د. حسين سالم مرجين: ابن خلدون… ونقد عقل الحاكم العربي

husain-salem-marjin.jpg666

د. حسين سالم مرجين

لا يزال البحاث والمهتمين بالشأن العربي يُقلبوا النظريات والأفكار  في اتجاه البحث عن تشخيص، وفهم، وتفسير  ذلك التغيير الذي شهدته المنطقة العربية أواخر 2010م وبدايات 2011م، خصوصًا في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، والذي اطلق عليه البعض” ثورة الربيع العربي ” في حين يراه البعض مجرد حركات احتجاجية، كما يراه البعض الآخر  موجة من الحراك المجتمعي، حيث استطاع ذلك التغيير  إسقاط وتفكيك بنية النظم الحاكمة، كما خلق واقعاً جديداً على المستوى السياسي والاجتماعي، و تجاوز ذلك التغيير  كل ما هو قائم من تشكيلات نخبوية سواء أكانت اجتماعية، أم سياسية، وهكذا نجد أنفسنا اليوم في خضم جدل حول تشخيص، وفهم، وتفسير ذلك التغيير، خاصة في ظل كثافة تلك التحولات التي شهدتها منطقتنا، فمع وجود جملة من النظريات والأفكار الجاهزة المصنوعة في الغرب التي استوردناها  واستخدمناها في كثير من الأحيان دون تروٍ لتحديد وتفسير تلك التغييرات، وفي ظل هذا الانقسام بدأت بعض أصوات الباحثين تعلو وترنو للعودة إلى السيرورة الخلدونية، ولعل من هذه الأصوات ما تناولته مقالة الدكتور قادة جليد عن ابن خلدون التي تم نشرها في صحيفة رأي اليوم، حيث بدأ يُقلب أفكار ومقولات ابن خلدون، كونها الأقرب لتشخيص، وفهم،  وتفسير ما حصل في المنطقة العربية.

وفي الحقيقة لا أُخفي إعجابي بواقعية ابن خلدون وتحليله العلمي المبني على الاختبار والتجريب، وقدرته على استنباط العلاقات في ذلك التحليل، حيث درس ابن خلدون الجماعات والقبائل في المجتمع العربي الإسلامي بغية توضيح آليات عملها ومعرفة طبيعتها الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية والتغيرات الحاصلة فيها وتبيان أسبابها، ونتائجها وقوانينها، فطرح جملة من الاجتهادات، أهمها تلك المحصلة ترى أن أساس السلطة، والحكم في المجتمعات العربية مبنية على مفهوم العصبية، التي تعني الرابطة التي تجمع بين أفراد القبيلة مع بعضهم البعض ، وهو ما يسمي بالاتحاد الآلي، ووحدة الإرادة، واجتماع الشمل، وإذا ما أخذنا أفكار ومقولات ابن خلدون في تشخيص وفهم وتفسير التغيير الحاصل في المجتمعات العربية فإننا ربما نخاطر بالابتسار الذي يحدثه أي اختصار ونقول بأن تلك الأفكار والمقولات لا تزال هي الأقرب في فهم وتفسير ذلك لتغيير، فالعصبية لا تزال تشكل أساس أنظمة الحكم في المجتمعات العربية – غير أن مفهوم العصبية الحالي لم يعد يقتصر على مفهوم العصبية القبلية القديم، أنما اتسع ليشمل جملة من العصبيات المتنوعة، فهناك مثلا : العصبية الثقافية، والعصبية العسكرية، والعصبية الاقتصادية، والعصبية السياسية….إلخ.

وهذه العصبيات الجديدة تعني أيضًا الرابطة التي تجمع ما بين أفراد الفئة أو المهنة الواحدة، سواء كانوا عسكر أم سياسيين أم غير ذلك، بالتالي فأن المجتمعات العربية لا تزال تربطها تلك الرابطة القديمة – الجديدة ” حيث تتمركز السلطة فيها بأحد العصبيات الجديدة المتنوعة، فعلي سبيل المثال تمكن العسكر من الوصول إلى السلطة من خلال العصبية العسكرية في عدد من بلدان ذلك التغيير ، كما استطاعت “الرئاسة العسكرية” تركيز نفسها من خلال التغلب، بالقهر، والحكم وليس من خلال العصبية كرابطة أساسية في وصولها إلى السلطة، وخلال عملية الانتقال من العصبية العسكرية إلى السلطة أو الحكم ، فقدت تلك العصبية أهميتها ووظيفتها الاجتماعية والسياسية، وذلك بسبب سيطرة القانون وسيطرة المصالح ” أدوات السلطة الجديدة“، كما أن تطور المجتمع وانتقاله من الحالة العصبية العسكرية إلى حالة الحكم، والسيطرة على الدولة طغي على المجتمع حالات من الصراعات، وعدم الاستقرار، حيث سعت بعض العصبيات الأخرى الوصول إلى السلطة والاستيلاء على الدولة، فكانت هناك الانقلابات العسكرية، واحتجاجات،..إلخ.

