د. خالد مفضي الدباس: التوظيف السياسي لعلم البيولوجيا: مراجعات كورونا

د. خالد مفضي الدباس

لم تكن مقولات الفيلسوف الفرنسي مشيل فوكو في كتابه “المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن” والقاضية بأن “المدينة المنكوبة التي يصيبها وباء الطاعون هي النموذج الأمثل الذي تحلم به السلطة لتعزيز هيمنتها” الا بداية لتأسيس علم البيولوجيا السياسية، الذي يهدف الى توظيف علم البيولوجيا في خدمة السياسة ومراميها.

وقد عزز فوكو شواهده بطبيعة البنيان الهندسي للسجون والمعتقلات، فإذا كان ثمة أبراج للمراقبة فأن دورها يتمثل في ايهام السجناء انهم مراقبون على وجه الدوام، فتتحقق الغاية العظمى بهذا الشعور، مما يدفع السجناء الى الانضباط، حتى لو كانت الأبراج خالية. فتتحول الرقابة الى عقاب ذاتي يولد الانضباط الذاتي، حيث تتولد اليا عبودية حقة من علاقة وهمية، تنتفي معها ضرورة اللجوء الى وسائل القوة لإكراه المحكوم على السلوك الحسن، والمجنون على الهدوء، والعامل على العمل، والتلميذ على الاجتهاد، والمريض على التقيد بالوصفات…فلا سلاسل ولا اقفال ثقيلة. وقد ارتأى فوكو ايضا أن الاهتمام بالجسد الإنساني ليس فقط لضمان صحته، وإنما لضمان طاعته وإنتاجيته، حيث تُجرى ممارسات الضبط في إطار المشروعية القانونية، ولا تكون غاية السلطة مجرد الاستيلاء على الحياة البشرية من أجل قمعها وضبطها، بل العمل على تعزيزها لتحقيق أقصى منفعة يمكن الحصول عليها من الكتلة السكانية القابعة في رحم سيادتها.

وهنا يمتزج علم البيولوجيا السياسية بعلم النفس السياسي فالمراقبة تفضي بالضرورة الى الانضباط المسلكي للأفراد والجماعات تحت هيمنة السلطة السياسية التي تقوم بعملية المراقبة، فتتوالد أنواعا من الرقابة الداخلية توجسا وخيفة من العقاب المحتمل، حتى لو كانت السلطة وهمية وهشة.  وفي استعراضه التاريخي لتاريخ العزل زمن الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر الميلادي في اوروبا، يصف فوكو معازل الحجر الصحي التي تحولت الى أماكن للنبذ والعزل الاجتماعي، وتحوّل “الطاعون الأسود” من وباء خطير إلى “أداة بيضاء”  في يد السلطة السياسية، لإعادة بسط  سلطتها وهيمنتها على الدولة والمجتمع، مما مكنها من تشكيل مناخ سلطوي مشرعن من خلال التدابير الصحية والأمنية.

فإذا كانت الحكمة السياسية القاضية بأنه: اذا اردت ان تكون جيد التحليل…..فعليك ان تكون سئ النية، فقد شكل انتشار وباء كورونا الذي تم اكتشافه في الصين وتحديدا في مدينة ووهان في الأول من ديسمبر 2019 نقطة مفصلية في بداية التأريخ لمرحلة جديدة تعيد انتاج فكرة الدولة البوليسية،  التي فقدت حضورها المقدس في عصر العولمة، لكن الإشكالية الكبرى ان تكون الدولة  بعودتها وبحضورها المقدس المستجد، ما هي الا أداة عولمية  جديدة أخرى لإعادة انتاج العولمة بأدوات جديدة، لخدمة المراكز الرأسمالية الأكثر تفوقا.

وقد ابدى المفكر الإيطالي جورجيو أغامبين، امتعاضه من حالات العزل والحظر التي تفرضها الحكومات على الشعوب للحد من انتشار العدوى، ورأى فيها مبالغة لا يمكن تبريرها إلا بهدف توسيع سلطاتها الاستثنائية لممارسة الدور السيادي، وإعادة هيبة الدولة وحضورها المقدس، الذي تلاشى بفعل روافع العولمة. فقد وصل الأمر بالدولة ان جعلت من نفسها  أشبه ما تكون بعشتار عندما تحدثت عن نفسها وقالت:

“أنا الأول وأنا الآخر، أنا البغي وأنا القديسة، أنا الزوجة وأنا العذراء، أنا الأم وأنا الابنة، أنا العاقر وكُثرهم أبنائي ، أنا في عرس كبير ولم أتخذ زوجا ، أنا القابلة ولم أُنجب أحدا ، وأنا سلوه أتعابي حملي ، أنا العروس وأنا العريس، وزوجي من أنجبني ، أنا أم أبي وأخت زوجي وهو من نسلي”.

