د. خالد رمضان عبد اللطيف: صفقة احتلال القرن.. فلسطين تتبخر فمن ينقذها؟

د. خالد رمضان عبد اللطيف

حتى لو استطاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تمرير صفقة القرن المزعومة طوعاً أو كرهاً، وهو أمر مشكوك فيه، سيبقى التساؤل مطروحاً: هل سيشكل الوضع الجديد عائقاً أمام الاحتلال الصهيوني لاقتحام المسجد الأقصى، وهل سيردع ذلك قوات الأمن والمتطرفين اليهود عن تكرار اعتداءاتهم السافرة على الفلسطينيين، فضلاً عن وقف أعمال الحفر والتنقيب تحت المسجد المبارك؟.

يحاول ترامب ونتنياهو “المأزومان سياسياً” تشكيل تحالف موسع لتمرير الصفقة المشبوهة التي  لا تنصف الفلسطينيين، وتسعى لتصفية القضية من جذورها، توريط أطراف دولية أخرى، ومنهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تلك اللعبة القذرة، إذ ستكون موسكو وجهة نتنياهو المقبلة عقب واشنطن، لإجراء مباحثات ثنائية حول الصفقة المزعومة، وهذا هو ثاني لقاء بينهما خلال أسبوعين، فقد التقى نتنياهو الرئيس الروسي الأسبوع الماضي، خلال مشاركته في المنتدى الدولي الخامس للهولوكوست، الذي عقد في القدس الغربية.

بالرغم من محاولة روسيا الظهور بمظهر المحايد، والدعوة لقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967، وحل قضايا الحل النهائي من خلال المفاوضات، إلا أن هناك تقارباً مريباً بين إسرائيل وروسيا، شعاره المصالح المشتركة، حدث خلال الأيام الماضية، وتمثل هذا التقارب في عفو السلطات الروسية عن نعاما يساسخار وهي امرأة إسرائيلية مسجونة في موسكو، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019 بتهمة حيازة مخدرات، وفق صفقة تقضي بالإفراج عن يساسخار مقابل منح روسيا ملكية كنيسة “ساحة ألكسندر” بالبلدة القديمة في القدس المحتلة، والتي رفضت إسرائيل في عام 2015 إنهاء النزاع عليها لمصلحة موسكو، وبالتالي يتوجب مراقبة الموقف الروسي عن كثب.

يتعامل ترامب وكوشنر صهره ومُستشاره لشؤون الشرق الأوسط، مع الصراع الراهن وكأنه صفقة تجارية بحتة، ويحاولان عبثاً تعويض خبرتهما المتواضعة للغاية في عالم السياسة والدبلوماسية، عبر التلويح بعشرات المليارات من الدولارات لإغراء الفلسطيينين على إنهاء الصراع  الذي استعصى على الحل لعقود طويلة، ووعود رنانة بتحقيق ازدهار اقتصادي، مقابل منح الأمن والأمان للإسرائيليين.

منذ قبل قرابة السنتين، يثور جدل كبير بين الأوساط الأمريكية، حول مدى كفاءة كوشنر للمهمة الثقيلة، وقدرته على حل الصراع طويل الأمد، لا سيما وأنها مهمة لم يتمكن مسؤولون ودبلوماسيون كبار لهم باع طويل في السياسية من إنجازها، وقد وضع تصدي كوشنر، الرجل الثاني بعد ترامب، لتلك المهمة الإدارة الأمريكية في موقف غير الكفء أمام العالم، كما وضع علامات استفهام قوية حول المصداقية والنزاهة التي تتمتع بها الإدارة البيضاوية في التعامل مع قضايا حساسة بحجم القضية الفلسطينية محور الصراع طويل الأمد في الشرق الأوسط.

لكن مؤهلات كوشنر الأساسية، المطور العقاري الذي يفتقد الخبرة الكافية للتصدي لأمور الدبلوماسية في الشرق الأوسط، تكمن في أنه زوج إيفانكا ترامب، بالإضافة إلى أنه تربطه علاقات عائلية وثيقة برئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، والذي يواجه انتخابات صعبة في آذار (مارس) المُقبل، وتتضح تلك المؤهلات بالتدقيق في كيفية إدارته للملف برمته.

يقول آرون ميلر، المفاوض الأمريكي السابق والذي طلب منه كوشنر استشارة في هذا الملف، إن المستشار الشاب ذكر له صراحة: “لا تتحدث معي عن التاريخ، قلت للإسرائيليين والفلسطينيين ألا يتحدثون معي عن التاريخ أيضًا”، ما يعني أن كوشنر يعتمد في حل الأزمة على تسوية مقترحة، دون أن يجري أي مفاوضات أو حتى التحدث إلى أحد الطرفين، مع تهميش واضح للسلطة الفلسطينية.

