د. رامي عياصره: الفكر السياسي الاسلامي بين المرتكزات والمتطلبات

د. رامي عياصره

السياسة هي تدبير الأمر بما يصلحه، وتظهر محاسن السياسة فيما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد.

ومن هنا فإن الأساس في التعامل مع واقع الحياة العامة للأمم والدول والمجتمعات ، ينطلق من قاعدة عريضة واسعة ورحبة ، مفادها الجواز إلا إذا ورد ما ينافيه ، وقد ساق ابن القيم رحمه الله الحديث في ذلك عندما ناقش مقولة : لا سياسة إلا ما وافق الشرع ، حيث قال : ( فإن أردت بقولك ” إلا ما وافق الشرع ” أي لم يخالف ما نطق به الشرع ، فصحيح ، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع ، فغلط .

ثم استطرد قائلاً : وهذا موضع مزلة أقدام ، ومضلة أفهام ، وهو مقام ضنك ، ومعترك صعب ، فرط فيه طائفة ، فعطلوا الحدود ، وضيعوا الحقوق ، وجرؤوا أهل الفجور على الفساد .

وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ، وسدوا على نفوسهن طرقاً صحيحة  من طرق معرفة الحق وعطلوها ، مع علمهم وعلم غيرهم قطعاًأنها حق مطابق للواقع ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع ) .

وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين صلاح الدنيا والدين وصلاح الحياة والآخرة . فقد غفل أو تغافل البعض عن حقيقة شرعية مهمة ، وهي أن الدين جاء لإصلاح الدنيا التي يترتب على صلاحها إقامة الشعائر وتحقيق المصالح واستجلاب الرخاء والتوسعة على الناس وتحقيق كرامتهم وإقامة العدل بينهم ، ومن هنا تظهر ضرورة تحقيق الأمن الأجتماعي الذي هو أهم مقومات الاجتماع البشري. يقول الإمام الغزالي رحمه الله 🙁 إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن …

ثم يتابع الإمام الغزالي فيقول : ولعمري إنه من أصبح آمناً في سربه ، معافى في بدنه ، وله قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها . فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية ، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقاً بحراسة نفسه من سيوف الظلمة ، وطلب قوت يومه من وجوه الغلبة ، متى يتفرغ للعلم والعمل ، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة ؟

فإذن بان أن نظام الدنيا – أعني مقادير الحاجة – شرط لنظام الدين ).

وقد ورد في كتاب الله تعالى الدعاء القائل ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) .

ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم وجوامع دعائه قوله: ( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة امري وأصلح لي جميع دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)

وبقول ابن كثير رحمه الله في تفسير الحياة الطيبة في قوله تعالي : ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن  فلنحيينه حياة طيبة ) قال : الحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.

وحتى يتحقق صلاح الدنيا وإقامة الحياة الطيبة في المجتمعات لا بد من رحابة في التفكير من أهل العلم والفكر والسياسية ، هذه الرحابة تنطلق من النظرة الشاملة والمرونة الكافية لتحقيق هذه الغاية الكبيرة .  وعلينا أن نعترف بأن أحد أسباب تكريس فكرة فصل  الدين عن الحياة ، وابتعاد رجال السياسة عن أخذ المبادئ الدستورية والنصوص القانونية من الفقه الإسلامي هو جمود بعض الفقهاء المعاصرين  وتعصبهم ، وعدم فهمهم الدقيق لواقع حياة الناس ، وعدم استيعابهم لمتطلبات وتطورات المجتمعات العربية والاسلامية، ما أدى إلى توقف عملية إسقاط النصوص على الوقائع أو إسقاطها لكن بطريقة خاطئة سببت إهداراً واضحاً للمصالح المعتبرة ، أو أنها لم ترفع فساداً واقعاً أو تمنع من فساد متوقع .

هذا الحال من أهل العلم والفقه والفكر ، جعل بعض أهل السياسة والقانون يتركون الشرع لأهله ، ولم يعد الشرع وعلماؤه مرجعاً لهم ولأفكارهم، وهذا الحال هو ما نبـه عليه وحذر منه العلماء المحققون ، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله حين قال ( …. والذي أوجب لهم – أي المجتهدون ـ نوع  تقصير في معرفة الشريعة ، وتقصير في معرفة الواقع  ، وتنزيل أحدهما على الآخر . فلما رأى ولاة الأمر ذلك ، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياستهم شراً طويلاً ، وفساداً عريضاً ، فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينظم بها مصالح العالم ، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك ).

وبالعموم فإن أهل الجمود والتعصب أساءوا من حيث أرادوا أن يحسنوا ، وأفسدوا من حيث أرادوا أن يصلحوا ، وأوقعوا الناس في التفريط عندما أقاموا على الإفراط ، ثم يتساءلون عن سبب هذا الحال وهم لا يدركون أنهم أحد أسبابه .

ومن أهم ما يوقع الإشكال في الوصول إلى الفهم الصحيح ثلاثة أمور :

الأول : الخلط بين القواعد الكلية الثابتة وبين السياسات الجزئية المتغيرة .

والثاني : الخلط بين الوسائل المتجددة وبين الغاياتا لثابتة .

والثالث : عدم التميز في الاستدلال بين ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره نبياً مبلغاً بحكم شرعي وبين ما فعله باعتباره حاكماً وسياسياً مجتهداً .

