د. دينا ابو عبيد: الهمزة في ابجدية التغيير!

د. دينا ابو عبيد

التعلم , كما ينظره الواقع, عملية تلقي للمعرفة فتصبح فكرا فنهجا يبوح لنا بهمسات نرسم منها اوتارا نعزفها يوما فشهرا فسنين طوال, تهيكل خلالها سيرورة تعديل او تغيير شبه دائم لسلوك او اداء, وتدريب عقل, يحتم احيانا كثر القياس والانتقاء, واعادة التوجيه بسند من التجربة والخبرة. هو امر يحتم, لا محال , نظرة تفكر, تجوب اروقة الدراسة وثنايا الكتب ومناهج التدريس بل خبايا السياسة والتسييس لمؤسسات التعليم في داخل يعاني خبث الحاضر وغيب المستقبل. نظرة تلامس خلايا انواعه, وجيوب اداءة وهياكل اسسه.

لهذا الشان, او ذاك, ملامسة المرحلة الراهنة لواقع الداخل الفلسطيني لتتبع سيرورة تغيير فرده  امر وجوبي حتمي!  فواقعه, في حاله الان, سياسة تفرض حالها على حال مؤسساتها بما شملت من فحوى متباين في  دواخل ذاته,  ومتشابه في افق رؤاه.  هي مرحلة تفتقر لصراحة ظروف المعرفة من مصدر وتطلع فجمهور ونتيجة, وعصف فكري يجوب جيوب التراث فالهوية. وعليه, وجب اولا تحديد سمات المرحلة والهدف وغاية الهدف.

في مرحلته الانية, تحتضن الفرد في داخلنا متاهه وجدانه نابعة عن تيه فكري ثقافي, يحتم تعاطي عطر سطحيته والتماهي مع سراب مستقبله. حالة, تدخله في تعب نفسي, واكثر جسدي, صارخا لنجدة قد, تصله من فيحاء اصلا تعاني مرضا عضال. لذا نحتاج لتفكر ورجوع لاصل الرواية تشابكت احداثها بين مجالات علوم شتى غير مستثنية لاحداها من كل جزء. هذا هو حال شعب استحوذت عليه افكارا غربية, وغزت حياته مخلوقات مصنوعة , وسياسات احتلال تهدف الطمس والتهجير, بل الموت والابادة. فبيوت العلم والعمل والسياسة ودفئ البيت حوت شاسع زوايا الفكر, ضحلة لوضوح الاصل. صراع على ارض وسماء ودور, ياخذ بصاحبه لحفرات قد امتلات بنتاف طعام ووهم سراب.  وهنا نسال انفسنا اما حان الان لاقتحام معركة وحراك التغيير ! الم يحن الوقت لاخذ بناصية الهمم لتغزو كتب التغيير المعتمدة , واجراء التحديث وحث الرجوع للاصل ومن ثم الانطلاق للتغيير!!

البداية, هي,  تكمن في سيرورة استفراغ الاني وتثبيت الاتي احتفالا في عرس التغيير.  تخرج من بذرة انطلاق الفرد, تكتنفها علاقة ربانية انسانية بين الفرد ووالديه فبيته فحاراته فمدرسته. سلسة مؤسسات عملاقة شهدت الكرب والصمود ومن ثم تغيير مهزوم بعد نضال طويل. مؤسسات سقفت اروقتها بماء مسموم من ثنايا فكر يبغي الهزيمة والهوان, ورصفت سطورها بحجارة ملساء جميلة مغبرة, فاتنة المظهر مهلكة في مداها لمجتمع , اتخذ, يوما, من العزة والكرامة له سماء وارض.

هو المسلك, يكون به الفرد عماده. فالتغيير ينبع من صادرة الفكر, لا من حراكه او حركاته . نبحث زوايا التعلم والعلم والمعرفة, فنجتث منها الغازي لارض الفكر, ونعيد للثقافة امجادها. نحاكم زوايا التزييف, ونرجع للعدل عدله. نغني لحقائق التاريخ, وناسر المستشرقة منها. نبوح  فيحاء ذات الانا, فنغنيها مجدا وعزة في الادب والحفل والسياسة ويوم الارض والام والوطن. نمهد للمثقف طريقه, في الحقل والبيت والعمل وزوايا الحكاية ومناكفة الحجج. نخط سطور الصفحات, لا لاضواء المنصات واصوات الاحتفالات, بل للمعرفة وزينة عروس التغير والرجوع للاصل والتغيير. نسافر الاجواء ونعلو امواج البحار للترويح عن النفس وزيادة, معرفة الاخر وركوبا لحضارة المعرفة.

