د. حسين البناء: كردستان وسوء تقدير الموقف الاستراتيجي

husain bana.jpg44

د. حسين البناء

بداية، ومن منطلق الإنصاف، لا مناص من الإقرار بأن اتفاقية (سايكس-بيكو) والتي قاسمت الشرق العربي ما بين النفوذ البريطاني و الفرنسي، قد تجاهلت بقصد و سابق تعمد المطالب في دولة مستقلة تلبي ذلك التمايز الثقافي و الاجتماعي للقومية الكردية الممتدة على أطراف أربع دول رئيسية في المنطقة، تركيا وإيران و سوريا و العراق، هذا التجاهل ناتج عن فهم لتركيبة الدول حديثة التشكل و صعوبة تحقيق التوازن للتحالفات في ظل قبول دولة مثل كردستان آنذاك، ولعلها فرصة انجليزية مثالية لزرع بؤر صراع مستدام في المنطقة.

الأمة الكردية هي جزء وامتداد  لتاريخ وحضارات الشرق العربي، ديانة و لغة و ثقافة، وفي ظل الخلافة الإسلامية الجامعة لكل مكونات الأمة وثقافاتها الفرعية، كان الكرد رجال حرب و بؤس في المشرق كما كان البربر في المغرب كذلك، وكفى بصلاح الدين الأيوبي نموذجا لذلك الدور و الاندماج الحضاري.

يستطيع المرء تفهم تلك الخصوصية والتمايز القومي والثقافي للأمة الكردية، والرغبة العميقة في جمع شتات الكرد في دولة واحدة لهم، و يمكن لنا أحيانا استيعاب مفهوم حق تقرير المصير،  حيث أن الجماعة الإنسانية تملك حق الاختيار و الانتماء و الانفصال والاستقلال، بما أن أهم سمات الدولة تتجلى في الرغبة بالعيش المشترك. لكن، وفي ذات الوقت، يقف المرء حائرا في تقبل مزيد من بلقنة المنطقة و تشظيها، وكيف لصاحب قرار (كرئيس دولة) القبول بأن يرى دولته آخذة في الانقسام وقد أقسم على وحدة البلاد و سيادتها الوطنية!

زعماء الأكراد في العراق لم يحسنوا قراءة الأحداث و توازنات القوى في المنطقة، و قادهم التوهم لحالة (ما بعد د.ا.ع.ش) إلى أن هذه الأيام هي الأكثر ملاءمة لفرض الأمر الواقع، وربما غرر بهم ذلك الدفع الإسرائيلي، والدعم من بعض الدول العربية الطامحة لتحوير (مشروع كردستان) لحلقة إضعاف في مشروع (الهلال الشيعي)، أملا في أن يتمكن الكرد من كسر حلقة الاتصال البري و السكاني لنفوذ إيران، متجاهلين  تماما موقف تركيا الرئيسي في ذلك، و متناسين بأن رباعية (تركيا-إيران-سوريا-العراق) سوف تقف معا ضد أي تحرك كردي باتجاه الانفصال، لأنه من البديهي توقع تكرار تجربة الانفصال في دولة ثانية فور نجاحها في اية دولة من الرباعية، وهذا ما لا يقبله أحد.

الاستفتاء قد تم، وأكد على الرغبة الشعبية في الانفصال عن العراق، و قد تتجه الحكومة في كردستان العراق نحو إجراءات عملية لتطبيق ذلك. نحن هنا أمام أربعة سيناريوهات متنوعة: سيناريو الحصار القاتل، وسيناريو الحرب الرسمية، وسيناريو الحرب الأهلية لمواجهة انفصال كردستان العراق، وسيناريو الاحتواء.

السيناريو الأول: والأكثر ترجيحا هو قيام الرباعية (سوريا-إيران-تركيا-العراق) بغلق المجال الجوي و المنافذ البرية وبطبيعة الحال لا حدود بحرية مفتوحة لتغلق أصلا، أمام كردستان، مم يعني خنقا كاملا و موتا بطيئا للمدن الكردية، حيث يستحيل الاستيراد و التصدير و التسلح و الاتجار و النقل و العبور والإمداد بجميع أشكاله، وهذا ما لا يمكن العيش والاستمرار معه، وبالتالي قد تتطور الأحداث للسيناريو الثاني أو يستسلم الإقليم لشروط بغداد.

السيناريو الثاني: ويتمثل باشتعال حرب رسمية بين الكرد في كردستان العراق من جهة، و الجيش العراقي من جهة أخرى، و بمجرد مؤازرة باقي الأكراد لأهلهم في كردستان العراق فإن حربا شاملة نظامية سوف تشن على جميع المناطق الكردية معا من طرف الرباعية، وقد تكون هذه حربا استنزافية طويلة و مؤلمة، و قد تزداد دموية إذا ما استخدم الكرد (التفجيرات و العنف) في عمق المدن الداخلية لدول الرباعية. وهذا قد يقود للسيناريو الثالث.

السيناريو الثالث: أن تتجنب دول الرباعية المواجهة النظامية المباشرة، و توكيل ميليشيات شعبية بمواجهة الجماعات الكردية، مثل الحشد الشعبي و الصحوات العشائرية و حزب الله و غيرها من تنظيمات شبه رسمية، قد يكون هذا البديل الأكثر دموية في ظل تراخي القيم الأخلاقية و عدم احترام قواعد الاشتباك المتعارف عليها عسكريا وفي الحروب من طرف ميليشيات متفلتة.

السيناريو الرابع: الاحتواء، حيث يتم تقبل الانفصال كواقع، والسعي لتقليل آثار ذلك على بغداد، عبر مساعي إخراج كركوك من الإقليم، و التضييق على الحكومة الكردية، و محاولة ابتزاز الأكراد برفع كلفة الانفصال ما أمكن، والتأكيد على ضرورة التنسيق و الانسجام ما بين الكرد و الحكومة المركزية، و ستبقى لبغداد اليد الطولى في جميع شؤون كردستان بطبيعة التركيب و مقتضيات و حقائق الجغرافيا و السكان. ولعل هذا السيناريو هو الأكثر تفضيلا من الجميع.

المنطقة مقبلة على أزمة مستدامة، محورها كرد طامحون للانفصال، و رباعية رافضة له، والأيام القادمة كفيلة برسم الصورة الأكثر قربا من أحد تلك السيناريوهات الأربعة.

أكاديمي وكاتب

خبير سيناريوهات اقتصادية وسياسية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here