د. خالد فتحي: إن المرشحين تشابهوا على التونسيين

د. خالد فتحي

كان من نتائج التغييب الطويل للديمقراطية خلال حقبتي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي هذه الرغبة الجامحة التي رأيناها  تستولي على عدد كبير من التونسيين  للترشح لأكبر منصب في الجمهورية حيث بلغت الطلبات 97 طلبا لتستقر فيما بعد الغربلة التي قامت بها الهيئة العليا للانتخابات في 26 متقدما للرئاسة. وهو رقم يبقى مع ذلك  مرتفعا.

هذا  الكم الهائل  من المرشحين  الذين يقترحون انفسهم لإدارة دفة البلاد  يتوزعون فقط على 4 أو 5  اتجاهات أيديولوجية  مما يعني أن هناك عدة  مرشحين من داخل  البيت السياسي الواحد. وهو الأمر الذي يناى بالمشهد الانتخابي عن العقلانية ويعقد مهمة الاختيار على المصوتين، وقد يتسبب في عزوفهم عن الحج نحو مكاتب التصويت يوم 15 شتنبر المقبل  . وربما سيؤدي إلى تحريف الخريطة السياسية اذا ما تشتتت الأصوات مثلا بين مرشحي العائلة السياسية الواحدة وادى  ذلك إلى حرمانهم جميعا من المرور للدور الثاني رغم أن مجموع أصوات العائلة الواحدة قد يكون وازنا جدا ويسمح بذلك  وربما فيما بعد بمنصب الرئيس لو انه  تم التنسيق  سلفا بين هؤلاء  المرشحين الإخوة .

هذا التشرذم المرتقب للأصوات يفتح الانتخابات الرئاسية على كل الاحتمالات و السيناريوهات ويجعلها انتخابات غير متحكم فيها.و هو  الوضع الذي إن كان  يعتبر أمر صحيا بالنسبة للعملية الديمقراطية التي لا يستقيم اودها الا اذا كانت مفتوحة على عنصر المفاجأة .الا انه في الحالة التونسية مختلف بعض الشيء . فالبلد الذي بالكاد يشيد تجربته السياسية الفتية بعد خروجه سالما  من الربيع العربي و الذي يواجه وضعا اجتماعيا واقتصاديا ملغوما ويتصدى لمعطيات أمنية  داخلية و إقليمية مقلقة تجعله بين فكي كماشتين: ليبيا المتفجرة شرقا والجزائر المتوترة غربا ، ليس من مصلحته ان يكون  المشهد الانتخابي على  مثل هذا القدر من السيولة للدرجة التي  يعجز  فيها الكل عن التكهن وتوقع المستقبل. فالديمقراطية لاتقصد لنفسها بل لغايتها التي تكمن في المصلحة.

الصف المدني خائف من أن تنضم تونس الى قائمة الدول الخائبة ثوريا بفعل التناحر الذي أصاب  القوى الاجتماعية وتتوجس أن تكون هذه الفرقة لصالح الاتجاه الإسلامي الذي يراهن على عبد الفتاح مورو أو الاتجاه الشعبوي الذي يمثله نبيل القروي .وأمض ما يقلقه  هو ان تلعب الأرقام لعبتها وتكون المقابلة النهائية في الدور الثاني بين هذين التيارين وهو ما يفتح تونس على مآلات مجهولة  على العكس تماما من  حالة الستاتيكو التي ينطوي عليها  تمكن أحد مرشحي الصف الحداثي من التأهل ثم الفوز.

الإسلاميون دخلوا ايضا الانتخابات وقلوبهم شتى :هناك مورو الذي نكثوا به وعدهم  بعدم الترشح  مبرزين بذلك  سلوكهم البرجماتي الذي لا يختلف  عمن سواهم ،والجبالي المتمرد في العلن الإسلامي دائما في سره الذي يلعب دور المفرمل للتيار الإسلامي حتى لايفاجئ هذا الأخير  بنصر لا يرغب فيه من الدور الأول ،)ويتوفر  له الوقت ليقايض  بين السوقين الانتخابيين العصفور النادر الذي لازال بانتظاره.وهناك المرزوقي الذي  لا يحرق سفن العودة إلى الإسلاميين والذي دخل منذ زمن في حلفهم  منتظرا  متى يكون رهانا لهم. ولذلك قال ضدا على علمانيته انه سيمزق قانون الإرث وهو في الحقيقة لا يمزق الا قناعته بعرض نفسه على خزان الأصوات  الإسلامي .

اما التيار الشعبوي فقد اوقع الكل في الفخ، حيث يخوض مرشحه القروي الحرب الانتخابية من السجن من موقع الضحية الذي قد يخدمه كثيرا ويحصد له تضامن الناس معه فكثيرون هم  من خرجوا من السجن مباشرة  الى الحكم .  اما اليساريون فلازالوا على نفس الربوة يرددون الشعارات القديمة كان لم يمر ربيع ولا ترويكا ولم تستجد وقائع في البلد الذي لايستقر على قرار الى اليوم.

كل هؤلاء المرشحين اذا ما تغافلت عن الوانهم تكاد لا تميزهم. يتشابهون على الناخبين لترديدهم  تقريبا نفس الخطاب و نفس البرامج  والوعود التي تكون احيانا بعيدة عن الاختصاصات المخولة دستوريا الى الرئيس في نظام اثبث صراع السبسي و الشاهد انه برلماني ..خطاب يمتح من الفترة الاستبدادية لبنعلي او لنقل انه يحن لزمن  الاستبداد المستنير لبورقيبة.

هذا الاجترار و هذا الكلام المكرور قد حول الانتخابات الرئاسية الى صراع أشخاص يتضابون تحت الحزام . وحرم الجمهور التونسي من فرجة مقارعة البرامج فيما بينها .و هو الجمهور  المتعطش دون شك الى لمس حلول حقيقية لمشاكله المزمنة مع الركود الاقتصادي والبطالة والهجرة عبر قوارب الموت والتنمية المتعثرة .

لقد ترشح الكل ضد الكل لأن غياب  السبسي المفاجئ وتقديم الانتخابات الرئاسية جعل الكل يجري وراء تسييج  قطيعه الانتخابي حتى لا يشرد بعيدا عنه.انها انتخابات رئاسية تبتغى بها الانتخابات التشريعية لاغير .

فهل تفك المناظرات التلفزية التي ستجري لأول مرة في الرمق الأخير للانتخابات هذه  العقدة..عقدة ضبابية المشهد السياسي فتبدد  حيرة الناخبين   اذا مانجح   بعض  المرشحين الكارزميين في حصر السباق في حلقة ضيقة و التجلي بشكل يحفز التونسيين على حسم الاختيار .ذلك ما سنراه .

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here