د. حميد لشهب: الحمار الأعرج لماكرون على أبواب بواتيي

د. حميد لشهب

من الصعب على كل من ينتمي ثقافيا وحضاريا وعقائديا للإسلام أن يهضم ما يحدث من إهانة للمسلمين في فرنسا حاليا. والسبب في ذلك أن هذه الإهانة مؤسساتية، تأتي مباشرة من السلطات العليا للبلاد، وهي بهذا تشبه أيديولوجيا قائمة بذاتها، منظمة بطريقة محكمة للنيل ليس فقط من الفرنسيين المسلمين، بل من كل من ينتمي لهذه الديانة من قريب أو من بعيد. ومن واجب أبناء وبنات هذه الحضارة وهذه الثقافة، لا يهم إن كانوا يمارسون شعائرهم الدينية أم لا، سواء اعتبروا أنفسهم “علمانيون” أو “عقلانيون” أو فقط أناسا بسطاء أن يقفوا وقفة رجل واحد، لأن الهدف هو محاولة طمس الإنسان المسلم عامة والعربي بالخصوص. علينا أن نتعلم من تاريخنا الطويل مع الغرب، ومع فرنسا بالخصوص، وهو تاريخ مليئ بالمعانات والإحباطات وخيبات الأمل جراء النظرة الفوقية الإمبريالية والعنصرية للغرب -وأقولها مرة ثانية لفرنسا بالخصوص-. لنتخاصم ونختلف فيما بيننا، فثقافتنا تسمح لنا بذلك، لكن لنتراص كبنيان فولاذي عندما نُهاجم. مسؤوليتنا كمثقفين هو بالضبط هذا البناء الفولاذي، إن كنا نريد بالفعل أن نبني من جديد معالم ثقافة وحضارة تعلمت الدفاع عن نفسها ووعت المصائد التي ينصبها لنا الغرب، الذي نجح في شحن بعض الأفئدة والأدمغة في “كره” ثقافتها وأبناء قومها ولربما عقيدتها، بدريعة أننا متخلفون. هذا الإستلاب هو أقصى وأقسى ما وصلت إليه الأمة، نفكر كغربيين وننسى بأن هذا التفكير محشو بما يُفَتِّتُنا كبشر وشعوب. أخجل من نفسي ومن أبناء وبنات قومي عندما يصطف بعض من نعتبرهم “مثقفين” في صف المستعمر الغادر، سواء أكان صهيونيا أو فرنسيا أو أمريكيا إلخ، ويلوك أطروحاتهم وأحكامهم المسبقة عنا كبشر وعن ثقافتنا ومعتقدنا وطريقتنا في الحياة. ويأتي هذا الإستلاب غالبا من الأشخاص الذين درسوا “الفكر” الغربي في أوطانهم الأصلية ولم يغادروا بلدانهم أبدا، أو الذين أتيحت لهم الفرصة للدراسة لسنوات معدودات في الغرب، والرجوع ليصبحوا أبواقا حقيقية له في أوطانهم، منسلخين عن واقعهم الفعلي وعن مسؤولياتهم اتجاه أوطانهم.

لمن له دراية ولو متواضعة بحال فرنسا تحت حكم ماكرون، لن يفوته عقد مقارنة بينه وبين نابليون، على الرغم من الإختلاف الجوهري بينهما فيما يخص موقفهما من الإسلام. فالحملة المسعورة لماكرون ضد الإسلام، منذ أن اعتلى “عرش” الجمهورية الفرنسية، يقودنا مباشرة إلى الطريقة التي وصل بها ماكرون إلى الحكم في فرنسا. فقد انسلخ كليا على مبادئه السياسية “الأصلية”، بطريقة براغماتية واضحة، وأسس “حركة” لا يمكن للمرء أن يتبين ما هو يميني فيها وما هو يساري. أكثر من هذا، تشمم ماكرون عطر النفوذ المسيحي في السياسة الفرنسية وعمل كل ما في وسعه للتبرك ببركاته و”سرقة” أصوات ناخبيه، موهما إياهم بأنه “مسيحي” ورع. بمعنى واضح يحاول ماكرون اسرضاء الناخب المسيحي الفرنسي بعد اقتراب نهاية “سلطنته” بالهجوم الشرس على المسلمين، والمغاربيين بالخصوص، وكأن لسان حاله يقول بأنه مستعد للرجوع إلى السياسية الإستعمارية لفرض المسيحية على إفريقيا الشمالية، كما حاول الإستعمار في وقته عمله وشجع ماديا ومعنويا التبشير المسيحي في القارة الإفريقية عامة. ولنكن واضحين بما فيه الكفاية هنا: مشكلتنا ليست مع إخواننا المسيحيين أينما كانوا، بل مع استغلال الساسة الفرنسيين للأديان للوصول إلى مآربهم.

