د. سلمان محمد سلمان: رسالة إلى الرئيس أبو مازن والقوى السياسية

د. سلمان محمد سلمان

أقدم وجهة نظر بأمل تعامل القوى السياسية والشعبية معها بإيجابية.

يدعمكم شعب فلسطين في رفض مشروع التسوية المسماة صفقة القرن، بل أعتقد أن كثيرا من العرب يشكرونكم على هذا الموقف، حتى القابلون مراعاة للضغط الأميركي. فصفقة القرن ليست على فلسطين فقط وإنما لتحقيق ما لم ينتج عن الربيع العربي.

تبدو أقرب لصفقة غير واضحة حتى، بين ترامب واليهود “بترك leave” شرق المتوسط لهم مقابل تركه يحكم أميركا. العرب والفلسطينيون ليسوا طرفا فاعلا وإنما متأثرون فقط، وتستخدم الصفقة ملهاة سوداء لإذلالهم وابتزازهم. لن ينجح ذلك في النهاية لأن ترامب يمكن أن “يترك الشرق” لهم، لكنهم يريدونه “تقديم الشرق وتجنيدهdeliver and recruit ” في خدمة مشروعهم. لذلك فهي محورة القصد لغير صالحه لأنه لن يستطيع ذلك. فوق هذا فهم لا يرغبون بنجاح سياسته القومية، ولا التخلي عن نفوذهم في أميركا.

يتلخص مشروع “تقديم الشرق” من وجهة النظر الصهيونية في ضرورة تحقيق سلام أكبر من فلسطين يشمل كل العرب، ولا يقوم على الندية لأنها لن تضمن أمن إسرائيل، بل على الهيمنة والاختراق وقبول الطلب الإسرائيلي، ومحاربة من يفكر بغير ذلك طوعا، ولا يكفيها الخضوع كرها. ربما يفسر هذا صراعات المنطقة المجنونة منذ 2011، وكيف تم تجيير قوى كثيرة بوعي أو جهل، بشعار نشر الديمقراطية، بينما الهدف الحقيقي كسر شوكة المنطقة مرة أخيرة وللأبد.

لا بد من تذكير العرب وأظن أغلبهم مدركون، أن خطر المشروع يشمل الجميع، ونجاحه يعتمد على تعاون، وليس مجاراة العرب حصريا. لحسن أو لسوء الحظ تعاون كثيرون باسم الربيع العربي، ولم يتخيل أحد فشل إرادة معظم الغرب، لأن كثيرا من الجماهير صدقت، بل هناك من يؤمن حتى الآن أنها ثورات شعبية بهدف الديموقراطية. نعم خسرت الأمة الكثير، لكن المشروع لم ينجح.

مقاومة صفقة القرن أقل جهدا وشدة حتى على الحكام، بل ربما توحد الشعوب المنهكة. ليس هناك مطلوبات كبيرة من العرب لإفشالها هذه المرة، إلا عدم التساوق مع الشق السياسي، ولا ضير من تقديم الدعم فهذا الواجب أصلا، لكن دون بركات إسرائيل. المطلوب فصل المسارين، واذا استمرت الإدارة الأميركية في تجفيف موارد الشعب الفلسطيني بقبول عربي ليقولوها بصراحة. ربما علينا أن نأخذ بالحسبان أن جزءا من الضغط الذي يمارسه ترامب له علاقة باعتقاده أن قيادة السلطة أقرب للديموقراطيين. فهو عمل على كسر ذلك ونجح مع دول الخليج ومصر، ولا أعتقد أن هذا الأمر يعنينا فهو سياسة أميركية داخلية، بل ربما ساعد وضوح موقف ترامب على انتهاء مفعول كثير من المسكنات التي تعودنا عليها منذ عشرات السنين. ربما تتساءلون، لكننا طرحنا ما يشبه هذا على عرب القمة ولم نجد منهم تفاعلا. ربما كان ذلك أمر السرايا، وليكن الأن أمر القرايا.

