د. شاهر إسماعيل الشاهر: بعيداً عن الفكر….

 

 

د. شاهر إسماعيل الشاهر

شهدت المنطقة العربية في هذا العقد من الزمن أحداثاً كبيرة، فسقطت أنظمة ودمرت دول وخلفت ويلات كبيرة وكأن قدر العرب أن يكون حتى ربيعهم كارثياً. واختلف الكثير حول ما حدث هل هو سبب أم نتيجة ؟ هل السبب داخلي نتيجة الظلم والاستبداد والفقر وغياب الديمقراطية وتسلط الأنظمة السياسية…إلخ ؟ أم أن هناك أسباباً خارجية تتعلق بالأطماع الدولية بخيرات أمتنا.؟ وهل نتوقع وننتظر الخير من دول تقف وراء هذه المشاريع والتاريخ يقول أنهم لم يتمنوا لنا الخير مطلقاً؟ وهل الدول العربية التي شهدت تلك الأحداث كانت هي الأسوء في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان ؟ ولماذا بقيت الممالك العربية بمنأى عن ما حصل؟ لماذا تم دعم وتشجيع الثورات في الكثير من دول الربيع العربي بينما سمح للسعودية بالتدخل وقمع الحراك في البحرين ؟ تساؤلات كثيرة تحتاج إلى هدوء وعقل بارد وتفكير للوصول ربما إلى بعض الحقيقة، تفكير بالعقل لا تفكير بالعاطفة، رغم أننا نستسهل التفكير بالعاطفة فنطلق العنان لخطابنا العاطفي لأننا لا نستطيع، ربما، أن نضبط خياراتنا العقلانية المتاحة.

موضوع هذ المقال بالتأكيد ليس هو الحراك وأسبابه ونتائجه، بل مفرزاته وخاصة فيما يتعلق بلغة الخطاب السياسي لهذا الربيع المزعوم … وأقصد بالخطاب السياسي الخطاب الرسمي للدول الحاكمة وخطاب المعارضات السياسية الذي تفاوت وبشكل كبير حسب درجة الوعي والنضج السياسي لكل معارضة.

إن غياب المعارضة السياسية الحقيقية هي أولى أخطاء الأنظمة السياسية التي لم تسمح بوجود مثل تلك المعارضات لأنها لم تقتنع يوماً أن المعارضة هي حماية للسلطة ذاتها، فهي تجعل النظام السياسي ينتبه إلى أخطائه قبل أن تتفاقم، لكن ذلك ربما يتعلق بطبيعة النظم السياسية العربية التي لا تقبل أي رأي معارض، وهو ناتج عن بنية العقل العربي والعقل السياسي العربي على وجه الخصوص، فهذا العقل لا يقبل النقد ولا يقر بالاختلاف، فيضفي طابع القداسة على سلوكه وتصرفاته كي تبقى عصية على النقد، وهو غرور وغطرسة السلطة التي تجعل المستفرد بها لا يرى أحداً ولا يقبل رأياً، فلا حقيقة إلا ما تراه السلطة وتفعله..

إن منع العمل السياسي وغياب الأحزاب السياسية الحقيقية جعل البديل الوحيد للمعارضة هو التيارات الدينية المتطرفة، والتي ما إن سنحت لها الفرصة إلا ظهرت وركبت موجة الحراك العربي وطوعته خدمة لمصالحها معتمدة على خطاب ديني شعبوي تعبوي يخاطب غرائز الناس ويدغدغ انتماءاتهم وولاءاتهم الدينية والطائفية الضيقة، فكان البديل للنظم السياسية التي سقطت هو وصول حركات الإسلام السياسي إلى الحكم، وهو ما أفرز مشكلة من نوع آخر، فهل تلك هي الديمقراطية التي نريد، أم أننا لم نصل بعد إلى المستوى من الوعي السياسي الذي يسمح لنا بممارسة حقنا الانتخابي، فصناديق الاقتراع أوصلت تيارات دينية إلى الحكم لا تؤمن هي حقيقة بمبدأ الديمقراطية الغربية وصناديق الاقتراع، فكيف لها أن تستمد شرعيتها من تلك الصناديق؟ لقد ثبت لنا أن الغرب يريدنا أن نبدأ من حيث انتهى هو، فالوصول إلى الديمقراطية هو نتيجة لحراك ونضال طويل، فالديمقراطية نتيجة وليست سبباً وطريقاً لتحقيق العدالة والمساواة، أما الانتخابات فهي الوسيلة الديمقراطية للوصول إلى الحكم، لكن البعض لا يريد الانتخابات إلا بعد أن يكون هو في السلطة لأن السلطة بالنسبة له ضامن لتطويع الديمقراطية. لكن الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة النجاح في إدارتها، وهو ما أدى إلى حدوث “الثورات المضادة” للثورات المزعومة.

لقد ثبت أن المعارضة السياسية لن تختلف في سلوكها وخطابها السياسي عن الأنظمة التي سعت لإسقاطها، فقدمت خطاباً اقصائياً لا يقبل رأياً آخر، واتصف سلوكها السياسي بالفساد وسوء استخدام السلطة كما حدث في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة في سورية على سبيل المثال.

لقد استخدم كل من السلطة والمعارضة خطاب التخوين والاتهام بدلاً من نقد السلوك السياسي وتقديم الرؤى لإصلاحه، وبرع كل من النظام والمعارضة في تراشق الاتهامات وخطاب التخوين والتوجه الى النقد الذاتي للأشخاص بدلاً من انتقاد سلوكهم السياسي، واستخدمت العبارات الجنسية لأول مرة في الخطاب السياسي عبر مفاهيم جاهلية لم نسمعها من قبل مثل جهاد النكاح وما ملكت أيمانكم… إلخ. فالبعض لجأ إلى الخطاب الاخلاقي كوسيلة للتهرب من التعبير عن موقف محدد بلغة سياسية يجهلها ربما.

وبدا أن النخب السياسية العربية هي الشريحة الأضعف، فلم يكن دورها فاعلاً بل كانت تنقاد ليقتصر دورها على تبرير أخطاء كل من السلطة والمعارضة. أما النخب الأكاديمية والتي كان من المنتظر منها أن تقوم بتصحيح المفاهيم وضبطها، واستحضار البعد المقارن في تجارب الآخرين لدراسة مقومات النجاح وأسباب الفشل، والدعوة للتركيز على العقلانية والحجة والمنطق، لكنهم للأسف غرقوا في الماورائيات وانقادوا لخطاب ديني جاهل، غيب عقلهم وحفز طائفيتهم، فغاب دورهم التنويري وضاعت بوصلة العقلانية في أحاديثهم وكتاباتهم.

إن الخطاب السائد والمتبادل بين السلطة ومؤيديها والمعارضة وشيوخها والتحالفات المصلحية المعقدة بين تلك الفئات في عالمنا العربي، هو خطاب الكراهية والتحريض، فالاستبداد يولد العنف، والسلطة الفاسدة تخلق معارضة مأجورة، وتبقى الحقيقة أولى ضحايا الحروب، ويبقى الشرفاء هم المغيبون عن المشهد، وهم من يدفع الثمن الأكبر….

كلية الدراسات الدولية- الصين

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. اذن ليعد الجميع، ومن باب اولى من بيده السلطة من عقود مديدة، الى الشورى القرأنية والنبوية ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here