د. زهور بن السيد: جمالية الأسطورة في رواية صبحي فحماوي.. “قصة عشق كنعان”

 

 

د. زهور بن السيد

استلهم الكاتب صبحي فحماوي الأنساق التعبيرية والجمالية لأسطورة التكوين الكنعاني في روايته “قصة عشق كنعانية” للتعبير عما لا تتيحه اللغة المألوفة من نفاذ إلى عمق القضايا الإنسانية الكبرى كقضية الأرض والوطن,واستثمر فاعليتها وأبعادها الرمزية وما تزخر به من مقومات السرد والتشويق والتصوير, من أجل الكشف عن الحقائق التاريخية والعقدية والفكرية والحضارية والوجدانية,وكذلك لما تلعبه من دور في شد انتباه المتلقي والتأثير فيه.

لم تأخذ الأسطورة في رواية “قصة عشق كنعانية” حيزا محدودا وتوظيفا جزئيا بل امتدت على مساحة الرواية, حيث يتداخل الأسطوري والواقعي بشكل لا تستطيعأن تتبين معه حدود الأسطورة وحدود التاريخ والواقع,هي سرد ميثولوجي له علاقة وطيدة بالتراث الإنساني, فالأساطير تعتبر “صورا تقليدية, لكن ما من ريب في أنها من نتاج الخيال, ولكنها ليست مجرد وهم. “

عمل الكاتب على خلق صورة كبرىهي صورة العام الكنعاني, تؤثثها مجموعة من الصور الجزئية, توصل الحاضر بالماضي العريق والعميق, وتمد الجسور بين الأجيال, أجيال الماضي وأجيال الحاضر وأجيال الغد في سلسلة لم تتوقف, ولن تنتهي.

لقد تمكن الكاتب بقدراته الإبداعية الكبيرة أن يحول الأسطورة إلى فضاء جمالي هو فضاء المخطوطة الزاخر بالأحداث والشخصيات الأسطورية والرموز والإيحاءات, وتمكن من إخراجها من عالمها الخرافي اللامعقول والميتافيزيقي إلى عالم الفن والإبداع والدلالات المصيرية الحضارية المرتبطة بتاريخ العرب عامة وفلسطين خاصة على أرض كنعان الشاسعة، وجعل منها صورة نابضة بالحياة بكل تفاصيلها: الحب والخصب والطبيعة والعمران والسياسة والصراع بين الآلهة والملوك على الحكم والسيادة والصراع من أجل الحياة والبقاء…

ولم يقتصر فحماوي على مستوى التصوير على الأسطورة, بل عززها بتوظيف العديد من الرموز المختلفة المصادر: الرموز الأسطورية والطبيعية والدينية والتاريخية وغيرها.

وتضطلع الرموز الأسطورية في رواية “قصة عشق كنعانية بمهام متعددة ومختلفة متآزرة من أجل الحياة, كرمز (الرب بعل) الذي يملأ الأرض حياة:خيرا وفيرا ونسلا وخصبا, يؤازره في إعمار الأرض العديد من الأرباب, ربة النور شمس وربة الفجر بدرية رمز التجدد.و(موت) رمز النقاء, وقد يرمز(موت) للكيان الصهيوني الذي عاث في أرض فلسطين فسادا وتقتيلا وتهجيرا وتشريدا لأهلها.

من الرموز الحاضرة بقوة في الرواية: القُربان, وهذا الطقس حاضر على امتداد أحداث المخطوطة. ارتبطت الذبائح على المعابد وهياكل الآلهة بالطقوس الأسطورية, وهي تجسد علاقة خفية بين العبد ومعبوده, تقوم على قضاء حاجة في نفس المعبود, هي أكثر قيمة من الدماء المراقة, قد تكون أمنا أو عطاء مادياوتيسير الأمور, لقد كان الأمير دانيل في إنجاز مهمته التي كلفها به (العال) ملكة غزة بتبليغ رسائله إلى الملوك الكنعانيين, كلما دخل مملكة يقوم بذبح الذبائح على هيكل الرب المعبود لديهم قبل أن يدخل إلى الملك لتبليغه الرسالة التي جاء من أجلها.

أو مغفرة وتوبة, مثال ما جاء في حوار بين عناة وبعل:

“لقد أحضرت سبعة ثيران فتية,لأنحرها على عتبة المذبح,

 ونستغفر ال فقد يسمح لنا, ويمسح ذنوبنا”[1]

أو إبعاد أذى, مثال: (يائيل)ملك عكا طلب من صديقه نبيل أن يساعده في مهمة تتعلق بزواجه الثاني وهي أن يريق دماء سبعة ثيران فتية على مذبح الأم يم “ضحايا لأرواح زوجة وأفرادأسرته” كي يبعد عنه تهديد الرب موت بأن زوجته المتوفية في الحريق لن تكتب له السعادة في عرسه.

