د. صالح محروس محمد: علماء وباحثون يكتبون موسوعة الأقليات المسلمة في العالم

د. صالح محروس محمد

دشن باحثون من قارات العالم مشروع  بحثي علمي  لدراسة الأقليات المسلمة في العالم.

يهتم هذا المشروع البحثي بالأقليات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، وذلك إحساسًا من القائمين عليه بوجوب الإستفادة من الإمكانيات البحثية التي يتوفر عليها أكاديميونا وباحثونا في محاولة التعرف على أحوال المسلمين المهجرين والمغرَّبين عن أوطانهم، بغرض دراسة علمية أكاديمية لأوضاعهم الاجتماعية والعلمية والمعيشية لتكون مرجع لكل المهتمين بدراسة الأقليات المسلمة في العالم.

 وهو ينطلق من توصيف دقيق للحاضر وقراءة متأنية للتاريخ، يفيدان بأن أمتنا الإسلامية وبعد أن كانت ولقرون خلت صاحبة الكلمة العليا على هذه الأرض، التي كنا فيها نحن المسلمون سادة ننشر الضياء وقيم العدل والحق، فإذا بها في الوقت الحاضر يتراجع شأنها بين العالمين وتصبح أمة ضائعة ومشتتة يعيش ابناؤها مفرقين بين أصقاع الأرض، منهم من يعيش في بلدان اسلامية، ومنهم من يعيش في بلدان غير اسلامية، وهؤلاء هم الذين نقصد في هذا المشروع بمصطلح الأقلية.

 فمفهوم الإقلية إذا من خلال هذا المشروع البحثي يطلق على أولائك المسلمين الذين يعيشون في بلدان غير إسلامية، وبغض النظر عن عددهم، وحتى لو كان تعدادهم يصل إلى ملايين، بل وحتى إلى عشرات الملايين، وهم علاوة عن كونهم يعانون من الغربة في تلك البلدان ويتم معاملة المواطنين منهم في تلك الدول في الغالب على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، فإنهم  يعانون مع ذلك من ويلات التمييز العنصري وإلصاق تهم الإرهاب بهم ظلما وجورا إضافة استهدافهم من قبل اليمين المتطرف، وعدم تقبلهم من بعض شعوب تلك البلدان الذين سيطرت على أذهانهم عقلية الإسلاموفوبيا، وعلى الرغم من أن هذه هي القاعدة العامة والحالة السائدة في التعامل مع تلك الأقليات الإسلامية فإن هناك بعض الاستثناءات لدول احترمت حقوق هذه الأقليات المسلمة، ووصل المسلمون فيها لأعلى المناصب .

  وما فاقم من الوضع هو وصول بعض السياسيين الشعبويين إلى الحكم ممن حاولوا أن يجعلوا من الاختلاف بين الناس في الشكل واللون والفوارق والأجناس والأعراق واللغات بل وفي المفاهيم والتصورات والذي هو في الأصل حقيقة لا يمكن القفز فوقها، منطلقا لتأسيس مفاهيم الصراع والتطاحن ، متغاضين عن حقيقة أن الإسلام هو دين سلام ومحبة وتسامح، وأن يدعوا إلى التعارف “{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: الآية 13]، وأنه يعتبر أن هذا التنوع هو مصدر ثراء في المجتمعات التي تقوم على العدل.

كما يتغاضون عن حقيقة مفادها أن الخبرة التاريخية تدل على أن المجتمع الإسلامي قد شكل خلال مراحله التاريخية المختلفة أهم نموذج لذلك التنوع المثري خاصة في العهود التي كان فيها ذلك المجتمع الإسلامي يلتزم بالشريعة الإسلامية الغراء، بحيث أن المجتمع الإسلامي هو الذي صك في تجربته التاريخية والحضارية أفضل نوع من التعاون والثراء عن طريق التنوع، فالأسود والأبيض والأحمر، العربي والتركي والإفريقي، بل وغير المسلمين أيضاً ساهموا وسمح لهم أن يساهموا في البناء الحضاري الإسلامي وكانوا جزء من الثقافة والحضارة الإسلامية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

 ولا أدل على ذلك من أن الخبرة التاريخية لأمتنا الإسلامية تفيد بوجود أقليات غير مسلمة في المجتمع الإسلامي، أقليات نصرانية ويهودية وغيرها وبكثافة لا بأس بها، في وقت كانت فيه الدول والإمبراطوريات تجبر رعاياها على اعتناق الدين والمذهب الرسمي للدولة، بل إن الشريعة الإسلامية جعلت من حماية حقوق الاختيار، ومنع الإكراه على الدين في أي مكان في العالم،جزءاً من الواجب الشرعي للأمة الإسلامية، بل وواحدا من أسباب ومسوغات الجهاد في سبيل الله.

  ولذلك فإن موضوع الأقليات لم يتحول إلى مشكلة إلا بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، وتشتت أفكار النخب المسلمة وطغيان الإنقسامات والصراعات على تعاطي هذه النخب فيما بينها، وقد تواكب ذلك مع تحدي آخر لايقل أهمية تمثل في كون مشكلة الأقليات تم التعامل معها في الغالبليس كحقيقة موضوعية موجودة في المجتمع، ولكن كطريقة لتحقيق طموحات سياسية، أو استخدام خارجي، أو غيره من الأسباب.

  وانطلاقا من كل هذه المعطيات فإن البحث العلمي يظل مطالبا بالنهوض بدور أساسي في التعريف بواقع هذه الأقليات المسلمة، ورصد أهم التحديات والرهانات التي تواجهها، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في وضع تصور دقيق عن وضعية تلك الأقليات، والإسهام في وضع حلول لمختلف المشكلات التي تعاني منها تلك الأقليات، ولما لا انتاج رؤى مستقبلية حولها، وهذا ما تحاول هذه الموسوعة أن تساعد فيه ولو بقسط متواضع  . هذا ومن المقرر الانتهاء من هذا المشروع مع نهاية هذا العام .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here