د. سنية فيصل الحسيني: فلسطين وقرن من الظلم

د. سنية فيصل الحسيني

جاءت الحرب العالمية الاولى بويلات ومآس على معظم دول العالم بما فيها دول أوروبا نفسها، إلا أن الظلم الذي لحق بفلسطين وأهلها لا يشبهه ظلم آخر، لأنه ظلم ممتد ولم ينته بعد. فبعد أكثر من قرن من الزمان لايزال العالم يقف شاهداً على فصول معاناة فلسطين التي تئن تحت ظلم المحتل، وشعبها الذي يعاني نصفه غربة في المنافي، ونصفه الآخر ما بين سياسات الفصل العنصري داخل الخط الأخضر، وبين سياسات الإحتلال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

 بدأت فصول مأساة فلسطين في بنود معاهدة سايكس بيكو منتصف عام 1916، التي قسمت بلاد الشام وقطعت أوصالها سياسياً وجغراقياً ويموغراقياً. وأصدرت الحكومة البريطانية  في العام التالي إعلان بلفور الذي منح اليهود وطناً في فلسطين. ورغم أن الإعلان نفسه لا يترتب عليه أية إلتزامات أو تبعات قانونية، إلا أن بريطانيا عملت على قوننته بفرض فحواه في قررات المؤتمرات والمعاهدات الدولية  كما عملت بريطانيا على تجسيد وعد إعلان بلفور فعلياً على الارض خلال سنوات إحتلالها، ثم إنتدابها على فلسطين. وكانت بريطانيا قد احتلت فلسطين بعد هزيمة الحلفاء للجيش التركي في القدس بعد شهر واحد فقط من إعلان بلفور. وامتدت سيطرة بريطانيا على فلسطين بعد  إقرار عصبة الامم  اعتبار بريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين عام 1922. وإنتهى ذلك الانتداب في  نفس الْيَوْمَ الذي أعلنت فيه إسرائيل قيام دولتها فوق أرض فلسطين عام 1948.

فتحت بريطانيا قبل الانتداب وبعده أبواب فلسطين للمهاجرين الغرباء اليهود، فغيرت خريطة البلاد الديمغرافية، ومكنتهم من إحكام سيطرتهم عليها بالقوة، فارتفعت نسبة عدد اليهود في فلسطين ما بين عامي 1918 و1922 من 5% إلى 10%، بينما وصلت إلى 35% نهاية عهد الانتداب عام 1948.

تعتمد إسرائيل لإثبات بنوتها وإرتباطها الواقعي والقانوني بفلسطين على إعلان بلفور وتبعاته. وكانت  عصبة الأمم قد نقلت إعلان بلفور من مجرد رسالة أحادية الطرف لا مكانة إعتبارية دولية لها إلى وثيقة دولية رسمية، عندما وضعته في مقدمة صك الانتداب، وأقرت تنفيذه في بنود ذلك الصك.  ويعتبر ميثاق عصبة الامم نفسه صيغة تعاقدية بين الدول الموقعة عليه فقط، لأنه نشأ اعتماداً على قرارات مؤتمر الصلح في باريس (فرساي) عام 1919، والتي تعتبر قراراته ملزمة فقط لأعضائه، الأمر الذي يطرح تساؤلاً كبيراً حول مدى شرعية قرارات العصبة وصك الانتداب البريطاني، وخاصة وأن معاهدتي فيينا لقانون المعاهدات تشترط رضى الأطراف ذات العلاقة، وأن الأمم المتحدة لم ترث إلتزامات العصبة.

إن مؤامرة إختلاق اسرائيل بدأت بالتدليس والمؤامرات، واستغلال ضعف شعوب المنطقة وانعدام إرادتها في نهاية عهد الامبراطورية العثمانية ووقوع معظم بلدان الشرق الأوسط  تحت هيمنة الاستعمار. فأعلن اليهود دولتهم بموجب قرار التقسيم رقم 181، الذي صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1947.  واعترفت الجمعية العامة أيضاً باسرائيل عام 1949 بموافقة نفس عدد الدول تقريباً التي أقرت قرار التقسيم، في ظل مؤسسة لم يتجاوز عدد أعضائها سبعة وخمسين دولة، خضع معظمهم  لسيطرة الدول الاستعمارية، حيث لم تكن أي من دول العالم الثالث قد استقلت بعد.

