم العربي ستضعف، و لعل في ذلك خير، فمشكلة العالم العربي –بنظرنا- منبعها الاستبداد و غياب الحكم الصالح، و رأينا كيف نجحت البلدان الديمقراطية في العالم العربي و الاسلامي في مواجهة كورونا ، نجحت تركيا في إدارة الأزمة بفعالية كبيرة، نفس الأمر في ماليزيا و تونس، فمشكلتنا ليست في نذرة الموارد و انما غياب القيادة الرشيدة المنتخبة بحرية من قبل عموم الناس، غياب حكم الأكفاء و الأمناء بدلا من حكم الرويبضة و السفهاء..

لذلك، أرى أن العالم عامة و العالم العربي خاصة سيعرف تحولات سياسية عميقة، و على الشعوب العربية أن تتعلم من السنوات الماضية و تستفيد من الانتفاضة الشعبية في أمريكا ، فالناس خرجت للاحتجاج على قتل “جورج فلويد” و المحتجين ليسوا من السود فقط بل من البيض أيضا، و في ذلك درس بليغ فهؤلاء الناس رفضوا الظلم الذي مورس على الرجل بغض النظر عن العرق أو الدين.. لكن كم من مواطن ظلم في بلداننا العربية خلال الشهور الماضية فقط؟ و ماذا فعلت الشعوب العربية للقصاص لدماء و حقوق المظلومين في بلداننا؟ و لائحة المظلومين في عالمنا العربي طويلة و لا يستطيع حصرها و الإحاطة بها إلا المولى عز وجل.. لكن كل واحد منا يستطيع بفطرته السليمة التمييز بين الحق و الباطل و العدل و الظلم، و مواقفنا في مواجهة الظلم و الظالمين هي من تحدد هويتنا و انتماءاتنا ،لكن للأسف، مواقفنا في الغالب لا صلة لها بالحق و العدل و لا صلة لها بالإسلام الذي جعل من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و رفض الظلم و الطغيان أحد ثوابت الدين…

و خلاصة القول، سفينة “ترامب” ستغرق و سيغرق معها كل المراهنين على استمراره،و في مقدمة المراهنين على “ترامب”حكام العالم العربي، لكن الرابحين من الأحداث التي تشهدها أمريكا حاليا الأنظمة و الحكومات التي تعمل فعلا من أجل تنمية بلدانها و رخاء شعوبها، لذلك فإن القيادة الصينية على سبيل المثال ترى في هذه الأحداث طوق نجاة من الاتهامات الأمريكية المتكررة، بمسؤولية الصين عن نشر فيروس كورونا، بل إن هذه الأحداث ستوظفها الصين للحد من النفوذ الأمريكي مستقبلا، و هو الأمر الذي سنحاول تناوله في مقال موالي إن شاء الله …و إلى ذلك الحين لا يسعنا إلا القول بأن البيت الأبيض في عهد ” ترامب” أصبح أوهن من بيت العنكبوت، قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت : 41]..و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. الشكر في انتظار مقالاتكم في تطوير الاقتصاد الاسلامي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here