د. خالد رمضان عبد اللطيف: العرب وأفريقيا.. وسنوات الفرص الضائعة

د. خالد رمضان عبد اللطيف

لسنوات طوال، كنت أتساءل: ماذا يعرف الرجل العربي عن الرجل الأفريقي، وماذا يعرف الرجل الأفريقي عن الرجل العربي؟، ولماذا يفضل الأفارقة رفع نزاعاتهم مع العرب إلى المؤسسات الدولية، بدلاً من الذهاب إلى آلية مشتركة لحل النزاعات بين الطرفين.. كان تساؤلاً محيراً وجباراً شغلني لسنوات، لكن إجابته للأسف مفزعة وبائسة جداً، رغم توافر مقومات النجاح لهذه العلاقة بفعل الضرورة الجغرافية التي تجمع بين الطرفين، والتي تجعل من القارة السمراء بمثابة الحديقة الخلفية للعالم العربي، تماما مثلما هو وضع أمريكا اللاتينية بالنسبة للولايات المتحدة.

أتاح الغياب العربي الطويل عن القارة الأفريقية، الأسرع نمواً على مستوى العالم، والتي تتمتع بقوة استهلاكية تقارب 1.27 مليار نسمة، وناتج محلي إجمالي يصل إلى 3.4 تريليون دولار، أتاح هذا الغياب الفرصة للعديد من الدول وخاصة الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة بتوسع نفوذها السياسي والاقتصادي، والذي لا يخلو من نفس استعماري، في إفريقيا على حساب الكعكة العربية السهلة والمهملة، فتضاعفت التجارة على سبيل المثال بين روسيا والدول الإفريقية، خلال السنوات الخمس الماضية  متجاوزة  سقف الـ20 مليار دولار ، كما تعهدت موسكو بشطب ديون بقيمة 20 مليار دولار، في مقاربة برجماتية تفتح مجالات جديدة أمام الشركات الروسية.

على المستوى السياسي، عززت روسيا صلاتها بالقارة السمراء (55 دولة( ، إذ زار 12 قائدا أفريقياً موسكو منذ عام 2015، فيما شهد عام 2018 وحده ست زيارات، ولا شك أن هذا النفوذ الروسي المتعاظم يثير مخاوف القوى الغربية ، في حين يستمر تراجع النفوذ الأمريكي في منطقة أفريقيا والشرق الأوسط ككل وفقاً لشعار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “أميركا أولاً”.

أما عن التواجد الصيني المذهل في القارة السمراء فحدث ولا حرج، إذ تجاوز حجم تجارتها مع الدول الأفريقية 200 مليار دولار خلال عام 2018، حيث تعمل بكل جد واجتهاد أكثر من 10 آلاف شركة صينية في أفريقيا، ويستوطن صينيون منتشرون في الحقول الزراعية والمصانع والشركات، وقد تشربوا ثقافة السكان الأصليين وكأنهم أفارقة أبناء أفارقة، والعديد من القوى العالمية بخاصة واشنطن لا ترغب للأفارقة أن يتعاملوا مع الصينيين، مخافة أن تصبح القارة السمراء الفناء الخلفي لبكين.

في المقابل، لا يتجاوز حجم التبادل التجاري بين الدول العربية ونظيرتها الأفريقية 14 مليار دولار، في الوقت الذي يوجد فيه فراغ معلوماتي بشأن وضع العرب في أفريقيا، ووضع أفريقيا في الدول العربية؛ حيث تمثل كل منهما للأخرى منطقة مجهولة، ولا يعرف معظم رجال الأعمال العرب الكثير عن فرص الاستثمار المتاحة في القارة، كما تعد المعلومات المتوفرة في الدول العربية عن الأسواق والبورصات الأفريقية نادرة للغاية.