وقد حذر أغامبيين من ان الخطورة لا تكمن في خطورة المرض، الذي لا ينكر وجوده، بل في خطورة العواقب السياسية والأخلاقية  الناجمة عن طريقة التعامل معه، حيث بات لا ينظر إلى الآخر إلا كملوث محتمل ينبغي تحاشيه، وهو ما يفرغ الإنسانية من مضمونها، فالمجتمعات التي  تعيش في حالة “طوارئ مستمرة” لا يمكن أن تكون مجتمعات  حرة واصيلة؛  فتغدوا مجتمعات مشوهة قوامها تثبيت الاستثناء وتحويله إلى وضعية دائمة مقبولة ومشرعنة وفقا للنسق السياسي الحكومي المرغوب، وبما يتسق مع قوانين الحداثة ونمطية الإنتاج الرأسمالي حيث يتم التضحية بالحرية الإنسانية في مواجهة فيروس(تم تعظيم خطره)  ليتم استثماره من قبل النخب الكمبرادورية التي تمثل العقل الاقتصادي العالمي.

تساؤلات تطرح، فإذا كان الأموات لا يملكون جنازة، فكيف يمكن للأحياء ان يملكوا حقا، فهل بدأنا نخطو أولى الخطوات نحو “تنعيج”  المجتمعات البشرية  بمواصفات  طبية  -مصنعة – ومركبة-  لتواكب متطلبات مرحلة ما بعد الحداثة في خضم مرحلة تؤسس لما بعد العولمة.

 فإذا اعتقدنا بأننا في مرحلة الصدام ما بين روافع العولمة ومتطلباتها التي قوامها الانسياب اللامتناهي بين الحدود للمال والتجارة والاستثمار، والمعلومات والتقنية من جهة، وبين عودة النزعة الاستبدادية للدولة القومية بمفهومها السيادي التقليدي كما تحدث عنها بودان، او كما تصورها هيغل، فنحن مخطئون،  لأن المسألة الكبرى  اعمق من ذلك بكثير، فهي تنطوي على النقيضين معا، فمتطلبات العولمة لم تعد تكتفي بهلامية الحدود وانسيابها، بل ارادت ان تجعل من الدولة  احدى ادواتها وروافعها للعبور الى محطة عولمية أخرى لا تصب في مصلحة الجميع وانما لمصلحة نخب مركزية تدير الاقتصاد العالمي، وان اختلفت تسمياتها.

ضمن هذا السياق، تبدو ازمة كورونا حدثا تاريخيا استثنائيا لخلق موقف بيولوجي يعظم الخطر لتنفيذ الاجندات الحكومية المختلفة كل بحسب غاياته، فقد وجدت النظم السياسية -خاصة غير الديمقراطية- فيها فرصة مواتية لتحويل الاستثناء الى وضعية دائمة، عبر إطالة امد الازمة، لتكييف المجتمع على شكل عامل منضبط، لتحقيق منطق الاستيلاء على الحياة، لأن توجيه سهام النقد يعني الانتحار السياسي.

ان المراجعات التاريخية، واستنطاق فلسفة الاحداث في منطقتنا العربية، على الأقل منذ انتهاء الحرب الباردة،  يظهر لنا جليا ان السياسة التي مورست في منطقتنا  جعلتنا نؤمن  بوجود أعداء لنا على شكل  أشباح لا ترى الا في وسائل اعلامنا، فتنظيم القاعدة امتلك من المفاعلات النووية ما يخفيه في جبال تورا بورا، والعراق يملك أسلحة كيميائية وبيولوجية ومعدات نووية محمولة على ظهور الشاحنات، وداعش يؤسس دولته على امتداد ارض العراق والشام، ويختفي فجأة. فأصبحنا ننكر ما تراه اعيننا فنصدق ما يقال لنا، فغدونا نقاتل اشباحا رصدت لنا، في مشهد دونكيشوتي مضحك، فهل غدونا فارس الظل الحزين.

أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة اليرموك،

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. الاستاذ يوسف،،،أشكرك على فهمك العميق لمدلولات المقال….وسأعمل جاهدا على ما اقترحت

  2. وفي الجانب الآخر وبعد ان كشفت حنايا و سبر غور دفين سياسة صناع القرار للمنظومة العالمية المتوحشة (لوبي المال والنفط والسلاح الصهيوني وجديدهم المنتظر تقنية التواصل ) ومن تبعهم (جاهلا واو خانعا مدولرا واو لتقاطع مصالح ) هل لنا من فيض ما ابدعت تحليلا وتصويرا !!! بمقال يسلط الضوء لكيفية المواجهة وسبل الإصلاح وينير طريق الغالبية الصامتة التي سكنت طفرتها على شواطئ الفوضى الخلاقّة وحرب المصالح القذرة اللجي ومياهه المسمومة بعد ان حرفوا بوصلتها ووجهتها د. خالد
    “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون “

  3. المجد لك الدكتور المحترم فكلامك في الصميم يستحق الصمت والتمعن من اجل النهوض بالوطن

  4. تحليل واقعي ومنطقي في معالجة الازمة التي نأمل ان لا تكون نتائجها مزيد من الدمار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here