د. دينا ابو عبيد: حبق وهم الوجود !!

د. دينا ابو عبيد

نصوص ارض وفكر وحس يعيشها الفرد بين بساط ارضه وعطر افقه, تاخذ منه ميسم زهره ويابس ورقه, دون لفتة شغف لابتسامة ثغره, او حسرة عينه او حتى نغمة عقله. هي, نصوص ارض وسماء, بل واقع حياة تفرقت بما شملت بين هذا وذاك, وهنا وهناك, محالة تترك للمرغوب سوى نقد الموجود, علها تصطاد ما قد نقص الموجود من مطلب المرغوب. نقد, لهفة حواره قراءة نصه في حيرة خيره بما تاه بواقع دربه, فاختلط واقعه بما لم يختلط بحابل نابله الا بتيه جهل او فقر دراية, او حتى خفايا سياسة تُسيس بخبث الدراية.

لهذا الشان, او ذاك, يقع النقد بين قراءات التشبيه الشرح والتفسير, واحيانا كثر , التاويل مسنود بالاجتهاد والاستنتاج لقارئ يقرا المعاني بقراءة النصوص في جسده, فياخذ برغباته ليستعرض اثر ذاته. فالنقد, في اوسع مساقاته, قراءة في حقيقتها نشاط فكري لغوي يولد التباين والاختلاف عما ينوى قراءته. قراءة لا تصدر توام المعنى وتناسخ حرفية النص المقروء وتطابق الموجود , فالنص الاصل يغني عنها ان وجدت كنسخة للاصل. والاختلاف في قراءة النص, ليس اساءة لشرحه او فهمه , او اخفاق في نقده وتقويمه, بل, بتمام الثقة, يحمل النص في كينونته اكثر من قراءة, قد تحرف الفاظه وتاول معانيه وفق الاحتمال وسمفونية صدى النص. فالقارئ بنقده, لا يعكس معاني النص باصحابه وظروفه وعزفه بحرفيتها وتمامها, بل ينظر الى ذاته من خلال معاني النص باختلاف حقول حروفها وسطورها وصفحاتها التي تشكل للقارئ حيزا واقعيا ونظريا لبرهنته او الغاءه, او كونا من الاشارات والمعاني تقبل ابدا التفسير والتاويل, وقد يقرا به ما لم يقرا من قبل, وان نفر الراي. فهكذا تختلف القراءات والمواقف بين عدة قراءات وعدة قراء. فالقراءات لا يمكن لها الا التباين بتباين العصر والثقافة والسياسة والايدولجيات والانتماءات, لانها تستنتطق النص وتحاوره, وبذلك تعرض  ذات قارئها, وتحثه على النظر والتفكر في نصه حرفا ومجازا.

هكذا يجب ان يكون حال نصنا, الداخل الفلسطيني, عند نقده , قراه في كتاب عالمه, نجرب خصوصية لغته لنقرا صورا من معانيه, عبر مخيلة حقيقته وفهم لمعاييره. نقراه من خلال عرضنا لذاتنا في دواخل ذاته لنتحدث عنها بما تعرض له من عرض ومعنى , او صورة شرح ورسم تفسير او حتى تاويل. قراءة, وان تكن,  لحقيقة نشاط فكري متباين المولد والاختلاف لاصل, يكون عندئذ, تبديلا يغني عنه. قراءة, ترفض ان تمجد حرفيتها, بل تصر على استحالة بلوغها, خوفا من تكراره وصدور اختلاف لما اردناه من وراء قراءته.

لهذا الشان , او ذاك, ملامسة المرحلة الراهنة لواقع نص الداخل من اجل عقد نقد ذو معنى يستهوي التغيير والمعالجة, امر وجوبي حتمي ! فواقع داخلنا حالة سياسة, والسياسة حكم سلطته منظمة بمؤسساته وقيادته, وغالبا, بنهج اكراه, تحاور مختصيه في نظرتهم لمجتمعه الذي قد تحول, عبثا, لاقلية مشتتة الذهن والفكر واحيانا الوجود. فالمرحلة تفتقر للوضوح وصراحة الظروف, تتسم في تتداخل الامور لحد يصعب تحديد الحد وتعريف المدى والافق. تتشابك الاولويات وتتراكم الاخطاء, وتزيد الاحقاد وتكثر المخاوف, فتغيب الاجواء السليمة ويختلط حابل وجود الاختلاف  والالتقاء, فلا تعرف متى تكون القوى السياسية متحالفة او على خصام! هكذا  اصبح الانهيار والضياع والقتل والهوان من سمات ما نعيشه, فنخافه مسيطرا محتما علينا, في ذات الان, نقدا صارما, لمواجهة الخطا وتمهيد لعلاجه. في تحديدنا لمفصلية المرحلة, وجب تمهيل العقل في الداخل على اعتاب عصر جديد, يعصفه تجديد يطال بجمع مناحي حياته, بعمقها وسطحيتها, فتحدث تغييرا تتوالى به التفاعلات لتاخذ اشكالا ومسارات تسيئ تبعا لعوامل عديدة, تنعكس على محمل التطورات, مسيسة بسياسة تغزو الاجتماع والاقتصاد والتعليم دون ان ننسى الثقافة, من خلال تزايد لمشاكل جمى تفرض نفسها على مسطح داخلنا بتسارع كبير يثير العنف والتخبط, بل واحيانا كثيرة, يحدد العلاقة بين افراده. اعتمادا على ما ذكر اعلاه, واخرى غيرها, يمكن القول ان نص داخلنا يتعرض للكثير من التبديل والتغيير العشوائي الهائج دون تريث او فهم وادراك.

لهذا, فان القيم والمقاييس والعلاقات السائدة بانواعها, يجب ان تخضع لمعطيات المرحلة, خاصة بعدما اتضح عجز القوى السياسية واهتزاز اليقين, ولمراجعة قيد الثقافة المحلية واعادة النظر, بل اصبح وجوبيا وضروريا مراجعة القناعات والمواقف السائدة واعادة ترتيب الاولويات بصيغها الاجتماعية, الاقتصادية والثقافية- الجماعية والفردية. في وضع داخلنا الحالي, لم يعد العوز – الخيرات اقل من الحاجات – هو مشكلتنا, بل الوفرة من حاجات اساسية وثانوية, مثل الترف والفراغ والثقافة. زد, في داخلنا الحالي, اصبح الخارجي داخلي والمحلي غريب. في داخلنا, اصبح المركز هامش والهامش مركز دون علم للمركز ودون معرفة الهامش. في داخلنا, اصبحت الابتسامة خفايا الدمع وتزوير لواقع بائس حزين. في داخلنا, اصبح الرقص والنفاق وهوس القوة سياسة رقص لدهاء الحنكة. في داخلنا, اصبحت المكافاة والتقدم بانواعه لمن اتقن الكذب ومغالطة المنافسة والانتفاض من العلاقة الانسانية الاجتماعية, دون تقييم نزيه ومعرفة حقيقية لذات الواقع. في واقع داخلنا الان, اصبح نفاق المراوغة دهاء, وابتسامة المراوغ عنوان النجاح. حال داخلنا, بالمختصر المقتضب, شبكة واهنة مغبرة, خيوطها افراد مجنزرة مسيرة منقادة وراء زهرة تحمل حبق وهم النجاح وسراب الوجود. افلا يستحق الامر النقد واعادة بلورة النص للاصل ..!!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here