د. خالد رمضان عبد اللطيف: البابا في العراق.. لماذا الآن؟

د. خالد رمضان عبد اللطيف

 

تنطوي زيارة بابا الفاتيكان غير المسبوقة إلى العراق على مهمتين رئيستين، الأولى تسليط الضوء على انقراض المسيحيين في العراق، والثانية تعزيز روح الحوار بين أتباع الأديان المختلفة، ولكن السؤال هو: لماذا يصر البابا على زيارة العراق في هذا التوقيت الصعب؟، خصوصاً وأنّ هناك بلداناً كثيرة لم يزرها أي بابا بعد، وقد يكون لها أهميّة وازنة مثل روسيا والصين وغيرهما؟، وعلى ما يبدو فإن فلسفة الزيارة الدبلوماسية، تسعى إلى تثبيت فكرة أن البابا “رسولاً للمتعبين”، لا يهتمّ بملاقاة الأقوياء فقط، بل يذهب إلى الضعفاء أيضاً، ويقدم رسالة احتضان للشعوب الجريحة تحت وطأة الحروب والانقسامات.

رغم أن البابا فرانسيس (84 عاما) حصل على تطعيم كورونا خلال يناير الماضي، إلا أن زيارته هذه محفوفة بالمخاطر، فهي الرحلة الخارجية الأولى للبابا منذ 16 شهرًا، وتتزامن مع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس المميت في العراق الجريح، وسط تنامي نفوذ الجماعات المسلحة، وسلسلة تفجيرات في بغداد، لكن بابا الكنيسة الكاثوليكية صرح قائلاً بأن: “الوقت قد حان لزيارة بعض أقدم المجتمعات المسيحية في العالم”، حيث يعتقد بأن الفرصة سانحة الآن للمضي في رحلته إلى العراق التي تأجلت في 2020 لتقديم الدعم المادي والمعنوي لمسيحيي العراق.

منذ الغزو الأمريكي للعراق في 2003،  تضاءلت أعداد المسيحيين في البلاد بنسبة 83%، من حوالي 1.5 مليون مسيحي إلى أقل 250 ألف مسيحي، وقد أدان البابا ما وصفه بـ”اللامبالاة القاتلة” تجاه أوضاع المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط، إذ قال في يوليو 2018، إن “اللامبالاة تقتل، ونحن نرغب في رفع أصواتنا للتصدي لهذه اللامبالاة القاتلة في الشرق الأوسط”، فيما دعا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، خلال شهر أغسطس الماضي، المسيحيين العراقيين إلى العودة إلى بلادهم، وصرح الكاظمي: بأن “العراق بلد للجميع، والمسيحيون أبناء أصليون لهذا البلد، ونحن جادُّون في تقديم المساعدة للعائلات المسيحية وحل مشكلاتهم، كما يُسعدنا عودة المسيحيين إلى العراق وإسهامهم في إعادة إعماره”.

لم يزل المسيحيون الذين بقوا في العراق، يُواجهون تهديدات الجماعات المسلَّحة، وهم يشتكون من عدم اتخاذ أي تدابير حكومية وقائية لحمايتهم، وقد انتقدوا تصريحات رئيس الوزراء ووصفوها بعدم الواقعية، وطالبوا بكبح جماح الميليشيات المسلَّحة التي تهدد سلامتهم، ومع ذلك، يأملون أن تمهد زيارة البابا التي تستمر أربعة أيام، الطريق أمام “عراق أكثر سلاما”، وهو أمل يراود المسيحيين المتحمسين للزيارة في هذا التوقيت الصعب من عمر البلاد.

يعتقد الكثيرون أن زيارة البابا تعد فرصة جيدة للحوار بين أتباع الأديان والعرقيات المختلفة في العراق، خاصة بين المسلمين والمسيحيين والإيزيديين، إذ ستكون للبابا لقاءات مع النخب السياسية والاجتماعية وأرباب الحوار وعلماء الدين وناشطي المجتمع المدني، خاصة وأن رأس الفاتيكان يرفض الربط بين الإسلام والإرهاب، فقد صرح في يوليو 2016، تعقيباً على ذبح أحد الكهنة داخل كنيسته في سانت اتيان غرب فرنسا:”إذا تحدثت عن أعمال عنف إسلامية يتعين علي أيضا أن أتحدث عن أعمال عنف مسيحية.. في كل الديانات تقريباً هناك دوماً مجموعة صغيرة من الأصوليين.. هم موجودون عندنا أيضاً”.

تقتضي العدالة، أن نشير هنا إلى أن مأساة المسيحيين العراقيين مأساة قديمة، وتحميل داعش المسؤولية وحدها عن قتلهم وتجهيرهم خطأ فاحش، ذلك أن المشكلة سابقة لتوقيت ظهور التنظيم المتشدد بكثير، إذ فَقدَ المسيحيون شعورهم بالأمان منذ اندلاع الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة خلال فترة الثمانينات الميلادية، كما أسهم الفساد السياسي، والسرقة المنظّمة للمال العام، والصعود الطائفي، وفقدان استقلال القرار العراقي، بنفس القدر في تهجير المسيحيين وتخويفهم من المستقبل الغامض، ومن ثم الاحتماء بالغرب والولايات المتحدة، ولا شك أن حماية المسيحيين والحيلولة دون رحيلهم إلى خارج وطنهم، تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة العراقية.

  • خبير دولي متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. لماذا لم يقم البابا بزيارة العراق ايام الحصار لكن الخطر من زيارة البابا هو زيارة اور والتى يعتقدون خطأ بانها اور الكلدانيين وان النبى ابراهيم قد ولد بها النبى ابراهيم لم يذكر بالديانه المسيحيه الا فى انجيل متى بان النبى عيسى هو من سلالة ابراهيم وبالتالى فزيارة البابا الى اور لايمت الى الديانه المسيحيه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here