هو التفكر وتحكيم العقل اذا, لا الرقص في طيات التقليد والسرقة ما تيسر من نتاف بقايا ما حضر في ملفات جيوب افتراضية زرقاء, وفضاء استضاف اسرتنا عنوة , فرحبنا به طواعية. فنحن,  شعب له التاريخ واللغة وارض وسماء وحضارة. لا يقبل التدليل والتذليل لمسطح صغرت معالمه حد همسات الهوان والذل. شعب, يرفض مراكز جديدة باذخة التاويل والمدى,وان, داعبت دور العلم والهرج والصورة. مراكز لا تنبثق الا من حالة الانهزام للذات والهزيمة بما حوت من معنى. مراكز تراوغ حروف “اناه”,  فيحرص عليهاعقله , ويبثها بلسانه النازف في ثغره الباكي المبتسم , الرافض المرحب, الراضخ الحائر المضطرب. مراكز جديدة مبهرجة لامعة بحروفها الناعسة الضعيفة الواهنة. هكذا هو الامر! ففي ليلة وضحاها  شعب اصبح “اقلية” ! اقلية في وطنه وحضارته وفكره وثقافته, بل في هويته. لهذا الشان, وجب على سيرورة العلم ان تبدا اولا, في تعريف الذات ورفض التدليل وتوتيط الهوية, مرحلة, وان قبل القلب ورفض اللسان , هي الهمزة في الاولى في ابجدية حروف التغيير

.  فالمرحلة تفتقر للوضوح وصراحة الظروف, فتتسم في تتداخل الامور لحد يصعب تحديد الحد وعريف المدى والافق, فتتشابك الاولويات وتتراكم الاخطاء, وتزيد الاحقاد وتكثر المخاوف, فتغيب الاجواء السليمة ويختلط حابل وجوه الاختلاف والالتقاء , فلا تعرف متى تكون القوى السياسية متحالفة او على خصام. هكذا اصبح الانهيار والضياع والقتل والهوان من سمات ما نعيشه, فنخاف الشعور بالخطر الداهم قويا مسيطرا يحتم وقفة نقدية صارمة , ومواجهة الاخطاء والمشاكل تمهيدا لعلاجها.

في تحديدنا لسمات المرحلة الراهنة, وجب تمهيل العقل ان الداخل على اعتاب عصر جديد, يعصفه تجديد  يطال بجمع مناحي الحياة بعمقه وسطحيته , فيحدث تغييرا توالى به التفاعلات فتاخذ اشكالا ومسارات شتى , تبعا لعوامل عديدة, تنعكس على مجمل التطورات في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والتعليم.

تزايد المشاكل التي تفرض نفسها على مسطح داخلنا في مرحلته الانية, بتسارع كبير محتمل في المستقبل المنظور. من شان ذلك ان يؤدي الى تشتت وعنف وتخبط وقد يؤثر على التطور والاتجاه به, ويححد العلاقة بين افراده. اعتمادا على ما ذكر, واخرى غيرها, يمكن القول ان صيغة نص الداخل الاني يتعرض للكثير من التبديل  والتغيير. ولهذا, فان القيم والمقاييس والعلاقات السائدة بانواعها, يجب ان تخضع الى المعطيات, ومن هنا تبرز الاهمية الخاصة للمراجعة واعادة النظر والتكيف مع الشروط الراهنة.

في مواجهة ما نخوض به من تغييرات عاصفة ومشاكل خطيرة تجتاح الداخل, خاصة بعدما اتضح عجز القوى السياسية واهتزاز اليقين او انكساره, فقد اصبح من الضروري ملراجعة القناعات والافكار والمواقف السائدة المسيطرة, واعادة ترتيب الاولويات امر مفرغ منه. الاولويات بصيغتها الاجتماعية , والاقتصادية والثقافية- الجماعي والفردي. في وضعنا الحالي لم يعد العوز – الخيرات اقل من الحاجات-  الذي يولد التفاوت مشكلتنا, بل الوفرة من حاجات اساسية وثانوية , مثل الترف والفراغ والثقافة.

جمعية العُلى – الداخل الفلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here