د. حميد لشهب: إشكالية التواصل بين الرجل والمرأة في “هي وهو”

hamid lashhab.jpg555

قراءة وتعليق: د. حميد لشهب

تُكسر الأديبة المغربية غادة الصنهاجي في مجموعتها القصصية القصيرة: “هي وهو. قصص حوارية” (الدار البيضاء 2016) كل عادات الكتابة الإبداعية الأدبية، مقدمة بذلك نصوصا عن موضوع “المرأة والرجل” في مجتمعنا بطريقة جديدة كليا. وباعتمادها على أسلوب رشيق، يُمرر رسائل كثيرة ومتنوعة في الموضوع، وباتكائها على ثقة متميزة في اختيار تعابيرها وتأثيثها باستعارات وتشبيهات، تنجح الصنهاجي في ربط القارئ بقصصها ودفعه اللامباشر للتفاعل مع مضامين كل قصة على حدة. يلمس المرء في هذا الكتاب نوعا جديدا لمقاربة “مشكل الرجل والمرأة”، بتجاوز التصور التقليدي المتوارث، ليصبح الرجل طرفا في هذه القضية وليس متفرجا، معنيا بالأمر وليس شاهدا خارجيا. بمعنى تجاوز تقديم المرأة في بصورة ضعيفة، مرة كضحية وأخرى تُتلى في حقها: “إن كيدهن لعظيم”. توحي قصص الكاتبة بأن للرجل أيضا مسؤولية في علاقته بالمرأة، أكانت علاقة زواج أو غرام، ليس من حقه التبرء منها ولا تجاهلها. إضافة إلى هذا، تهدم الصنهاجي التمثل المتوارث عن الرجل كسلطة لا تعلوها سلطة على المرأة، وكقوة “خالدة”، لنكتشف رجال من لحم وعظم، يبكون وينتحبون، يُظهرون ضُعفهم دون عُقد.

بُنيان القصص أفقي، تترامى أطرافه في الأفق البعيد، تجتاز الكاتبة فيافي وقفار وسهول وجبال العلاقة بين المرأة والرجل، بحبكة أدبية خارقة للعادة، وبخيال قل نظيره، وبمواضيع متعددة، تعدد طبيعة الرجل والمرأة. وبما أن المقام لا يسمح هنا لتقديم عرض مسهب، فإننا نكتفي بموضوع “التواصل” بين المرأة والرجل، اقتناعا منا بأن هذا التواصل يُمثل في العمق جوهر العلاقة المتشنجة بين الجنسين.

للتواصل دور مهم في الفهم والتفاهم بين أنثى وذكر، من حيث كونهما عملية ذهنية وانفعالية تؤسس وتأثث في العمق مخيال العنصر البشري. فالإختلاف العميق في التواصل بين الجنسين يكمن في جملة “أفهمك”. ليس هناك فهم ولا تفاهم بين الرجل والمرأة، بما أن أسلوب تواصلهما مغاير في طبيعته، وهذا ما برهنت عليه الكثير من الدراسات النفسية. لا يهم في أي محيط جغرافي ولا في أية ثقافة ولا في أي لون بشرة يعيشان، فالتواصل بينهما يحدث في العمق على مستويات غير متساوية. عندما تقول القاصة على لسان الرجل: “وانتفضي وأنت تشعرين بوجودي غير الكائن”، فإننا نلمس في هذا التعبير ميتالغة بامتياز، لا يمكن أن يفهمها إلا الرجل الذي يعرف بأن وجوده وعدم وجوده سيان. ليس فقط الوجود المادي-الفيزيقي، بل الوجود الإستعاري، يعني الغياب التام للشخصية أو للقدرة على تقرير المصير في استقلال تام وبمسؤولية شخصية ذاتية. فـ”الوجود غير الكائن” هو لحظة كينونة استعارية، يتماهى المرء فيها مع عدم وجوده الإستعاري، يعني عدم قيمته كَمُخاطَب ومُخاطِب، يعني الإنهزام الحقيقي في عملية التواصل. قد نجازف بأطروحة مفادها أن طبيعة ونوعية تواصلنا مع بعضنا البعض، وبالخصوص بين الرجل والمرأة، هي التي تُنتج الكثير من سوء الفهم وسوء التفاهم بيننا، لأننا ندخل كل عملية تواصل بنوع من النقص deficite الذاتي، لأن لغة تواصلنا غير سليمة وغير خالية من الأحكام المسبقة والنيات السيئة، بحيث أننا لا نكف على تأويل ما يقوله الآخر، عوض الإصغاء، متحينين الفرص للهجوم المضاد. وتعري الكاتبة بما فيه الكفاية عن مثل هذه الميكانيزمات التواصلية السلبية في الكثير من قصصها. لا داعي للتذكير بأن هذا التواصل السلبي لا يقود إلا إلى الإحباط، وبالتالي إلى خيبة الأمل عند المتواصلين.