يجمع المؤرخون على أن فرنسا هي ابنة الكنيسة البكر، ويعتبر قانون 1905 (الفصل بين الدولة والدين) فعل ابنة عاقة، لم تعد تطيق سيطرة أمها عليها. لكنه عقوق خفيف، لأنه لم يصل إلى حدود القطيعة النهائية كما يتوهم “العلماني” العربي، بل فقط سحابة في كبد سماء صيف لا غير. فقد استغلت فرنسا الكنيسة في سياستها الخارجية أيما استغلال، وبالخصوص في العالم العربي وبالأخص في لبنان، حيث مزقت النسيج اللبناني وأقبرت فكرة الدولة القومية اللبنانية وفصلت لبنان عن سوريا. كما أن استغلال فرنسا العلمانية للكنيسة في إفريقيا -كما أشرنا- أدى إلى تنصير عدد لا يستهان به من الدول الإفريقية، التي فُرض عليها التخلي عن دياناتها الطبيعية وممارسة المسيحية، دين المُستعمِر، أو على الأقل هكذا قُدِّم الأمر للأفارقة. لم يقتصر هذا الوضع على مرحلة الإستعمار المباشر، بل إنه مستمر إلى حد كتابة هذه السطور، فباستغلال الحركات التبشيرية تحاول فرنسا الإستمرار في استعمارها الثقافي لإفريقيا ودول الشرق العربي التي استعمرتها، تحت ذريعة حماية المسيحية.

هناك خط دقيق في الداخل السياسي الفرنسي لم يعد يُخْفِي استعداده لوضع يده في يد المسيحية الفرنسية مارسه جل الرؤساء الفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية. ولربما نسمي مثل هذه الممارسات بالرغبة للإرتماء في أحضان الكنيسة، في دولة “علمانية” قانونيا، من أجل تحقيق أهداف سياسية. ونتستحضر هنا لقاء بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي الإشتراكي فرانسوا هولاند وتأكيده على أن الدفاع على مسيحيي الشرق هو ما يجمع الفاتيكان والحكومة الفرنسية أنذاك. وما الهجمة الهمجية لماكرون على المسلمين الفرنسيين، والمسلمين بصفة عامة إلا مؤشرا واضحا على محاولة تقربه من الكنيسة وطلب رضاها و”بركتها”. فقد دعى إلى إصلاح العلاقة بين الدولة الفرنسية والكنيسة، وفتح حوار جدي بينهما (خطابه سنة 2018) أمام جمهور من القساوسة المسيحيين. وأشار بالأصابع في خطابه هذا إلى الأحزاب السياسية التي أهملت الفئات الكاثوليكية، يعني نوعا ما توجه ساركوسي قبل انتخابه رئيسا. إنه تآمر واضح على العلمانية، وهو السياق العام الذي يمكن للمرء ملاحظته في عموم فرنسا حاليا. وهو تآمر يقوم أساسا بتقديم بشر آخرين ودين آخر ككبش فداء للقضاء الغير المباشر على العلمانية الفرنسية، وكأن  حال “مهندسي” هذا المشروع يقول: اللهم الرجوع إلى المسيحية، التي تعتبر إرثا لنا، أو لدين لا نعرفه، أو لا نعرف إلا قشوره. ولا يتعلق الأمرط بدين، بل ببشر ينتمون إلى ثقافة وحضارة هذا الدين.

حصان معركة ماكرون ضد المسلم الفرنسي هو ما يسميه “الإسلام السياسي”، وليس هناك أي تعريف دقيق للإسلام السياسي الفرنسي، اللهم مشاركة العديد من المسلمين في تسيير بلديات فرنسية بعد انتخابهم ممثلين سياسيين وانخراطهم في المجتمع المدني وجمعياته ومنظماته الحقوقية بما يسمح به القانون الفرنسي. بمعنى أن المشاركة السياسية للمسلم الفرنسي، لا تروق البتة أغلبية الفئات السياسية الفرنسية، بل يرون فيها خطرا حقيقيا ينبأ بـ “أسلمة” فرنسا، خطاب يميني متطرف إسلاموفوبي.

الحصان الذي اختار ماكرون ركوبه لن يسمح له بـ “التبوريدة” (كما يقول المغاربة) على حساب مسلمي فرنسا. فمحاولة استباقه للزمن وضمان أصوات ناخبين يكرهون وجود المسلمين بفرنسا، لن يتجح تماما، لأن هناك أحزاب أخرى تنافس على هذا المستنقع الإنتخابي، ولها حظوظ أكثر للفوز بهذه الأصوات. فسياسة تمزيق نسيج مجتمع ما، خاصة إذا كان متعددا ثقافيا وعرقيا، يكون مآلها الفشل، لأن المجتمعات لا تُبنى على التمييز والتفريق، بل على ما يوحدها، فاختلافها العرقي والمعتقدي والثقافي هو الأساس القوي لاستمرارها. فقد بدأ ماكرون حملته الإنتخابية على حمار أعرج، لربما لن يوصله إلى أبواب بواتيي Poitier لإجلاء المسلمين الفرنسيين وبداية حملة صليبية جديدة.

النمسا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. تعليق رائع وشرح لكل هؤلاء المتاسلمين الذين لازالوا يتبجحون بلتاييد لفرنسا وحرية التعبير على المقاس الفرنسي والغربي بسبب الشعور بعقدة النقص بانفسهم أمام المجتمعات الغربيه ولايفكرون قليلا ماذا يخططون لنا من سوء ….انتقاد وتصغير للذات وتعظيم وتقدير لهؤلاء … سبحان الله

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here