من دون شك، فإن صفقة احتلال القرن، رغبة أمريكية لتعزيز إعادة انتخاب نتنياهو على رأس السلطة مجدداً في إسرائيل، وإنقاذه من حالة الإفلاس السياسي؛ وهذا الأمر سيساعد ترامب أيضاً على البقاء بالبيت الأبيض لولاية رئاسية جديدة عبر ضمان أصوات المسيحيين الإنجيليين واسترضاء الجالية اليهودية واللوبي الصهيوني ورجال الأعمال الموالين لإسرائيل في الولايات المتحدة، كما أنها ستكون مفيدة على مستوى اجتذاب تعاطف الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في ظل محاكمة ترامب الراهنة في الكونجرس الأمريكي بتهمة “إساءة استخدام السلطة”.

للأسف الشديد، شجعت الظروف الفلسطينية، والعربية، والإقليمية المواتية الإدارة الأمريكية على طرح الصفقة المشبوهة دون أن تجد معارضة رسمية تذكر، لكنها ستقود الفلسطينيين، ولا شك، إلى مرحلة نضالية جديدة، إذ ربما يتم الإعلان عن إنهاء اتفاقية أوسلو، لكنه مع ذلك سيبقى إنهاءً شكلياً، لن تتبعه خطوات عملية، لأن السلطة الفلسطينية ليست مستعدة لدفع ثمن باهظ جراء اتخاذ مواقف أكثر شدة في مواجهة الولايات المتحدة، وعليه فمن المرجح أن تتواصل عملية التنسيق الأمني بين أبو مازن وسلطة الاحتلال، وستكتفي السلطة ببعض التحركات الدبلوماسية، والسعي لإدانة الاحتلال لدى المحكمة الجنائية الدولية والحصول على مزيد من الدعم من قبل الأمم المتحدة، فيما لا تبدو الظروف مهيئة لإشعال انتفاضة ثالثة في ظل استمرار حالة الانقسام الداخلي منذ عام 2007، وبالتالي سيتعين بشكل عاجل وفوري على كافة الفصائل الفلسطينية إعداد استراتيجية وطنية نضالية بالمعنى الدبلوماسي والشعبي.

* كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. فلسطين تتبخر ..والله هذا كلام الواهمين ..فالارض هي الارض لم تتبخر ..والشعب الفلسطيني هو الشعب الفلسطيني ام يتبخر ..الذي تبخر هو اوسيتبخر هي سلطة التنسيق الامني وسلطة اسلوا يلطة التنازلات .. وهذا الكلام قديم ومعروف ..لا سلطة لشعب تحت الاحتلال ..الواهمون هم الذين حاولوا اقناع انفسهم ..بما لا يمكن الاقتناع به .نقطة الى السطر.

  2. للأسف كما يقول البروفيسور خالد رمضان:”لا تبدو الظروف مهيئة لإشعال انتفاضة ثالثة في ظل استمرار حالة الانقسام الداخلي منذ عام 2007″، وهذا هو لب الأزمة الراهنة التي جعلت ترامب وأمثاله يتجرؤون على حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، أرجوكم توحدوا يا فلسطينيين في مواجهة عدوكم وانسوا خلافتكم السياسية من أجل الله ثم الوطن. توحدوا يرحمكم الله.

  3. سؤالي يا أستاذ خالد اين شعب مصر لماذا لانرى مظاهراتكم واعتصاماتكم ضد صفقة القرن اين ذلك الزخم الجماهيري الذي كان يخرج بتوجيه صبيان الفيس بوك ضد مبارك وضد الاخوان مع ان صفقة القرن سبب حقيقي وجاد اكثر من الأسباب التي خرجتم من اجلها ضد مبارك والإخوان. هل أدركتم الان ان الشعوب العربية فاقدة للوعي تماماً وأنها لاتخرج الا لتخريب أوطانها ان شاء الله فهمتم وشاهت وجوه المتظاهرين الذين خرجوا قبل عدة سنوات وشاهت وجوه المتظاهرين الذين يخرجون الان في لبنان والعراق فهؤلاء غربان اسرائيل ومن المضحك انهم يطالبون بالإصلاح قلتها وأقولها كل عربي يخرج متظاهرا في وطنه ولا يرفع شعار تحرير فلسطين فهو اما جاهل او عميل حتى لو كان يتظاهر ضد سلطة فاسدة وجرمة وأطمئنه انك أيها المتظاهر لن تحصل على اي شيء وستزداد ذلا وفقرا كما حصل ويحصل في مصر وليبيا وتونس فقد ازدادوا ذلا وفقرا لأنهم لم يتظاهروا من اجل فلسطين وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون يا امي رغم الذل العربي ورغم الغدر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here