النتيجة المنطقية لمشكل التواصل بين الجنسين هو بناء وتطوير علاقة متشنجة بينهما منذ اللحظات الأولى لعلاقتهما. دُخول المرء علاقة حب أو زواج يتم في غالب الأحيان بالمزج التواصلي بينهما، بل بالسكوت الشعوري أو اللاشعوري عن أهم شيئ: طبيعة التواصل الذي يحكم هذه العلاقة. لا يعرف ولا يعترف المرء هل “يتزوج ليُحب” أو “يُحب لكي يتزوج”، وبهذا تتم أغلب علاقات الزواج دون تأسيس تواصل إيجابي حقيقي، بقدر ما تتم “صفقة”، فيها الكثير من القمار. وتقدم لنا القاصة عينة لا يُستهان بها من القصص تؤكد هذا الأمر، تنتهي فيها العلاقة بطريقة مأساوية دائما، بالطلاق والكراهية المتبادلة وحروب ما بعد الزواج إلخ.

في ثنايا “هي وهو” يلمس المرء نوعا من الحديث الشبه المحايد، فلا تُنصب الكاتبة نفسها هيئة أخلاقية تحكم على نوعية العلاقات، بقدر ما تُراهن على تشخيص المشاكل وترك القارئ يقرر بنفسه، طبقا لتربيته ومستوى تعليمه وتجاربه في الحياة. وبهذا تُشرك الصنهاجي القارئ، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة في أخذ قرار الحكم بنفسه، أي تحمل مسؤوليته. وهذا الإشراك مهم جدا، لأنه يُساهم بيداغوجيا في فهم ووعي أسسنا الثقافية وأساليب تواصلنا، لأنها تتضمن الكثير من العقبات الموضوعية، التي لا تسمح لنا بالتحليق فوق سمائنا الإجتماعية من أجل تغيير إيجابي لذواتنا ولعقليتنا الجماعية. إضافة إلى هذا، ليس هناك أي دفاع عن المرأة ولا عن الرجل ولا أي هجوم عليهما في القصص التي بين أيدينا، بقدر ما هناك موقف محايد أيضا، همه الأساسي هو التشخيص وليس “النضال” لصالح أحد الطرفين. وهذا الحياد ضروري، لأنه يعزز عملية التشخيص ويُقربها أكثر من الموضوعية.

عموما، فإن “هي وهو” هي قصص لا يمكن للمرء أن يبدأ قرائتها ويتركها، بل إن لها مفعولا “سحريا”، ينزلق المرء من صفحة إلى أخرى بسلاسة، ملتهما مضامينها ومُستمتعا بإبداع جميل، يحي إلى حد ما الرغبة في القراءة وينمي الذوق، وما أحوجنا إلى مثل هذه الأعمال الأدبية، في زمن تقلص فيه الإهتمام بالقراءة كنشاط مهم للعقل والنفس.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here