الموقف الإسرائيلي يبتز فلسطين باسم منع تمويل الأسرى، وفي هذه نفهم رفضكم استلام بقية الأموال، لكن الأمور لا تتم بالضرورة بهذه الطريقة، فالأموال في النهاية هي ملكنا ولم نوقف أمورا كثيرة أخرى. وكما تقولون سيادتكم، زيارة السجن لا تعني التطبيع مع السجان، وشبيه الأمر ربما ينطبق هنا.

مع هذا وإن وجدتم أن الموقف يتطلب هذه الآلية، فليكن وسيقبله الناس. لكن ليصاحبه تقشف عام على مستوى الوطن، واستنفار من الشتات كله لتجنيد مصادر صمود أخرى، من شعب فلسطين أولا، ومن العرب ثانيا. من الأهم أن يتحمل الاحتكاريون نصيبهم، إن لم يكن الحمل كله. فإذا لم يقفوا ساعة الشدة، فلماذا يقطفون الأرباح السهلة طوال هذه السنين، بينما لا تحتاج فلسطين استثماراتهم أصلا. ليتحملوا  نتائج التقشف، ولا يعقل أن يقتصر الأمر على المرتبطين بالسلطة وظيفيا. هناك أرباح تحصلها المؤسسات الاقتصادية تزيد عن 200 مليون دولا شهريا، يمكن بجزء منها تسيير أمور السلطة حتى نجد حلا، بل يجب أن يكون الأمر كذلك دون طوارئ وطنية. دون هذا فاستمرار الآلية أقرب لعقاب ذاتي، يؤدي إلى تضاؤل الصمود وربما الانهيار، ولا أعتقد أنكم تقبلون ذلك.

يتطلب الأمر دعوة كافة القوى الفلسطينية التي اعتذرت سابقا بما فيها حماس، للمشاركة بشروط عادلة وواضحة ومعلنة يدعمها الشعب، فإن لم تتعاون يكون لكل حادث حديث. ويمكن الاسترشاد بالأسس التالية للعرض على القوى الفلسطينية

البرنامج الوطني

  1. مشاركة فصائلية من منظمة التحرير وخارجها، بما فيها حماس والجهاد ضمن برنامج سياسي واضح، دون مغالاة في الطرح، وبنود قابلة للتطبيق والصمود، وتأجيل أمور هيكلة منظمة التحرير، وعدم ربطها ببرنامج الطوارئ لئلا يضيع الهدف الآني.

  1. تشكيل حكومة تضم الفصائل، تقبل معطيات الدور الإقليمي والعربي المأمول أدناه، من كفاءات متجذرة سياسيا ووطنيا.

  1. إعادة هيكلة قطاعات الاقتصاد والصحة والتعليم، بما يضمن المشاركة الوطنية والحكومية، ومنع الاحتكار، ودعم مشاركة فعالة من الطبقة الوسطى، في بناء مشاريع للجهات المناضلة والمدربة، تحقق نموا يقلل الاعتماد على وظائف السلطة التي لا بد من ترشيدها.

العربي والإقليمي

  1. العمل بشكل متصل ومنهجي للوصول إلى علاقات قوية مع مصر ودول الخليج وسوريا والعراق وبقية الدول العربية، بما يؤمن عدم التعاون مع طروحات صفقة القرن، مع مراعاة ظروف معالجة ذلك دبلوماسيا للدول حسب ظروفها.

  1. العمل على توفير خطط تمويل كافية ومبررة، وتحديد شروط التمويل دون مواقف سياسية، وبمشاركة فلسطينية مقابلة.

  1. بناء علاقة مستقرة مع إيران، والحفاظ على اعترافها الفعلي بمشروعية المنظمة كمرجعية للشعب الفلسطيني.

  1. دراسة إمكانية الاستعداد المصري المشاركة الفعالة في تنفيذ مرحلة انتقالية للحكم في غزة.

  1. تشجيع رأس المال الفلسطيني الدولي لدعم فلسطين بديلا عن مشاريع الاحتكارات، والوصول لصيغ تعاون تقابل ولو بنزر يسير المال الصهيوني لمصلحة إسرائيل.

