د. سناء ابو شرار: الأدب وكورونا

د. سناء ابو شرار

يفرض فيروس كورونا نفسه على كل تفاصيل حياتنا ولن يهرب أو يتهرب الأدب من هذا التأثير الجذري؛ فسوف تصدر روايات تتحدث عن هذا الوباء وسوف يكتب الشعراء عن المعاناة أو الشوق خلال هذا الوباء، وقد صدرت مئات بل آلاف المقالات الأدبية والفكرية التي تتحدث عنه وعن تأثيره على الفرد والمجتمع.

 ترك هذا الوباء آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة  وكذلك ترك أعمق الأثر على الأدب، ليس بمعنى الكمي ولكن بالمعنى النوعي، فالكاتب يحتاج إلى فضاءات واسعة تتجول خلالها الفكرة ويتبلور عبرها الشعور، وهذا الفيروس يجعل الفضاءات ضيقة وخانقة، والفكرة حزينة ومشوشة، لقد فرض هذا الفيروس واقع لم يسبق له مثيل على الأدب، وربما تكون رواية ألبير كامو” الطاعون” من أشد الروايات وصفاً لما يمكن أن تفعله الأوبئة بالبشر، وتأتي كورونا بعد عدة عصور لتكرر تلك المعاناة وإن لم تكن بقسوة الطاعون.

ولكن هذا الوباء يضع الأدب في دائرة الحيرة، فإلى أين يتجه؟ هل سيتجه نحو تصوير المعاناة والتعبير عن مشاعر الحزن والخوف والانعزال ومفارقة الأحبة؟ هل سيتجه نحو السخط والتذمر من حياة أصبحت صعبة وقاسية إن لم يكن نفسياً فمادياً واجتماعيا وسياسياً؟ أم هل سيتجه نحو اللامبالاة الكاملة وأن يحيا الكاتب حياة عادية متجاهلاً كل التحذيرات ومتسلحاً بنظرية المؤامرة التي تمنحه بعضاً من حرية الاختيار بأن يمارس حياة طبيعية رغم التآمر ورغم التخويف.

أمام كل هذه التيارات المتناقضة والمتوترة وأحياناً عشوائية، تجد موهبة الأديب نفسها في مواجهه ذاتية، لأول مرة منذ عقود تحدث المواجهة ما بين الكاتب وموهبته، فالموهبة قد تتخفى خلف التعابير الجميلة والمواقف الدافئة، قد يتم التصفيق لها في أجواء الأصدقاء والمعارف والأحباء، وقد تحتال حتى على الكاتب لتقنعه بأنه كاتب كبير وصاحب موهبة فذه؛ أي أن الأوضاع العادية الروتينية المألوفة تجعل الموهبة شيئاً سهل المنال والتصنيع والتحريف، تماما كما نستطيع أن نصقل الأخشاب بآلات حديثة ودون عناء؛ ولكن حين نفقد تلك الآلات الحديثة أو حين تتعطل فمن لا يمتلك موهبة الصقل الحقيقية بيديه لن يستطيع أن يقدم عمل فني ذو قيمة.

وفيروس كورونا أو أي فيروس يجتاح العالم يضع الكاتب أمام هذا التحدي، التحدي أمام موهبته، أن يرى بهذا الوباء ما لا يراه الآخرون، أن يعتبر أن هذا الوباء فرصة نادرة كي يُبدع أدب نادر؛ لا أحد من البشر ينظر نظرة إيجابية لهذه الأوبئة التي تعصف بالمجتمعات ولكن هناك فئة واحدة تتعايش مع هذا الوباء على أنه جزء لا يتجزأ من الحياة إنها فئة الأدباء الحقيقين الذي ينظرون إلى الحياة بتجرد العابد، وبنظرة الفيلسوف، فالوباء إن لم يكن موجود فهناك دائماً المرض، وإن لم يكن المرض موجود فهناك الموت، وإن لم يكن هناك الموت هناك الرغبة بالانسحاب من الحياة ومشاعر أخرى وأفكار أكثر منها؛ كل هذه المشاعر والأفكار والتأمل نجده في هذه الأزمة التي تُسمى كورونا؛ يطفو على سطح الكرة الأرضية سؤال واحد يفكر به الجميع: متى سينتهي هذا الوباء؟ ثم شعور آخر نخجل من الحديث عنه: من التالي الذي سيصاب به؟

وبهذا نعود جميعاً إلى بدائية الحياة، إلى الخوف من المجهول، وتعود نظراتنا من جديد تتجه نحو السماء بعد أن انغرزت بأعماق الأرض. ويأتي دور الأديب كي يصف ويعبر ويتفاءل ويتشائم، كي يضع الحياة بكل تفاصيلها أو بالأحرى يُعيدها إلى بوتقة الوجود الإلهي بعد ان اعتقد الانسان بأنه لن يقدر عليه أحد. ولأول مرة ومنذ عقود يضطر الأدب إلى التلاقي مع المفاهيم والدينية لأن العقل البشري في زمن الأوبئة يدرك مدى ضعفه والأهم أنه يقبل هذا الضعف. الأدب في زمن كورونا هو امتحان لموهبة الكاتب الحقيقية وهو أرشيف انساني لتجربة مريرة للبشر على أن يكون على قدر راقي من وصف معاناة لم تعرفها أجيال كثيرة من قبلنا، إنها فرصة ليكون هناك أدب متفرد وحافل بمشاعر عميقة قد لا يُتاح للكاتب أن يصادفها بوقت آخر في حياته.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. سرد مختصر وفي العمق للمشهد لا يوازيه سوى مشهد فدائى يطلب الحياة في الموت..
    فكما النار امتحان للذهب…فالماسى اختبار لجوهر المثقف ولصورة الادب برمته…
    شكرا ع الروح التى تتنفس من تعابيرك وتنسل من مفرداتك ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here