 كما أنه وفقًا للسيرورة الخلدونية، فانه لا يوجد في عقل الحاكم العربي فاصل بين الدولة، ومن يقود تلك الدولة، أي” النظام السياسي”، فكلاهما واحد، فالرئيس الليبي مثلاً:  اعاد مقولة لويس الرابع عشر “أنا الدولة والدولة أنا ” ولكن بمنطق آخر وهو التأكيد على كونه  يُمثل “رب هذه العائلة” أي “الدولة و السلطة”، حتى أنه انتشرت في تلك الاثناء بعض الأغاني التي تؤكد على كون الشعب عبارة عن “عيلة” والحاكم أو الرئيس هو “ابوها”، بالتالي يمكن القول بأن “العصبية” لا تزال هي الأعلى مرتبة لدى عقل الحاكم العربي، وهي المكونة للسلطة والدولة ومؤسساتها، ومن ثم استخدمت تلك الأنظمة الحاكمة القوة المفرطة لحماية “السلطة والدولة”، وذلك بغية استمرارها في الحكم، وليس للمحافظة على مؤسسات الدولة، كما كانت تدعي، كما سعت الأنظمة الحاكمة إلى توريث السلطة أو الدولة – “فكلاهما واحد في عقلية الحاكم العربي” – لأحد أبنائها – ” لكونها غنيمة، وقابلة للانتقال، فشرعيتها كأنظمة حاكمة أعلى من شرعية الدولة، بل أن شرعية الدولة قائمة على شرعية تلك الأنظمة الحاكمة، ففي ليبيا مثلا : وصل الأمر ذروته عندما وقف رأس الحكم أو الدولة – فكلاهما واحد – ليقول ” أنا أو الفوضى”، أو  ” أنا أو الحرب الأهلية، وإذا أمعنا التدبر في ملامح تلك المقولة فسوف تتكشف لنا سريعًا مستوي اخفاق عقل الحاكم العربي في بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن الوعي العصبي، فطبيعة وتركيبة السلطة أو الدولة – كلاهما واحد- في المجتمعات العربية لا تزال تحركها العصبية، بالتالي فعندما  استطاع ذلك التغيير إسقاط وتفكيك بنية النظم الحاكمة فأن ذلك كان يعنى بالضرورة انهيار وسقوط مؤسسات الدولة برمتها، لان كلاهما واحد، فتحولت المجتمعات العربية التي طالها التغيير إلى نماذج من الحروب الأهلية، أو الدول الفاشلة، كما ينطلق ابن خلدون من فكرة أخرى وهي أن لكل دولة عمر محددة، فإذا وصلت الدولة إلى مرحلة الهرم فإنها لا محالة سوف تنهار، وشبه حالة الهرم هذه بمثل الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها، وحتى وإن قامت الدولة بجملة من عمليات الإصلاح من خلال تنبه رجالات الدولة الى ذلك الهرم، فإن ذلك لا ينفع مع تلك الحالة المرضية المزمنة، وأهم أمراض شيخوخة الدولة هي : انتشار الفقر، والبطالة، وتفشى الفساد، والمحسوبية، إضافة إلى انتشار الظلم فهو  “مؤذن بخراب العمران”، كما أنه مع وصول الدولة إلى مرحلة الهرم تبدأ الدعوات للخروج عليها بعدما استفحل الترف والنعيم إلى غايته لدى الحاكم- الرئيس – وحاشيته، إضافة إلى انفراد الحاكم – رئيس – الدولة بالمجد، وقطع أسباب المشاركة في الحكم، في الحقيقة أن مقولات وأفكار ابن خلدون تحتاج منا إلى وقفة للتدبر في هذه المرحلة النقدية، بغية أن نبدع في تحديد التساؤلات الحقيقية التي تواجهنا، والتي تهدد حاضرنا وتعيق تطورنا في المستقبل ونخاف من نبشها، وتعريتها.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here