د. خالد فتحي: هل تحقق الثورة للشعب دائما ما يريد؟

د. خالد فتحي

حتى لو افترضنا ان الشعب فعلا قد نجح في إسقاط النظام وانتصرت ثورته، فهل يحقق هذا الشعب مباشرة بعد هذا النصر مايريد ؟. هل يتمكن من تحقيق كل تلك الشعارات التي تصدح بها جماهيره عادة في بداية انتفاضاتها ضد الواقع السياسي والاجتماعي اللذان ضاقت بهما ذرعا ؟ .وهل يفلح في تأسيس الحكم الرشيد الذي داعب خياله والهب حماسه .وكان حافزا له للخروج المدوي على الحاكمين؟؟.

المؤكد ان كل ذلك ليس أوتوماتيكيا ولا مضمونا .فالتخلص من الطفمة الحاكمة ان تحقق لا يكون الا لصالح فريق آخر سيدلف بعدها الى سدة الحكم .قد يكون هذا الفريق الجديد صالحا ،و من الممكن ان يكون فاسدا اكثر من الحكم المطاح به ، وقد يكون احيانا مجرد فريق او نخبة منافقة سوف تتمكن من ان تنتهز فرصة غضب الجماهير ويأسها وقنوطها من طغاتها فتعرف كيف تتماهى زورا مع الثورة، و كيف تركب على الموجة العاتية وتأكل من الكتف.

ليست الأمثلة على ما اقول هو مايعوز في هذا المجال. فهي كثيرة في تجارب امتنا العربية وخصوصا بعد المآلات المخيبة للآمال التي عرفتها ثورات الربيع العربي . فالشعوب الجذلانة التي حسبت احيانا انها قد انتصرت وهزمت جلاديها ،ربما تكتشف كلها في نهاية مطاف الثورة انها فقط قد اطاحت بالحكام وغيرت الوجوه دون ان تغير النظام وبالتالي تكون فقط قد انتقلت من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر حتى تتمكن فعلا من إحلال البديل الذي تغنت به . وفي اغلب الاحيان يتعذر هذا البديل وقد يصبح ضربا من المستحيل.

بديهي ان الشعب لا يستطيع ان يجتمع تحت سقف صالة واحدة ،و يتناقش في كل الامور االتي تهمه .و يقرر في كل صغيرة وكبيرة . اذ لابد له دائما ان يفوض مهمة الحكم الى نخبة من صلبه تكون هي النائبة عنه والمباشرة الفعلية للحكم.

سقط القذافي مضرجا بدمه في ليبيا .وظلت لعنة دمه تلاحق هذا البلد الذي عرف كيف يثور ولم يعرف كيف يفعل ولا ماذا يفعل بعد إتمام الثورة . فلم يجن الا الفتنةوالفرقة والاقتتال.وحتى تونس التي تعتبر من انجح الثوراث في بلادنا العربية بالمقارنة مع شقيقاتها من الثورات، اخذ يحن فيها الكثيرون لايام الديكتاتور بنعلي، بعد ان تعذر الاقلاع الاقتصادي ،وانسدت الآفاق امام الشباب، وتراجع الحكام الجدد عن الأحلام الكبيرة، واكتفوا بالانجازات والمعارك الكلامية و الحقوقية حول العلمانية والدولة المدنية وارث النساء دون تحقيق شيء يذكر على مستوى التنمية المادية الفعلية . ثم هناك اليمن الذي لم يصبح سعيدا بالثورة بل صار اكثر كمدا وحزنا مما كان و أكثر قنوطا من المستقبل. وهاهي ثورات السودان والجزائر رغم انها تردد انها لن تستنسخ التجارب السابقة، الا ان سير الثورة ويومياتها لا يدلان ان هناك خطة ومشروعا واضح المعالم للدولة الجديدة التي يراد انبعاثها .هناك ثورة وكفى .لاءات وباءات لاغير. و هناك مطالب ترفع وجماهير مندفعة ومؤامرات تدبر بليل. وليس هناك خارطة طريق ولا تفاصيل واضحة لمايراد التاسيس له.

لقد اتى علينا الان حين من الربيع العربي يتوجب معه استخلاص العبر والدروس ،ومعرفة الثغرات التي أودت بالثورات الاولى ،لكي لا تتحول مرة ثانيةحواضر ودول عريية اخرى لمجرد حطام ودمار يفجع ويدمي قلوبنا .

على الثوار في العالم العربي ان يستوعبوا ان الثورة في الشارع لا تكفي لوحدها . فهي لاتمطر بفطرتها فقط ديمقراطية ولا تنمية إن لم تكن الشروط الموضوعية لهما قد تحققت سلفا في الواقع الاجتماعي للشعب المنهك المنتفض . اي إن لم تسبق ثورة الشارع والوجدان ثورة في العقل والفكر تؤطر الفعل الجماهيري وتصونه من الانزلاق وتقيه سوء الفشل حين يسترجع زمام الأمور بين يديه . ولذلك لا يعقل هدم البيت الذي تسكنه رغم ثقوب السقف الذي يتسرب منه الماء إليك ، وانت لا ترى لك بيتا يستطيع ان يأويك بعده من عواصف البرد ولفيح الحر.الثورة تريد التخلص من واقع مأزوم معلوم الى مستقبل جميل غير معلوم بعد تملك الجماهير صورة طوباوية و استيهامية عنه، و لكنها لاتدري هل سيكون سيرها اليه نجاة أو سلاما أو هلاكا .ولذلك تكون الثورة أحيانا رصاصة ضائعة في الفضاء .مجرد صيحة في واد. إذا لم يكن رحم الامة قد اخصب و ولد نخبة متنورة قادرة على تنزيل احلام الثورة في الواقع المعيش.