رمز المرأة المقدسة/ الإلهة: الأنوثة مقدسة في الأسطورة لأنها قرينة الحياة والخلق, فالربة (يم) هي المعبود الأول في الكون, هي التي خلقت الأرض والسماء. فالمرأة حسب الأسطورة رمز للحياة والخلق والعطاء. ورمز للرذيلة في ما يتعلق بالبغي المقدسة عشتار.

رمز العدد: ارتبط الكثير من الأعداد لدى العديد من الشعوب والأقوام بدلالات سحرية غرائبية, استمدتها من الأساطير ومن الديانات ومن بعض الأحداث, واكتسبت بعدا قدسيا بذلك. فالرقم سبعة مثلا له قدسية تتجاوز الأعداد الأخرى وهو من أهم الأعداد في الأساطير وله علاقة بالسحر والحظ وبالوقائع والخلق: “كان المعلم اليسع يقف في دار الكتاب في مدينة بيت لحم, ويشرح لطلابه الجالسين على جواعد صوف قائلا: “الرقم سبعة مقدس لدى الكنعانيين,

فإن يم خلقت الدنيا في ستة أيام,

وفي اليوم السابع جلست على العرش

و ال نظم الحياة على في ستة أيام, وتزوج عشيرة,

وفي اليوم السابع خلق كل الأرباب,

ال خلق في الفضاء سبع سماوات طباقا,

وجعل بحار الدنيا سبعة

وكواكب السماء سبعة

وقوس المطر من سبعة

ومواسم السنة سبع

وسنوات الغلال سبع

والسنوات العجاف سبع

 والوصايا الكنعانية سبع

 “يأمر دانيال مساعده فيضحي بسبعة جداء سمان على صخرة الهيكل”

وقد ورثنا قدسية العدد سبعة وأعداد أخرى إلى اليوم, كدليل على ارتباطنا بمعتقداتنا وبتاريخنا. يقول عمر على هامش المخطوطة: (ما تزال أمي حتى اليوم تقول: غسلت يدي وسبعتهن الآن فهمت معنى كلمة سبعتهن) (عمر)

رمزية اللون: الأبيض لون رمز التفاؤل والسعادة: (الخيول التي تجر العربة الملكية خيول بيضاء ـ “رهط من خيول بيضاء يتحفز أمام عرباته…”ـ (أغصان الرتم البيضاء التي زينت بها الجواري عربة دانيال ليلة عرس أخته حورية)

اللون الأرجواني لون جناحي طائر الفينيق رمز الولادة والتجدد ورمز الكنعانيين, يرمز أيضا الى المرأة والجمال (الأقمشة الأرجوانية ـ ( السجاد الصوفي الأرجواني المزركش ). إضافة إلى رموز طبيعية أخرى تزخر بها لغة الكاتب صبحي فحماوي رمزية زيت الزيتون (باركه الملك ومسح جبينه بالزيت) النار, والبحر والشاطئ الذي حفظ الحياة, والجليد والطوفان كرمزين للموت, والغراب رمز الشؤم, والحمامة رمز السلام وغيرها. إلى جانب توظيف الأسطورة والرمز,يتميز الجانب الفني للرواية بحضور مكونات أخرى عديدة, أذكر منها: خاصية الاقتباس من القرآن الكريم والتناص معه, خاصة القصص التي يرويها الحكواتي في القصور, (قصة أهل الكهف, وقصة عصر الجليد وسبع سنوات عجاف وقصة طوفان نوح ـ السيدة العذراء.. ) تتقاطع هذه الحكايات مع الواقع والتاريخ وتستمد شرعية أخذها بعين الاعتبار والتصديق من كونها قصص تتقاطع مع قصص القرآن الكريم ومع التاريخ الواقعي لأرض كنعان: “كان الحكواتي يصغي بأذنيه الكبيرتين بخشوع لحفظ حكاية وفاتهم [وفاة أسرة الملك يائيل ملك عكا في حادث حريق قصرهم ] بالحريق ويتعرف على تفاصيل الدفن في الهرامس, ويشفط الحكاية دون التلفظ بكلمة واحدة, كي يستطيع إدخالها ضمن حكاياته المستقبلية في المحكي. “

ـ مكون الوصف: أنجز الكاتب الكثير من اللوحات الفنية بتقنية الوصف, كوصف الأماكن (مرتبط بالطبيعة المتنوعة والساحرة للبلاد الكنعانية والعمران: القصور والقرى والحواضر والساحات… ) ووصف الشخصيات (جمال الأميرات الساحر والبنية العملاقة للكنعانيين مثلا) ووصف الأشياء (الملابس والأفرشة المطرزة والسفن والعربات… ) ولوحات فلكلورية فلسطينية رائعة مثال ذلك: الدبكة الفلسطينية في عرس ملك عكا وحورية ( يرقصون على أنغام المزامير والعتابا والميجانا.) هذه مجموعة من الإشارات البارزة حول المقومات الفنية في الرواية.