الدولي

  1. بناء علاقة استراتيجية مع روسيا، وصداقات تبنى على علاقاتها الدولية، بدرجة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي على الأقل.

  1. قبول المساعدات الأوروبية دون شروط سياسية أو فكرية ثقافية، والاستفادة من برامج فعالة، ورفض مشاريع تخدم شرائح خاصة.

  1. تقوية العلاقات بدول شرق أسيا والصين لمساهمات سياسية واقتصادية.

فتح فنوات التواصل مع الولايات المتحدة وعدم مقاطعتها دون التنازل عن هذه السياسة.

السيد الرئيس والقوى السياسية

هدف أوسلو من وجهة نظر إسرائيل اختصار الشعب في فلسطين بنخبة راضية، وتهميش البقية إلى درجة تجبرهم على الهجرة أو ما يشبه العبودية، وبذلك يفقد الوعي الجماعي القدرة على بلورة ردود فعل، وينسحب الداعمون الحقيقيون يأسا، ويتخلى الآخرون بحجة الفساد. ربما لم ير الموقف الفلسطيني ذلك بوضوح كاف، وربما توقعه لكنه قرر المغامرة كونه محاصرا بالخوف واليأس،  ولبعض الأمل باختراق المخطط الإسرائيلي.

تعلن إسرائيل أنها تبذل الجهد لتمويل غزة بشعار حرصها على عدم سقوط حماس، وعن سياسات شبيهة لمنع سقوط السلطة. هل يعقل أن تصبح إسرائيل عراب بقاء القوى السياسية ولو ادعاء. على ماذا نأسف حين تستمر إسرائيل بابتزازنا على مدى ربع قرن لم يثمر جوهريا إلا نشوء طبقة تستمتع برغد العيش تحت الاحتلال. كم هو متناقض هذا التعبير.

بعد توقيع أوسلو أذكر قولكم أنها تحتمل النجاح، لكنها ربما تتحول إلى مصيبة. وها أنتم تعلنون أن مشروع صفقة القرن مصيبة. هل نبدأ تنفيذ خطة ب أو ج أو ربما د لمواجهة التحدي. أول خطوة لأي خطة تتطلب بالتأكيد وحدة وطنية شاملة لكل شعب فلسطين.

حين تحدى باراك وكلينتون الشهيد عرفات إثبات عالمية القدس وأنها أكبر من فلسطين، أثبت ذلك بعد عودته من كامب ديفيد بمظاهرات دعم لموقفه عمت العالم العربي والإسلامي. جزء من جماهير العرب مشغولة حاليا بربيعاتها المظلمة، لكن موقفا قويا من أجل فلسطين ربما يجمع الجماهير ويسهل على الحكام عدم التعاون.

نتمنى عليكم النظر في هذه المقترحات، ونأمل تجاوبا كافيا من الفصائل، وليكن موقفا تاريخيا يقف فيه كل الشعب معكم، ومع وحدة القوى السياسية. فلنتجاوز  ذوي المصالح الضيقة، الذين لا يرون كيف نعيش داخل الخزان الملتهب، لأنهم لا يرون الخزان أصلا. ولتقطع الطريق أيضا على من يرغبون استغلال صعوبة الظرف، للدفع بمشاريع خطرة ومهينة لنضال فلسطين، وسيرفضها الشعب بسرعة حين يرى الوحدة الوطنية الحقيقية.

لن نلعن الظلام فلن يكفي ذلك. لتكن شجاعة رفض الاستسلام أكبر من قبول السلام، ولتكن إرادة الحياة الكريمة أقوى من الخوف على المنافع الزائلة. وليكتب التاريخ أن شعبنا عصي على الاندثار. وفقكم الله وكافة القوى لما فيه خير هذا الشعب المظلوم، لكنه المستعد للتضحية دائما. وحين تكون الإرادة النبيلة، يكون نصر الله ورعايته.

مع الاحترام

– أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية- فلسطين

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here