د. خالد رمضان عبد اللطيف: الأسواق العالمية تتقن فن التكيف مع الأزمات الجيوسياسية

د. خالد رمضان عبد اللطيف

أظهرت المواجهات الراهنة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران، على أرض طرف ثالث هو العراق، أن الأسواق العالمية باتت تتقن فن التكيف مع الأزمات الجيوسياسية بشكل لافت، فمكاسب أصول الملاذات الآمنة كالذهب والين الياباني جراء المخاطر المحدقة بالأمن والسلامة في المنطقة الغنية بالنفط، تراجعت دونما أسباب فنية، مما يطرح سؤالاً عريضاً حول أسباب التقدم الهائل والتراجع الهائل في المكاسب السعرية للأسواق العالمية ككل.

لم يستغرق الإقبال الشديد على الذهب كملاذ آمن للاستثمارات سوى ساعات عادت بعدها الأسهم العالمية للارتفاع من جديد، وكان ذلك تحولاً لافتا، فقد بدأ النفط 2020 بارتفاعات قوية جراء التوترات السياسية، وفي بادئ الأمر، ظهر وكأن أسعار الخام لا تكترث للتذبذب السياسي، والتظاهرات في العراق، والتي كان قدرة على تعطيل الإنتاج النفطي العراقي، أو إعاقة عمليات النقل، وحتى عندما كانت الأنباء تشير لكارثة على الطريق، فشلت الأسعار في الارتفاع بقوة، لأن السوق لم ير أن تلك الحرب ستندلع بين إيران والولايات المتحدة، كما أدت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادئة عقب الرد الإيراني، إلى قتل أي شرارة للحرب، أو أن أي ضرر سيمس النفط.

هبط النفط بحدة بعد حديث ترامب يوم الأربعاء، لأنه اقنع الأسواق بما كانت تستشعره منذ البداية، من أنه لا حرب ستقع، أو أن الاحتمالية لها ضئيلة، وعند مقارنة أحداث اليوم، بما وقع من أزمات في الشرق الأوسط سابقًا، سنرى اختلافًا كبيرًا يمنع تلك المقارنة من الأساس، بسبب تغير أساسيات العرض والطلب الآن، ففي 1990 و2003، كانت أسعار النفط مرتفعة، وظلت مرتفعة بقوة.

المتغير في المعادلة الآن هو الإنتاج الأمريكي المتزايد نموه بقوة خلال العقد الماضي، والذي ضمن للولايات المتحدة أمن مصادر طاقتها، وهو ما لم تتمتع به الولايات المتحدة في 1960، ولم يعد إمدادها النفطي مرهون بالشرق الأوسط أو بأمنه، وهذا ما ذكره ترامب نصًا، حيث يظل فائض المعروض قائماً بقوة الآن، وبالتالي فإن محاولة المقارنة بين الماضي والحاضر فاشلة تماماً، لأن أساسيات اللعبة تغيرت تمامًا.

على مدى عقود، كانت أسعار الطاقة الآلية الرئيسية لتوصيل تداعيات الصراعات الكبرى إلى الأسواق العالمية، فقد ظل خطر تعطل الإمدادات النفطية ظلا يلازم الاقتصاد العالمي منذ قفزت أسعار النفط لأربعة أمثالها خلال حظر أوبك النفطي عام 1973 وعندما قفزت الأسعار 30 % في 1990، إلا أن قفزات النفط تبدو أقصر هذه الأيام، فقد أصبح بوسع منتجي النفط الصخري الأمريكيين زيادة إنتاجهم للتعويض عن ارتفاعات الأسعار الناجمة عن اضطراب الإمدادات بغض النظر عن السياسات النفطية للمنتجين.

دون مبالغة، أثبتت الأحداث الراهنة أن الأسواق المالية “الشجاعة” ودعت عصر “حتمية تأثير الأحداث الخطيرة على التداولات”، فأسعار النفط التي ارتفعت عند مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني قبل أسبوع بنحو 4 % فوق 70 دولار للبرميل، عادت الآن إلى ما دون 65 دولار للبرميل.

ومما هدأ من وتيرة الأسواق، اعتقاد المستثمرين أن واشنطن وطهران ستتحاشيان تفجر الأوضاع على نطاق أوسع، حيث أثبت التجارب خلال  السنوات الأخيرة أن تفجر الأوضاع عسكريا على مستوى إقليمي فقط، ليس له أثر باق سواء على إمدادات النفط أو الأسعار أو الاقتصاد العالمي، وهكذا يراهن المستثمرون على تكرار هذا النمط من السلوك المريح الذي يضمن عدم خروج الأزمة عن نطاق السيطرة.

مثلت حرب الخليج في عام 1990 وهجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، والغزو الأمريكي للعراق في 2003، أبرز الأحداث التي مثلت خطرا جيوسياسياً كبيرا في الثلاثين عاما الماضية، ففي عام 2003 هوت عوائد السندات الحكومية الألمانية، وهي من أكثر الاستثمارات العالمية استحواذا على الثقة، نحو 70 نقطة أساس بين مارس ويونيو، وكانت انخفضت بقدر مماثل في 1990، وأثبتت الحوادث التاريخية أنه كلما هناك حرب مطولة كلما تزايد الإقبال على السندات الحكومية.

وتعلمنا التجارب التاريخية، أنه عندما تمسك المستثمرون بمحافظهم الاستثمارية في سوق الأسهم العالمية، رغم أزمات الديون الحكومية في أوروبا، والاختبارات الصاروخية في كوريا الشمالية، والحروب التجارية، واضطرابات الشرق الأوسط، والسياسات الاقتصادية غير المألوفة، استطاعوا حصد عوائد كبيرة، إذ زادت قيمة الأسهم على عالمياً بما يتجاوز 25 تريليون دولار منذ عام 2010.

*كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. كل الشكر والتقدير دكتور خالد لمقالاتك العلمية الدقيقة والتي تحمل الكثير من رسائل التوعية الاقتصادية والسياسية والمستقبلية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here