د. سعيد جوهر: 120 عاما على العلاقات الاستراتيجية بين الكويت وبريطانيا

د. سعيد جوهر

تحتفل الكويت وبريطانيا هذا العام بمرور ١٢٠ عاما من العلاقات المميزة بين الدولتين. يؤطر لتلك العلاقة الخاصة لعام ١٨٩٩ عندما وقعت كل من الدولتين اتفاقية الصداقة والتي قامت بموجبها بريطانيا بحماية أمن وسيادة الكويت وتولت الشؤون الخارجية عنها. في الوقت نفسه تمكن حاكم الكويت من التصرف بصورة كاملة في الشؤون الداخلية. يذكر أن العلاقات تعود إلى عام ١٧٧٥ عندما تحول طريق البريد الإنجليزي من البصرة إلى الكويت تجنبا للمتاعب التي كانت تسببها الدولة العثمانية لبريطانيا آنذاك. وفى عام ١٩٥٣ أنشأت الكويت مكتب الاستثمارات الكويتي في لندن وهو ما يعكس ثقة الكويت في المناخ الاستثماري في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح في ٢٣ يناير الماضي في احتفالية تدشين مرور ١٢٠ عاما على العلاقات الخاصة بين البلدين أن حجم الاستثمارات الكويتية الحكومية والخاصة داخل بريطانيا من خلال مكتب الاستثمارات الكويتي وصل إلى ٦٥ مليار دولار. وذكر الشيخ صباح أن بريطانيا العظمى “أثبتت بأنها شريك الوفاء في العسر واليسر في أجواء العاصفة وفى ظلال النسيم وهذه حقائق دونها التاريخ.” وتجلت تلك العلاقات المتينة عندما استقلت الكويت عن بريطانيا عام ١٩٦١ وقامت بريطانيا بإرسال قوات رابطت في الكويت لمدة أربعة أشهر في مواجهة الدعاوى الزائفة لعبد الكريم قاسم حاكم العراق بأن الكويت جزء من العراق.

أكدت تلك الحادثة على استمرار التعهد البريطاني بضمان حماية وأمن الكويت. ووصلت ذروة العلاقات في عام ١٩٩٠ عندما قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بغزو الكويت. وقامت بريطانيا وعلى رأسها رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت ثاتشر بدور كبير مع الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت جورج بوش الأب بتشكيل التحالف الدولي الذى قام بتحرير الكويت عام ١٩٩١.

وفى الوقت الراهن تستمر تلك العلاقات في هذا المسار الايجابي ولاسيما عندما قام سمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بزيارة لبريطانيا والتقي بالملكة اليزابيث الثانية والمسؤولين البريطانيين عام ٢٠١٢. ونتج عن تلك الزيارة تكونت مجموعة توجيه مشتركة بين الجانبين تعقدت اجتماعيين سنويين واحد بالكويت والأخر بلندن. إن الاجتماع القادم لتلك اللجنة سيكون الاجتماع الرابع عشر في صيف هذا العام بلندن. تقوم تلك المجموعة بتحديد أطر التعاون على المستويات المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والطبية. يذكر أن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل إلى أكثر من ٤.٥ مليار دولار.

بالنظر إلى تلك العلاقات التاريخية الوثيقة بين الدولتين يمكن اجمال بعض الملاحظات السريعة التي تسلط الضوء على خصوصية تلك العلاقة.

أولا: إن جوهر تلك العلاقة وأساسها هو الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. تقوم بريطانيا بمساعدة الكويت من الناحية الأمنية وتفتح الكويت الباب للألاف من البريطانيين ومن الخبراء والشركات البريطانية للعمل بالكويت. وفي الوقت الراهن ازداد احترام العالم للكويت بالرغم من صغر حجمها. إن دور أمير الكويت على الساحة الدولية أكسبها احتراما خاصا ولاسيما لمحاولات الأمير المستمرة لحل النزاعات بالطرق السلمية ومساعدة الشعوب المحتاجة. فقد استضافت الكويت تحت رعاية أمير البلاد ثلاثة مؤتمرات دولية لجمع الأموال لمساعدة الشعب السوري في محنته. كما استضافت مؤتمرا مؤخرا العام الماضي خاص بإعادة اعمار العراق. وحصل أمير الكويت على لقب قائد الانسانية. يضاف إلى ذلك محاولة الكويت الوساطة لحل الأزمة الخليجية الراهنة.

