د. حمد الرقعي: تعايش أم تطبيع لتحقيق مناعة القطيع

د. حمد الرقعي

في ظل الانتشار الواسع لمرض كوفيد، و عدم توفر لقاح يوفر الوقاية من المرض، و في ظل ما نتج عنه من أزمة اقتصادية خانقة تسود كل العالم. حاولت كل الحكومات معالجة مشاكلها الاقتصادية بشتى الطرق في سبيل الصمود أمام الركود، متأملة في زوال سريع لجائحة كوفيد-19 ليعاود الاقتصاد انتعاشه. لكن الفيروس ما يزال متشبثاً يرفض المغادرة رغم صبر العالم حكومات و شعوب. لكن الحكومات يبدو أن صبرها بدأ ينفذ، و ما عادت بقادرة على مداراة أزماتها الاقتصادية. لا أحد يستطيع القول بانتهاء الفيروس و لا أحد يستطيع القول بعدم خطورته، فكورونا يبدو أنه أقفل كل المخارج و قتل كل الحجج. لذلك بدأ التلميح ثم التصريح بضرورة التعايش مع الفيروس، حيث تعمد بعض الدول إلى نشر هذه الفكرة آمله أن تتحقق المناعة المجتمعية المعروفة بمناعة القطيع.

و ليس أدل على نجاح الحكومات في الترويج لها، من عدم حاجتنا للتعريف بمناعة القطيع هنا فجُل الناس اليوم تعرفها.

لكن هل مناعة القطيع هي الخيار الأنسب؟ نعم هي الخيار الأنسب لحل مشكلات الحكومات الاقتصادية، لكنها أسوأ الخيارات من الناحية الصحية. فمناعة القطيع أمر لا يمكن الاعتماد أو حتى التعويل عليه مع فيروس كورونا. لعدة أسباب نذكر منها:

  • أن محاولة توليد مناعة مجتمعية سيؤدي بلا شك إلى إصابة أعداد كبيرة في وقت قصير مما قد يسبب ضغطاً على المؤسسات الصحية مما يتسبب في انهيارها. صحيح أن ثلثي الإصابات لن يحتاج للإيواء لكن 14% سيحتاجونها و 5% سيحتاجون دخول العناية المركزة و يحتاجون لأجهزة داعمة للتنفس، و الكثير من المؤسسات الطبية لن تستطيع استيعاب هذه الأعداد من المرضى مما يسبب انهيارها. فدولة عدد سكانها 10 مليون ستحتاج ما لا يقل عن 10000 سرير و مالا يقل عن 2000 سرير عناية فائقة.

  • لا يمكن الوصول لمناعة القطيع إلا بعد تحقق إصابة 60 – 70 % من المجتمع و هذا لا يتحقق دون عدد كبير من الوفيات.

  • زيادة عدد المصابين سيؤدي لفقدان الكثير من العناصر الطبية المدربة سواء بالمرض أو العزل أو الوفاة، و يؤدي كذلك لنقص معدات الوقاية مما يزيد من فرص إصابة العناصر الطبية.

  • حتى الآن لا يستطيع أحد الجزم لكم ستدوم المناعة التي يكتسبها الجسم بعد الإصابة بالمرض، فقد تكون مدة قصيرة لا تتجاوز الأشهر، تزول بعد ذلك المناعة و يصبح الشخص عرضة للإصابة من جديد في حال تعرضه للفيروس.

  • تطبيق استراتيجية مناعة القطيع يستلزم عزل بعض الفئات ككبار السن و المصابين بأمراض الصدر و الأمراض المزمنة، الأمر الذي لا يتأتى عند أغلب المجتمعات.

إن مناعة القطيع التي توفر وقاية لجميع أفراد المجتمع لا يمكن أن تتحقق بشكل فعال إلا من خلال وجود لقاح فعال، بواسطته نستطيع الوصول لمناعة القطيع دون التعرض لما سبق عرضه من هِنات. و لحين توفر هذا اللقاح يظل اتباع سُبل الوقاية خير سبيل لوقاية المجتمع و حماية المؤسسات الصحية لتستمر في تقديم خدماتها.

بعض الدول لن تستطيع اقتصاداتها الصمود طويلاً، نتيجة توقف عجلة الصناعة و الاقتصاد، مما قد يضطرها للجوء لخطوات فيها الكثير من المغامرة. لن يكون هذا مستغرباً أمام ضغط أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الحرف. لكن الغريب سيكون أن نجد دول ذات اقتصاد ريعي كأغلب دولنا العربية تسلك ذات الأسلوب دون دراسة لهناته و عواقبه.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. إنه أمر محير حقا
    هل من الممكن استئصال فيروس كوفيد 19 من الوجود تماما ؟ وإن لم يكن ذلك ممكناً بالوسائل البشرية فهل سيختفي فيروس Covid19 من تلقاء نفسه مثل الفيروسات الأخرى التي أصابت البشرية على مدى قرون عديدة ؟ نحن لا نسمع عن فيروس إنفلونزا الطيور أو فيروس النيل وغيرهم فأين ذهبوا ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here