من أهم ما يفتح أبواب السياسة على مصراعيه هو التعامل مع متطلبات وتطورات الحياة والمجتمعات وفق قاعدة المصالح المرسلة ، المبنية على تتبع مصالح الناس وتحقيقها ، ومن هذا الباب الواسع ولج علماء المذهب المالكي تحديداً ، وتوسعوا في استخدامه ، وذهبوا من خلاله إلى تأصيل علم مقاصد الشريعة ، فكانوا هم رواده بلا منازع بدأ من الإمام الشاطبي رحمه الله ، وليس انتهاءً بالطاهر بن عاشور رحمه الله .

ولعل هذا السبب هو الذي جعل الحركات الإسلامية في مغرب العالم العربي تتفوق على مثيلاتها من المشارقة، ويتضح ذلك اليوم في الممارسة السياسية للحركات الاسلامية .

وتأسيساً على ما سبق وبعد النظر والتدقيق في أوضاعنا الدستورية والقانونية في عالمنا العربي والاسلامي اليوم – بالرغم من سوء واقعه وتردي حاله – نجد أن كثيراً من أوضاعنا القائمة لا غبار عليها ، وهي صحيحة في جانب التنظير والتأطير، ولا تحتاج لأكثر من التوجيه والتهديف، ووضعها موضع التنفيذ والتطبيق . في حين أن بعضها يحتاج الى تصويب وتعديل.

في ظل هذا الواقع المختلط في دولنا العربية والاسلامية، يجب علينا أن ندرك أننا كسياسيين نتعامل مع أوضاع استثناية، فإنه لا يجوز لنا أن نسقط على هذا الواقع الاستثنائي الأحكام الطبيعية ونفرض فرضيات أبعد ما تكون عن واقعنا المأزوم والذي يحتاج الى بذل مزيد من العناية في إصلاحه واعادة تأهيله، وهذا يستدعي الذهاب باتجاه تطبيق “نظرية الضرورة” في كثيرٍ من الاحيان، إن لم يكن نظرية “الظروف الطارئة” في بعضها الآخر، فكما أن للفرد حالات تُعد من الضرورات ، فكذلك الحال بالنسبة للدول والمجتمعات والجماعات التي لها ضروراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي بكل الاحوال تقدر بقدرها، غير أنّ من المفيد التذكير بأن قاعدة الضرورات لا تدخل في

الجوانب الثقافية في الدول والمجتمعات، فإنه لا عذر لنا في تغيير ثقافتنا أو إدخال ثقافات أخرى عليها لأنها تمثل ضمير الأمة وسماتها الأساسية وروحها النابع من هويتها ودينها ولغتها التي لا تقبل التجزئة أو الانتقاص.

وهنا تأتي أهمية التدرج في المعالجات بعد تحديد الأولويات وتناولها أولوية تلو الأخرى، وهذا يحتاج إلى وضوح في الرؤية وعمق في التفكير والاعتماد على العمل الجاد والمتراكم .

يروى أن عبد الملك ابن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال له يوماً : يا أبت ، مالك لا تنفذ الأمور ؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق !!

وكان يريد هذا الشاب المتحمس الغيور من أبيه أن يقضي على المظالم وآثار الفساد دفعة واحدة ودون إبطاء ، وليكن بعد ذلك ما يكون .

لكن الخليفة الراشد قال لابنه : لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمرفي القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة ، فيدعوه جملة ، ويكون ذا فتنة .

يبقى الدور الأكبر على عاتق الحركات الاسلامية تحديد أولوياتها بما يتناسب مع واقع حال الامة ومتطلباتها بفكر مستنير وعقل مدرك بعمق التحولات وطبيعة المرحلة.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. بارك الله فيك دكتورنا الفاضل
    غير أني اعتقد ان مشكلة الحركات ليس بالفهم ولكنه بالتطبيق وكيفية تنزيل النصوص من خلال فهم الواقع.. والذي من خلاله يمكنها ان ترسم وتحدد اهدافها وخططتها

  2. ولعل هذا السبب هو الذي جعل الحركات الإسلامية في مغرب العالم العربي تتفوق على مثيلاتها من المشارقة، ويتضح ذلك اليوم في الممارسة السياسية للحركات الاسلامية

    ما هو التفوق والانجاز الذي عندهم؟ هل هو مجرد البقاء في السلطة؟ كما انهم في تونس اخفقوا اخفاقا ذريعا,

    وقولك ان عمر بن عبد العزيز قد تمهل في الاصلاحات من اعجب العجب, اعتمد على اثر مروي بصيغة التمريض “يروى” كما ان فترة خلافته رضي الله عنه كانت بحدود سنتين فكيف تمهل؟ وكيف تفسر مصادرته لاموال من غير وجه حق من البداية من الامويين وايقاف سب سيدنا علي على المنابر وتغيير شامل مباشر خلال سنيتين فقط

    وكيف جمد الفقهاء لم تبين

    المقال كله مصادرات غريب ان يخرج ممن يسمي نفسه دكتورا

    والسلام عليكم

  3. بارك الله في مقالكم دكتور،
    اريد ان اقول ان الجمود في اصله مقاومة لحضارة الغرب في بداياتها، اي قرني 16 و 17 ، ودهشة ايضا امام الكافر العاقل. هذه المقاومة الاولى حافظت على هويتنا.
    الا انها لم تعطي الاجابات المنطلقة من هويتنا فتحولت الى جمود، بل جليد.
    وهذا الي دفع زعماء العرب في الستينات الى المبادرة بإبداع منظومات اجتماعية واقتصادية محاولة منهم للحاق بركب الحضاري الغربي. تجاوب الشعوب معهم حينها زاد الشيوخ دهشة على دهشة وبقوا في سباتهم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here