يتوقع أن يصل الإنفاق السنوي للمستهلكين والشركات الأفريقية إلى 6.66 تريليون دولار بحلول عام 2030، ارتفاعاً من 4 تريليونات دولار عام 2015، وهذا الأمر يشكل حافزاً للتنبه إلى حجم الازدهار المرتقب لاحتياجات الأسواق الأفريقية، والتي تشمل قطاعات البنية التحتية والطاقة والأغذية والمشروبات والأدوية، والخدمات المالية والرعاية الصحية والتعليم، كما أن هناك توقعات بقدرة الصناعات الأفريقية، وبخاصة قطاع السيارات، على مضاعفة الإنتاج إلى نحو تريليون دولار في غضون عشر سنوات.

أعتقد أن لدى المستثمرين العرب، حكومات وأفراد ومؤسسات،  فرصة هائلة لصناعة تاريخ جديد في قارة تنادى ببنية تحتية أفضل، حيث تعد البنية  المتهالكة والمتخلفة نقطة ضعف رئيسية وعائقاً كبيراً أمام نمو الاستثمارات الأجنبية، فمازال600 مليون أفريقي محرومين حتى الآن من الكهرباء، ولهذا ضاعفت دول القارة الاستثمارات السنوية في البنية التحتية إلى قرابة 80 مليار دولار منذ بداية القرن الحالي.

كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. افريقيا مفتوح للعرب لكن للاسف بعض العرب لايولون اي اهمية الافارقة مازال عقولهم في قرون الوسطى باعتبارات مزاجية او غير معروفة اكثر الدول في العالم اذا يريدون السيطرة او اعتماد علي دولة ما يعتمدون على الناس الذين يجيدون لغتهم في تلك دولة لكن حينما واحد عربي يجدك تتكلم لغة العربية لايولي لك اي اهمية ايضا انا عاينت هذا الحال كثيرا في الدول العربيةمثلا اتذكرجيد في مطار جدة سنة شهر فبرايرسنة١٩٩٤ كنت زاير لاداءمناسك العمر راني شرطي المطار وقام يتجه الي عندما اقترب الي تكلم معي بالانجلزي فاجبته بالعربية رايته صدفةرجع الى كرسيه فسأله زميله لمارجعت قال واحدافريقي مسكين بينماكنت اجيد انجليزية جيدا والفرنسية كاللغة الام فقط احب لغة العربيةوفي دبي شاهدت نفس المعاملة كثيرا
    بينماتجيدالمانية او فارسية حتى صينية ترى ان اصحاب هذه اللغات يفرحون بك كثيرا بالعكس العرب مع الاسف

  2. الدكتور الممحترم خالد رمضان
    هناك مثل شعبي يقول الاقربون اولى باامعروف وسبق لي ان اسهبت في هذا الموضوع وفي نفس الصحيفة قبل اسبوع ردا على مقال تناول تراجع الدور المصري في افريفيا عطفا على موضوع سد النهضة موضحا ان مصر وهي الدولة المهمة في القارة الافريقية اضافة الى نيجريا وجنوب افريقيا والمغرب لانها تمثل بوابة العبور الاسيوي لافريقيا وقد وضحنا ايجازا ان هذا التراجع يعود لاسباب سياسية اهمها غياب التحطيط الاستراتجي بعبد الامد نتيجة لحالات مزاجية شخصية غير مبررة لصاانعي القرار في الدول العربية او رضوخا لاملاأت وضغوط خارجية لقوى عالمية ترتب علية تراجع في العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ادى الى حالة النفور وعدم الارتياح للشعوب الافريقية تجاة العالم العربي مبني على تراكم لارث تاريخي غير مريح بين الطرفين ولعلنا نتذكر الاحداث الدامية في مطلع ستينيات القرن الماضي في تنزانيا
    ومحاولة الزعيم الليبي الراحل للتقارب والاتجاه جنوب جنوب وطبعا الزعيم الليبي قد قام بذلك نتيجة لتوتر علاقتة مع الغرب
    انذاك محاولا التخفيف من الضغوطات علية باللعب في مناطق نفوذ الدول الغربية في افريفيا وخاصة فرنسا وهو اصلا غير مؤهل لذلك زعامتا وبلدا وهذا يفسر الحماسة الفرنسية في حملة الناتو على لبيا عام ٢٠١١

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here