أسلوب الرواية متنوعوعذب عذوبة قصة العشق بين الأمير دانيال والأميرة إيزابيل, وبينه وبين الأميرة فرح عندما اكتشف أن الأولى أخته, وقوي وشامخشموخ التاريخ وجبال كنعان, وعميق عمق مغارات النطوفوبحر كنعان الكبير..

ـ مكون الحوار, بمختلف أنواعه المباشر وغير المباشر والداخلي والخارجي والأسطوي (بين الآلهة) والواقعي, محققا مجموعة من الوظائف, كتقديم الأحداث على والتعريف بالشخصيات ووصفها واستبطانها من الداخل (المشاعر والأفكار..) وتكسير رتابة السرد… وفي ختام هذه القراءة أقول إن رواية”قصة عشق كنعانية” مثلت فن الذاكرة بامتياز, فحملت على عاتقها مسؤولية جسيمة وأمانة كبيرة تمثلت في الحفر عميقا وفي كل الاتجاهات في أرضية الذاكرة الكنعانية العربية,وأزاحت طبقات الطمسعنهذا الإرث الحضاري الكبير, بهدف تعريف الأجيال العربية به وتنوير الأذهان المغلقة عنه.

الكاتب صبحي فحماوي تفاعل مع معطيات التاريخ والحضارة والثقافة والفن والأحداث من حوله والموروث الإنساني العربيالديني والأسطوري… وأبدع رواية مشوقة هي سفر على أرض كنعان الواسعة, طبيعتها وجغرافيتها, سهولها ومزارعها ووديانها وبحارها وقرياتها وحواضرها ومملكاتها…, سفر في التاريخ والأسطورة مع الآلهة والملوك والمملكات,وسفر في الزمان من البدائية إلى الآن, وسفر عشقي شيق مع الأمير دانيال والأميرة إيزابيل ومع الأميرة فرح حين حدث انقلاب في المشاعر, ومع الملك يائيل وحورية.

وتوسل الكاتب في هذا السفر المتعدد بالكثير من الخصائص الفنية, يأتي على رأسها توظيف الأسطورة والرموز, توظيفا ينم عن قدرات إبداعية كبيرة لدى فحماوي في إحياء التراث وتجديده واستثماره أدبيا. لا تنافر بين الأدب والأسطورة, فكلاهما نشاط إنساني يهدف إلى قراءة الوجود والواقع والمحيط وتحليله وتفسيره. وقمة التشويق والمتعة الجمالية عندما لا تستطيع كقارئ أن تحسم أمر المخطوطة هل هي حقيقية موجودة في قسم الآثار, أم هي من نسج خيال وإبداع الكاتب صبحي فحماوي.

لقد أبدع الكاتب فحماوي رواية للتاريخ الفلسطيني خاصة به, هي حجة قاطعة وصوت جاهر في وجه من أرادوا إسكات الصوت الفلسطيني وطمس تاريخه, رواية تستعيد أصوات السكان الأصليين التي تم إسكاتها على حد قول مؤلف كتاب اختلاق إسرائيل كيث وايتلام: ” يحتاج التاريخ الفلسطيني أيضا أن يخلق لنفسه فضاء حتى يتمكن من إنتاج روايته الخاصة للماضي, وبهذا يساعد على استعادة أصوات السكان الأصليين التي تم إسكاتها في خضم اختلاق إسرائيل القديمة. “[2]

وتبقى رواية “قصة عشق كنعانية” مغارة مليئة بالكنوز الدلالية والفنية والجمالية, مفتوحة أمام أدوات القراءة.

[1] ـ الرواية ـ ص: 178.

[2] ـ النص للكاتب كيث وايتلام في كتابه “اختلاق إسرائيل القديمة إسكات التاريخ الفلسطيني” وهو من اختيار الكاتب صبحي فحماوي مع نصوص أخرى المختلفة المصادرفي الصفحة قبل السرد ـ  ص: 2 من الرواية.

 

كاتبة من المغرب

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here