منذ إعلان دولة إسرائيل لم تتوقف النكبات على الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً بدعم غربي تقوده الولايات المتحدة هذه المرة. فجاءت هزيمة العرب في حرب عام 1967 التي لم تكتف إسرائيل خلالها باحتلال ما تبقى من أرض فلسطين، بل إحتلت أراض من الدول العربية المجاورة، والتي لاتزال أجزاء منها محتلة حتى يومنا هذا. واليوم وبعد أكثر من قرن من الزمان لم يتغير واقع الظلم التاريخي الذي فرض على فلسطين وأهلها. فجاء قبول منظمة التحرير الفلسطينية الدخول في العملية السلمية بتوقيعها على إتفاق أوسلو عام 1993 وملحقاته، والقبول بدولة فلسطينية تغطي 22% فقط من مجمل أرض فلسطين التاريخية، دون نتيجة. وبقيت معطيات إعلان بلفور سائدة حتى يُؤْمِنا هذا، والذي جاء ليعطي اليهود وطناً، في حين يقصر حقوق  السكان الأصليين على ممارسة حقوق مدنية ودينية فقط .

استخدمت إسرائيل العملية السلمية مع الفلسطينيين لتضمن إستمرار سيطرتها الأمنية على أراضيهم وتضمن تبعيتها السياسية والاقتصادية،  لكي تتخلص من عبء الاحتلال المباشر. فسمحت للفلسطينيين بممارسة شكل من أشكال الحكم الذاتي، واحتفظت بشراكة شكلية مع الفلسطينيين. ويعكس إقرار إسرائيل مؤخراً لقانون القومية اليهودية نوايا إسرائيل الحقيقية تجاه الفلسطينيين، كما يفسر بشكل جلي سياساتها في الاراضي الفلسطينية المحتلة المتمثّلة أساساً في الاستيطان  وتهويد القدس . فقد ارتفع عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية من 240 ألف إلى نحو 800 ألف مستوطن ما بين عامي 1990 و2016.، ناهيك عن  تغيير المعالم التاريخية للقدس وتغيير الوضع السكاني لصالح اليهود ومستوطناتهم. وينفي القانون علاقة الشعب الفلسطيني بوطنه، عندما حصر حق تقرير  المصير في فلسطين لليهود فقط، واعتبر أراضي الضفة الغربية بما فيها  القدس الشرقية  جزءاً من “أرض إسرائيل” التي  لم يعرف هذا القانون حدودها، كما يلغي هذا القانون حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.

وتدعم الولايات المتحدة إسرائيل دعماً مطلقاً، فانحازت جميع إداراتها لإسرائيل، الا أن توجهات وسياسات إدارة الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب باتت تعمل على فرض السياسة الإسرائيلية على الفلسطينيين بالقوة. وفِي إطار الإعلان عن نية ترامب إطلاق صفقة العصر، بدأت الادارة الأمريكية  بفرض شروط تلك المبادرة بالفعل. فاعلن ترامب دعمه صراحة لسياسة الإستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة، في تحد لمواقف إدارات أمريكية سابقة. وأقدم على نقل سفارة بلاده للقدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، في سابقة لم تقدم عليها أي من الإدارات السابقة. وبادرت الولايات المتحدة بقطع مساعداتها عن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة في محاولة لتصفية قضيتهم، وعبر التشكيك بإعدادهم تارة، ونسج المؤامرات لتوطينهم تارة أخرى. كما أن مساعي الولايات المتحدة لتسهيل سياسة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية باتت لا تخفى على أحد، للقفز عن مبادرة السلام العربية، التي تشترط حل القضية الفلسطينية قبل الوصول لمرحلة التطبيع. ورغم مساعي إسرائيل ومن يقف معها، فان الشواهد التاريخية تثبت أن مثل هذه هذه المؤامرات لن تمر وأن الشعب الفلسطيني سيبقى صامداً فوق تراب وطنه ومحارباً من أجله مهما طال الزمن.

كاتبة وأكاديمية من فلسطين

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تمر السنين و السنين ، تتطهر الانظمة العربية الخائنة و العميلة…
    تاتي اجيال صافية …عدل حكامها يقتل العدو رعبا

  2. نعم، مهما طال الزمن، لكنه على الأرجح لن يطول، وعندها ستعود الشرعية الحقيقية، وتسقط شرعية اللاشرعية، أعني الواقع الذي فرضه التغلب الإستماري بقوة القوة، وتحت غطاء وعود وصكوك لم تقم حسابا لأهل الدار، وأصحابها منذ الأزل..عندما سمع الإمام البشير الإبراهيمي البعض يتحدث عن فلسطين الشهيدة، رد قائلا : ما ماتت فلسطين حتى ندعوها بالشهيدة….

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here