د. حفظي حافظ اشتيه: موسم الهجرة إلى الشمال والطيب صالح

د. حفظي حافظ اشتيه

من وحي عنوان هذه الرواية العظيمة للأديب السوداني المرموق “الطيب صالح” نستحضر واقعنا العربيّ المؤلم الذي يجعل الكثير من أهله توّاقين نحو الهجرة إلى أيّة بقعة في هذا العالم، تتلقف أفواجاً منهم أمواجُ البحار، ويعيش من يسلم منهم أسير ذكريات الأوطان التي تضيع من أيدينا واحداً إثر آخر.

ولأن الشجن يبعث الشجن ،تلمع في الذهن صورة الشنفرى المأساوية،وهو شاعر عربي جاهلي، يملأ جوانحه الشعور بالعزّة ،وإباء الضيم ،عاش بين بني قومه حيناً من الدهر،لا يعجبه حالهم ،وأعياه التكيّف معهم.

وعندما ساموه الخسف، وأرادوا به الذل ،واشتدّ به العناء من ظلمهم وتهميشهم، واختلّت أمام ناظريه موازين عدالتهم ومقاييسهم، وسيطر على نفسه اليأس والإحباط من تقويم عِوجهم ،وتعديل مَيْلهم، وتشظّت روحه بين واقع أليم، يرفضه ولا يملك تغييره، وبين صورة مثالية ينشدها ولا يجدها، أخذ قراراً مصيريّاً ،فثار ثورة عارمة على مرارة هذا الواقع ، فهجر قومه غير آسف، ونأى عن دياره غير نادم ،واستبدل بهما وحشة الصحراء، وجيرة وحوش الفلا، وصرخ صرخات مدوّية،تراسلت على هيئة أبيات شعرية هي “لامية العرب”،و تُعدّ بحقّ من أصدق وأرقى القصائد الشعرية العربية فنّاً وموضوعاً، ومنها:

أقيموا بني أُمّي صدورَ مطيكم           فإني إلى قوم سواكم لأَمْيَل

فقد حُمّت الحاجات والليل مقمرٌ          وشُدّت لطيّاتٍ مطايا وأرْحُل

 ولي دونكم أهلون سِيدٌ عَمَلّس         وأرقطُ زُهلول وعَرفاء جَيْأل  ” يعني: الذئب والضبع″

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى     وفيها لمن خاف القِلى مُتعزَّل….

وجد الشنفرى حلّا لمشكلته ،فانسلّ من عباءة قومه الظالمة، وهام على وجهه في الصحراء المترامية الأمداء، يجد الأنس في معايشة  الوحوش الضواري، والطيور الجوارح ، بعيداً عن الضيم في جوار بني أمّه من البشر.

ولعلّ ما يشعر به كثير من أبناء هذا الوطن هذه الايام شبيهٌ بما عانى منه هذا الشاعر ،لكنّه كان أوفر منهم حظّاً ؛ لأنه وجد صحراء عربية يلقي بنفسه فيها ،فبقي على أرض عربية، تحت سماء عربية، يتنفس نسمات عربية ، وهذا عزيز المنال لمن ينشده في هذا الزمان .

لذلك ،اتجهت الأنظار في الأردن ،مثلاً، صوب تركيا ،التي يجد فيها طُلاب الهجرة شيئاً من عزاء،فهي ليست مَهاجر أجنبية، تفترس فيها الغُربة الروح والشخصية والهوية العربية، إنها ،على الأقل، معاقل إسلامية ، تتعالى فيها مآذن المساجد في السماء، وتملأ أصوات الأَذان آفاق الفضاء ،ويملأنا الشعور بالغبطة لعظمتها ، وإخلاص قادتها في إعلاء كلمتها ،وفرض هيبتها ، ونتمنى لها – مخلصين- المزيد من الرفعة والتقدّم والمنعة.

لكنّ السؤال الذي يعنينا هو : هل يجد المهاجر عن وطنه ،الهارب من أهله ، هل يجد الدّعة والطمأنينة والهدأة الروحية في مهجره الجديد ؟

يردّد الصدى صوت المتنبي قبل أكثر من ألف عام ، فنستعيد قوله :

مغاني الشِّعب طيباً في المغاني          بمنزلة الربيع  مــن الزمان

ولكنّ   الفتى   العربيّ   فيها             غريب الوجه واليد واللسان

لعلّ هذا هو الجواب ، ورُبّ إشارة أبلغ من عبارة.

لا أحد فينا يرغب أن يُقتلع أو يقلع نفسه من بيئته ، ومسقط رأسه ، ومهوى فؤاده ،ومدارج طفولته ، لكنّ المعاناة تشتد ، والامور تضيق ، والضيق المقصود ليس في الأرزاق فقط ، بل الأهم هو ضيق الاخلاق:

لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها         لكنّ أخلاق الرجال تضيق

المتاعب التي يعاني منها معظمنا هي متاعب نفسية ،يثوّرها الاختلال في المنظومة القيمية ،والازدواجية في تنفيذ القانون ،وتراخي الحسّ بالمسؤولية لدى معظم الموظفين ، وتراجع الدقة والإخلاص في العمل، والتفاخر الزائد بكل ما هو زائف ، والتنافس المحموم على كل ما هو تافه ، والاحتماء المشوّه بالعشيرة ، وتوجيه الجهود نحو النفاق والاحتيال على القانون لقنص المصالح ، والأنانية الكاسرة في تحقيق المكاسب ، واصطناع العلاقات والولائم والمناسبات الكاذبة المداهنة لتسلّق المناصب …وغيرها وغيرها الكثير ، وكل واحدة منها لا تحتاج إلى توضيح ، بل تحتاج إلى تذكير وتأكيد بأنها لبنة في معمار صنعناه بأيدينا ، وأقمنا أركانه،وأعلينا بنيانه ، ثم تعالت أصواتنا في الشكوى منه ، فهو يجثم على صدورنا ، ويكاد يخنق بقايا أنفاسنا.

ليس الحلّ بالاستسلام والهروب، وترك الوطن ليرتع فيه المنحرفون.

الحلّ في الثبات على الحقّ ، ومقاومة الباطل، في التمسك بالصّحّ ومواجهة الخطأ ،في الدقة والتفاني في العمل وكشف الزيف والخلل ، في التصدّي للمسؤول المخطئ والبعد عن التزلف له والتقرّب منه .

وسنجد من يقول : أصبح من المحال تغيير هذا الواقع ، فقد استعصى الحلّ ، واتّسع الخرق على الراقع.

والجواب : إنّ ألف محاولة للعلاج داخل الوطن ، وإن فشلت، أرحم من محاولة واحدة فاشلة خارج الوطن؛ لأن فيها قتلَ الروح ، ونقطة النهاية.

ولي وطن آليت ألّا أبيعه               وألّا أرى غيري له الدهر مالكا.

وحبّب أوطان الرجال إليهمُ               مآرب قضّاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمُ               عهود الصبا فيها فحنّوا لذالكا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here