ثانيا: تلعب الكويت بجانب بريطانيا والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” دورا هاما لإيمان الكويت بضرورة القضاء على الإرهاب الذى يشكل سرطانا يجب اجتثاثه

ثالثا: لم تشهد العلاقات بين الدولتين أي تصدع وهو أمر قلما نراه في العلاقات الدولية حيث صديق اليوم هو عدو الأمس وعدو اليوم قد يكون صديق المستقبل. ولكن العلاقة بين بريطانيا والكويت تميزت بالصداقة المستمرة التي لم تشوبها أي شائبة تعكر صفوها.

رابعا: تعد بريطانيا مقصدا رئيسيا للسياح والطلبة الكويتيين. وفقا لبعض الإحصاءات فإن عدد السياح الكويتيين في بريطانيا وصل إلى حوالى ٢٠٠ ألف سائح. ووصل عدد الطلبة والطالبات الذين يدرسون في بريطانيا إلى حوالي ٦٥٠٠ طالبة وطالب. يضاف إلى ذلك توجه بعض الكويتيين للعلاج داخل بريطانيا للتقدم الطبي الكبير وثقة الكويتيين في النظام الصحي البريطاني

خامسا: إن أول صندوق سيادي استثماري يفتتح في لندن كان مكتب الاستثمارات الكويتي الذى أنشأ عام ١٩٥٣. ويعكس ذلك الثقة الكبيرة التي تحظى بها بريطانيا داخل الدوائر الرسمية والقطاع الخاص الكويتي.

سادسا: إن التزام بريطانيا بالدفاع عن الكويت يحظى بتقدير من الكويتيين حيث تعطى الشركات البريطانية والبريطانيين معاملة خاصة داخل الكويت. هناك ١٠ ألاف بريطاني يعيشون ويعملون على أرض الكويت وتستفيد منهم الكويت في مجالات مختلفة في دفع القطاع الخاص للأمام وتطوير القطاع الصحي الكويتي.

في الختام لابد من الإشارة إلى أن تدشين مرور ١٢٠ عاما على العلاقات المميزة بين البلدين قد بدأ في ٢٣ يناير هذا العام باحتفالية تحت رعاية وزارة الاعلام تحت قيادة وزير الاعلام محمد الجبري بالكويت، ولكنه سيستمر على مدي عام ٢٠١٩ من خلال فعاليات ثقافية أكاديمية وسياسية وغيرها تعقد على أرض الدولتين. وقد يشهد عام ٢٠١٩ دفعة أكبر في العلاقات بين الدولتين ولاسيما في المجال الاقتصادي اذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس القادم لأنها تسعى لإيجاد شراكات تجارية أكبر مع دول خارج الاتحاد الأوروبي والكويت أحد الدول المهمة في هذا الخصوص. إن المستقبل سيشهد علاقات أقوى بين الدولتين وفقا لمعطيات الحاضر وإرث الماضي لأعوام كثيرة قادمة تعود بالنفع على الدولتين والشعبين الكويتي والبريطاني.

أكاديمي وكاتب مقيم في بريطانيا

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لم يكن لهذه “الإحتفالات ” بمرور ١٢٠ عاماً على تلك الإتفاقية أن تحدث لولا الغزو الأخرق للكويت ، الإجرامي بحق بلدي العراق أكثر مما كان للكويت ، مع كل الأضرار التي أصابتها .
    تحت تأثير النهضة القومية في زمن جمال عبدالناصر توصلت الكويت و بريطانيا الى إتفاق ١٩ حزيران ١٩٦١ ، غير أن ذلك و بعد بضعة أيام شهد تحدياً عندما قام زعيم أرعن بالمطالبة بالكويت . و الغريب أن يقوم رئيس للعراق مؤمن بالقومية بإرتكاب جريمة أكبر .
    و تمضي الأيام فتغدو أرض الكويت مقراً و ممراً لقوات غازية للعراق مما يتسبب بموت مئات الألوف من الأبرياء و دمار لا حصر له .
    كوابيس من صنعنا !

  2. اذا احتلال بريطانيا للكويت في العام 1898 كان من باب الصداقة.
    انها 120 عاما من التبعية – ليست الكويت فقط بل الخليج والعالم العربي- في خدمة المشروع الغربي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here