د. خالد فتحي: صفقة صواريخ S400… نشوز أم دلال تركي؟

 

 

د. خالد فتحي

حرضت صفقة صواريخ S400 بين تركيا وروسيا الكثير من التعليقات حول مآل تركيا داخل حلف الأطلسي الذي تنتمي إليه. فالصفقة لا تخرج عن صنف الصفقات المألوفة في المجال العسكري فقط، بل ويعسر هضمها من قبل المحللين الاستراتيجيين، غريبة لدرجة انها جعلت تركيا كتلك الزوجة المتمردة التي تعقد قرانا جديدا قبل أن تتخلص من زوجها الحالي، اي صفقة لا تتناغم مع (الذوق) ومع الولاء المفروض أن تبرهن عليه تركيا لحلفائها الاستراتيجيين. وبالتالي نفهم كيف انها تخلط الأوراق بشدة على الساحة الدولية بالنظر للدور المتعاظم الذي أصبح لأنقرة في الكثير من الملفات التي وضعها مؤخرا الربيع العربي على طاولتها .

والحقيقة أنه مع تفانين إردوغان في نصرة الإسلام السياسي، لم يعد يستبعد أن يصدر منه desمثل هذا السلوك تجاه أصدقائه الأصليين لإظهار امتعاضه أو عدم رضاه عن التصرفات (الرعناء ) للراعي الأمريكي حياله ، خصوصا حين يدير ساكن البيت الأبيض ظهره للاسلاميين ويضرب صفحا عن ترديد معزوفة النموذج التركي المعتدل المتماهي مع العلمانية التي كانت تخwدم الأحلام العثمانية الوردية في العودة للعالم العربي من بوابة الإسلام المعتدل .

بهذه السياسة المناهضة حاليا للاسلام السياسي تسحب امريكا البساط من تحت قدمي اردوغان الذي كان قد تحول لقبلة لكل الاسلاميين التواقين لاستنساخ التجربة التركية والإمساك مثله بناصية الحكم. زد على ذلك شعور إردوغان نفسه بالاغتراب داخل حلف الناتو.هذا الشعور الذي ظهر واضحا في سياسته الخارجية المتمردة التي صار ينهجها تجاه الحلفاء الغربيين و خاصة بعدما صمت الأمريكيون والأوربيون عن التنديد الواضح بمحاولة الانقلاب الأخيرة الفاشلة في أنقرة، بل وصدور مؤشرات عنهم ت eدل لeى أنهم كانوا فوق ذلك متعاطفين مع الانقلابيين ويتمنون نجاحهم. دون أن ننسى بطبيعة الحال امتعاضه من اصرارهم على إيواء عدوه اللدود فتح الله غولن وتبخيسهم المدبر لليرة التركية للتنغيص عليه اقتصاديا.

لكن لاردوغان ايضا مآرب اخرى يتطلع الى قضائها من هذه الصفقة المثيرة للجدل مع فلاديمير بوتين منها :

1 ـ تكريس صورته كزعيم لا يقف عند حدود تحقيق نهضة تركيا الاقتصادية، بل يتخطاها لتحقيق عزتها الاستراتيجية والعسكرية إقليميا ودوليا مما يضفي على حكمه بعدا سلطانيا وتوسعيا عزيزا على قلبه يتجاوز زعامة الأمة التركية الى تنصيب نفسه مدافعا أول عن بلاد الإسلام يهيئ ما استطاع من عدة ومن رباط الصواريخ .

2 ـ اظهار تركيا الحليفة لأمريكا بسبب عضويتها في الناتو في إرهاب الغريمة لها والمستهدفة منها، مما يقوي الالتفاف حولها اسلاميا من طرف الجماهير العربية الرافضة للانبطاح امام الغرب. النافرة من كل من يمالئ الشيطان الأكبر أو يتهاون امام رغبته في الاستيلاء على مقدرات بلدانها فاردوغان يعرف أن الجماهير العربية عاطفية جدا لا تحكم عليك الا من خلال درجة الوئام أو الخصومة التي تجمعك بأمريكا.

3 ـ رغبة إردوغان في التنطع على الشريك الأمريكي وتبصيره بأن أرض الله واسعة وأن روسيا يمكن أن تكون شريكا قويا لتركيا خصوصا اذا استمر تجاهل التطلعات التركية للاندماج في الاتحاد الأوروبي و عدم التعامل معها بالعدل كحليف له نفس الحقوق لا حليفا أدنى وأبخس درجة من باقى الحلفاء الغربيين .

يعتقد الكثيرون خاطئين أن تركيا لا تعزف على نفس الوتر العسكري مع أصدقائها الغربيين، وأن ما قامت به يشكل نشوزا عن أهداف الحلف، وارتماء لا يستسيغه المنطق وأعراف الأحلاف العسكرية في حضن الغريم التقليدي للولايات المتحدة الامريكية منذ الحرب العالمية الباردة، وانها ستواجه تبعا لذلك عقوبات أمريكية ثقيلة. وستدفع الثمن باهظا، بينما تركيا ترى نفسها لا تقوم بغير توظيف الفزاعة الروسية بدهاء لتتمنع وتتدلل على امريكا وتحذرها مما قد تخسره جراء تنكرها لها كشريك يعول عليه إقليميا، فاذا عز الحضن الامريكي فهناك من يحضنها شرقا وشمالا ويغمرها بصواريخه وأنظمته الدفاعية، خصوصا لما ينزع عنها الغرب صورة النموذج الأمثل الذي يحتذى به .

انها تطالب امريكا بهذه الصفقة المدروسة جدا في دهاليز مؤسسات التخطيط الاستراتيجي التركية بان تكون تركيا الوكيل الحصري لحلف الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط كلها من خلال التبشير أمريكيا ومن جديد بالإسلام العلماني لحزب العدالة وتقصره تركيا في العالم العربي المثخن بالمشاكل المزمنة من دون بقية الأمم الإسلامية الأخرى التي تعاملها معاملة الند للند وأولهم إيران الخامنئي.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here