د. خالد رمضان عبد اللطيف: ماذا يحدث عندما يموت التفكير الراقي في أمريكا؟

 

 

   د. خالد رمضان عبد اللطيف

من السخيف أن نتشدق بلسان الفلاسفة، أمام سلوكيات مشينة وتغريدات بائسة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق وغرد خلال حملته الانتخابية عام 1916 قائلا “أنا أحب المستوي المنخفض من التعليم”، ربما لا تشبه بتغريدة ترامب سوى تصريح جوريف جوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية، والذي يقول فيه إن “التفكير يفسد الدماغ”، وهنا يثور السؤال: كيف ارتقى رجل كترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وكيف يمكن أن يستمر لسنوات أخرى كما يروج أنصاره، الذين يستعدون بقوة للانتخابات الرئاسية المقبلة نهاية العام الجاري؟.

في آيار (مايو) 2017، صرح الممثل الكوميدي الأمريكي حسن منهاج بأن أمام ممثلي الكوميديا فرصة ذهبية في عصر ترامب، مضيفاً أنه “ربما لم تكن لتسنح الفرصة للكوميديا لتنتشر لو فازت هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة”، ولا شك أن كلمات الممثل الكوميدي تعبر  بشكل صارخ عن عصر ترامب الذي رأيناه بأم أعيننا خلال أربع سنوات في الولايات المتحدة، إنه عصر الكوميديا السوداء، والعشوائية اللامتناهية التي عبر عنها عنوان أحد الأفلام المصرية الشهيرة “سمك. لبن. تمر هندي”.

قديما، كان يتم توجيه الأمريكيين لتقدير قيمة “العقل الحي واعتناق العيش البسيط والتفكير العالي، لكن اليوم، يتم تجاهل تلك  التوجهات  من اتباع الرئيس الجمهوري، حتى باتت السياسة الأمريكية مهينة للغاية ومتدنية للغاية؟، ربما يتعين على النخبة الأمريكية التعامل مع هذه المعضلات  كـ “أطباء”، كما هو الحال مع أي أمراض أخرى خبيثة، يجب تحديد المرض قبل معالجته، إذاً من أين جاء هؤلاء؟.

في البداية، يحسن بنا أن ندرك كعرب وكغريم حضاري، التوجهات الأمريكية القديمة في التعليم الرسمي، فمنذ اليوم الأول لكل تلميذ في المدرسة الابتدائية، يتم تلقينه رسالة أساسية: “تعليمك لن يكون ممتعًا أو مريحاً أو لطيفًا. سيكون حول الوفاء القانوني للالتزامات المؤسسية والشخصية المتنوعة. نأمل أن يساعدك أيضًا في إعدادك لوظيفة ما. لا تتوقع أي شيء أكثر من ذلك. لذا، أيها الطلاب الأعزاء، تقول هذه الرسالة الضمنية والواضحة: “اجلس، كن مطيعًا وحاول فقط ألا تطلق النار على أي شخص”.

يشعر الأمريكيون بالملل حتى الموت من جراء الالتزامات الركيكة للحياة الأمريكية اليومية، ويتعرضون للاستنزاف من خلال الكفاح الطاحن من أجل البقاء إيجابيين أثناء اختناق حركة المرور وأثناء استكمال أشكال لا حصر لها من الأعمال الورقية الفارغة، ويدرك الأمريكيون بفارغ الصبر أن مسار الحياة تم تحديده تقريبًا من خلال عمليات الإلهاء والخداع،  ومما يثير الدهشة، أن مناقشات الأمريكيين الأعلى صوتاً  الآن تدور الآن حول الأسلحة والقتل، ولا تتعلق أبدًا بالأدب أو الأفكار أو الفن أو الجمال،  داخل سيدة العالم تغرق شرائح ضخمة من السكان في المخدرات، المنتشرة بشكل كافٍ لابتلاع آلاف السنين الكاملة من الإنجازات البشرية.

لكن، ما الذي يجب أن نتوقع كعرب ومسلمين، في ظل الحالة الأمريكية  الراهنة وغير المألوفة، بل والشبيهة بالسيرك؟، هل تتوقعون إلا السوء في السياسية والاقتصاد وحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي ورغبة الشعوب في التحرر والانعتاق من الاستبداد، يمكننا أن نلاحظ هنا  أن الأمريكيين في عصر ترامب يفكرون عكس التاريخ، ولا شك أنهم من الناحية النظرية سعداء للغاية لأنه لا يوجد أي جهد للقراءة أو تعلم أي شيء ذي قيمة، ومن المفارقات أن أكثر الأمريكيين ثراءً يقيمون الآن معزولون  كطبقة مخملية، يعيشون حياة ممسوخة ومحزنة في الفنادق والمطارات، مندفعون إلى الأمام ليس من خلال أي أهداف نبيلة، ولكن من أجل القهوة، والكحول، وممارسة الرياضية، وإشباع الملاذات.

الأدهى أن بعض الجامعات الأمريكية تواجه نفس النوع من التراجع، حيث تحصل جيوش جرارة من الأساتذة الأمريكيين على درجة الدكتوراه لإظهارهم لمحة ضعيفة من محو أميهم أو إنجاز علمي ضئيل، لو لك صديق من هؤلاء حاول فقط أن تتحدث مع أكاديمي يافع عن الأدب أو الفن أو الفلسفة، ستكون محادثة قصيرة ومن جانب واحد، مع استثناءات قليلة جداً، ومن هنا ندرك من أين أتى ترامب ورفاقه المجانين.

في سياق هذا التحول في أمريكا الترامبية، تم استبدال التبجيل التقليدي للأدب والفن بمزيد من التأكيدات المطمئنة على نتائج كرة القدم وتصنيفات الجامعات ومشاهدة الأفلام الإباحية، وبصرف النظر عن إدمانها الواسع وترفيهها الذي بلا طعم، أصبحت المساحات المقدسة “للتعليم العالي” طريقاً مستهلكاً إلى وظائف لا معنى لها وغير مرضية، ولا عجب في أن لافتات “لا توجد أماكن شاغرة” تتدلى الآن بأمان خارج مستشفيات الأمراض النفسية ومراكز رعاية الأطفال، وسجون الولايات المتحدة.

*كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مقال جميل بفكرته ومحتواه القيم ……هذا المرض الذي تصفه دكتور خالد هو ذاته الذي يجعلنا نشعر بالغربة في كل هذه المجتمعات العربية والغربية على السواء ، هنالك ضغط هائل على مواطن العصر الحالي لتحويله إلى الشكل الذي وصفته بدقة ، نتمنى أن نقرأ لك المزيد من هذه المقالات الثمينة فكريا وارشاديا ، كل التقدير والاحترام لقلمك النابض .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here