ينبغي أن نفرق بين الثورة كاحتجاج عارم… كانفجار عظيم وقع نتيجة تفاقم القهر والفقر والاستبداد، والثورة كمشروع واضح المعالم منافس ومناقض للنظام الذي قامت لتقويضه .اي الثورة التي تكون حاملة للافكار وللقيم الجديدة المرفوعة على اكتاف الجماهير المنقادة بدورها لنخبة صادقة ذكية براجماتية تستطيع ان تترجم الامال الى مشاريع والى تقدم في كل المجالات . فشتان بين الثورة كعارض اجتماعي والثورة كحتمية فكرية قاد لها تطور الافكار ونضج المعاناة وتنظير المثقفين والفلاسفة والكتاب العضويين.

هاهي الجزائر أمام ناظرينا قد استطاعت ان تخرج بقضها وقضيضها بحثا عن الكرامة وعن الغد المشرق، ولكنها الى الآن لم تستطع ان تفرز طليعة،ان تتمخض عن نخبة ، يمكن ان تخاطبها القوة الوحيدة المهيكلة و المنظمة التي هي الجيش وتفاوضها بشان مايريد الشعب .هناك باءات ولاءات وغايات معلنة، ولكن ليس هناك قيادة يمكن ان تمثل هذه الثورة وتتحدث باسمها.الاسلاميون يتوارون عن تصدر المشهد حتى لا يتهموا باختطاف الثورة ولا يتورطوا في التسبب في إحياء العشرية السوداء من جديد. والليبراليون قد جرى تحييدهم على عهد النظام السابق بسبب ولوغهم في الريع .واحزاب الموالاة ارتكبت خطأ مرافقة بوتفليقة الى غاية حتفه السياسي .والمعارضة مشتتة مرتبكة تسؤها للثورة ولكنها لم تدع اليها الى ان أجبرها الطوفان الشعبي على الانضمام وجرفها معه .والمثقفون غائبون . وحتى عندما ينبري البعض من اهل الحراك للحديث باسمه لايسلمون من ان يشيطنوا وتوجه لهم تهمة محاولة الركوب عليه .

الثورة رغم انها قوية وهادرة هي فكرة هلامية تتسع للفضفاض من الكلمات والتعابير. ولذلك يركب عليها أحيانا اصحاب البيان والكلام .والجيش إذا كان الى الان يتعاطف معها، فله ايضا منسوب صبر قابل للنفاذ خصوصا اذا لم يجد مخاطبين له يرسم معهم المستقبل. واذا كان قد أبرز لحدود اليوم أنيابه للعصابة التي كانت محيطة بالرئيس فلا ينبغي ان يتوهم الشعب ان هذه الأنياب البارزة هي ابتسامة ابدية له.

الثورة دائما لما من يتربص بها ويريد بها السوء من الداخل والخارج.لم تعد شانا وطنيا صرفا بل صار لها في عهد العولمة وثورة الاتصالات طابع اقليمي وقومي وعقدي …الخ .صارت تعبر الحدود و تتدول بسرعة وتتعولم .وهذا مايجب ان يضعه الثائرون في حسابهم اليوم ليعرفوا الممكن من المستحيل من الثورة.

يعرف الجميع ان الثورة لا تبقى لما لا نهاية.فالشعوب تنام كثيرا وتستيقظ لماما في الحظات المفصلية.لذلك فان اللوبيات واصحاب المصالح يعرفون انهم في نهاية المطاف سيكونون امام حكام اخرين ولذلك لا يراهنون كثيرا على الشعب بقدر مايراهنون على من هو منظم وعلى من يعتقدون انه ات من الحكام وان الاوراق تلعب لصالحه.

ان من اولى الواجبات على الثورة الجزائرية ان تتنظم ان تتهيكل وان تفرز قيادة واضحة تتفاوض باسمها قبل ان يذوي الحماس وتتراجع الفورة . فبذلك تحبط مناورات الشعبويين والمندسين و ترصد الوصوليين والانهزاميين وتتفادى كذلك يأس المكتئبين وطوباوية المثاليين ومجازفات المغامرين. وتصبح بالتالي عملية إجرائية براجماتية ناضجة قادرة على انتزاع المكاسب. والا تفعل فلاشيء مضمون البتة لها .و في هذه الحالة تعود كل السيناريوهات ممكنة بما في ذلك ان تسير على خطى من سبقها من الثورات لا قدر الله.

استاذ بكلية الطب دكتور في العلوم السياسية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. صدقت دكتور،تحليل عميق،ورؤية متبصرة، وإستشراف محفز……..كل الشكر والتقدير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here