د. رائد المصري: لو لم تبدأوا لَما بدأنا: الولايات المتحدة على مفترق طُرُق في الشرق الأوسط

د. رائد المصري

بهدوء… فالجنرال قاسم سليماني كان مسؤولًا كبيراً في الجمهورية الإسلاميه وإستهدافه بصفته الديبلوماسية بشكلٍ علني يعني تصعيداً حاداً في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، فالإغتيالات تحوَّلت الى منهجٍ عَمَلي للعقيدة الأميركية-الصهيونية بعد قيام الكيان على أرض فلسطين بل قبل ذلك، ورغم كلِّ تفاهات المنظِّرين والمرابطين عند مفترق الطرق للشماتة، فالشهيد الجنرال سليماني وأبو مهدي المهندس هما من أوقفا ماكينة تقسيم الشرق الأوسط التي أرادها المستعمر الأميركي لبلادنا وأراد معها أعادة رسم حدودها بالريشة التكفيرية الإرهابية..

إنها مرحلة تثبيت التشكُّل الجديد في الإقليم وفي الدَّور المرسوم للقوى التي واجهت الغرب وحصاره، وإسرائيل وغطرستها وإعتداءاتها، والإرهاب التكفيري ودمويته ومحاولته السَّطو على خيرات وثروات شعوب المنطقة العربية والشرق أوسطية..فهل من أحد يقول خلاف ذلك؟

من يعرف ويتعمَّق في شخصية الرئيس دونالد ترامب لا يستغرب قيامه بمثل هذه المغامرة الوقحة وغير المحسوبة والمخالفة لقواعد القانون الدولي والديبلوماسي، والتي أجْزم بأنَّها ستكون كفيلة بإخراج القوات الأميركية من سوريا والعراق والأردن وأغلب منطقة الشرق الأوسط، رغم التهويل والتحشيد العسكري لقوات المارينز وتدعيم القواعد العسكرية بإرسال دفعات لتعزيز القواعد العسكرية الأميركية، فالمعادلة تغيَّرت وإيران وحلفاؤها يبدو أنَّهم إتَّعظوا وأخذوا الدروس والعِبَر ممَّا جرى ويجري في لبنان والعراق من حراك شعبي كبير وسريع ومجهول الرؤية والأهداف بالنسبة لهم، بسبب النَّقمة على الإقتصاد وسياسة الفساد والنَّهب المنظَّم لثروات الدولة، والتي عزَّز منطقها ونَشَر أدواتها الأميركي ومدرسته في البنك الدولي كثقافة تستنزف أموال الشعوب وبنية الدولة وتعميم الإحتكار ومعه الفساد و عمليات النَّهب المخيفة للأموال العامة…

لن تقبل إيران ومعها محور المقاومة بعد اليوم ولا يجب أن تقبل بتلقِّي الصدمات والدفع عنها بردِّ الضَّربات وإبقاء الحصار على شعوب المنطقة، وبالتالي تضييق الخناق والتسبُّب بالمعاناة والإفقار الإقتصادي بسبب سياسات البنك الدولي وأدواته وسماسرته، وفي المقابل وضع المقاومة وإيران ومحورها بوجه الشعوب المنتفضة والجائعة وتصويرها على أنَّها حامية لأنظمة الحكم والفساد والسرقات والنَّهب التي دعمها وساندها النظام النيوليبرالي المعولم وسياسة أميركا في تعميم الإحتكارات وسطوة البنوك على أموال الناس والأموال العامة…

ما يفيدنا هو الإشارة حتى لو كان هناك تزامن في عملية الإغتيال للجنرال سليماني ورفيقه المهندس مع المحاكمة القريبة للرئيس ترامب في إطار إجراءات عزله، فهو يثير أسئلة مقلقة حول الدوافعه الحقيقية، سواء ما يتعلَّق منها بتعزيز حظوظه الإنتخابية مع المتعصِّبين من الإنجيليين المسيحيين أو مع  اللُّوبي الصهيوني في أميركا وغيرها من إجراءات في الداخل الأميركي، لكن الأهم هو أنَّ فشل العقوبات القاسية في الضغط على إيران ومحور المقاومة لإنتزاع تنازلات جيوسياسية عزَّز المخاوف الإسرائيلية في الدور المستقبلي وفي الوجود، حيث أنَّ تحوُّلات كبيرة في قوّة محور المقاومة أدَّت إلى إنقلاب في دور الكيان الصهيوني في المنطقة بصورة كلِّية، فبعد أن كانت إسرائيل تشكل القاعدة العسكرية الغربية الإستعمارية  في المنطقة من أجل الدفاع عن المصالح الإستراتيجية لها، بات على الدول الغربية ومعها أميركا واجب حماية إسرائيل  حتى ولو أدّى ذلك إلى المغامرة بالحرب وهو ما غامر به الرئيس ترامب بإشرافه المباشر على عملية الإغتيال في العراق.

قولاً واحداً: لو لم يكن الجنرال قاسم سليماني  وأبو مهدي المهندس ورفاقهما أيام إكتساح تنظيمات داعش والنصرة في سوريا والعراق ولبنان ومنعا هذا التمدُّد السَّرطاني بالتعاون مع كافة فصائل المقاومة في لبنان والجيش السوري، لكانت هذه العصابات الإجرامية  تحكم الآن في بغداد ودمشق ومكة والقاهرة من دون أن تفرِّق بين سني وشيعي وعلوي ومسيحي، وبين كردي وعربي وتركي وفارسي، فهذه الأيديولوجيا العنصرية للغرب الأميركي والصهيوني تسبَّبت في الصراعات والخلافات بين أبناء الشعب الواحد، وطَبَعت أسلوب وحياة النسيج الوطني والإجتماعي بتطبُّع الخيانات والمؤامرات، حيث أنَّه لولا هذه الأنظمة الذليلة في منطقتنا العربية لما تجرَّأ ترامب ومن قبله القادة الصهاينة على النيل من شرفاء هذه الأمة ومن شهدائها، وسيبقى هذا الإستهداف قائماً طالما الوجود الإستعماري الأميركي والصهيوني لا زال محل جدل ونقاش وقبول وأخذٍ ورد…فلا بدَّ من رادِعٍ ومن رَدْعٍ سريع…

أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here