د. حسين البناء: الآثار الاقتصادية لوباء كورونا

 

د. حسين البناء

تعددت الآثار السلبية لتفشي جائحة كوفيد١٩ على معظم دول العالم التي وصلها والتي لم يصلها الوباء كذلك. كان التركيز بداية الأمر على الأثر المباشر و اللحظي على حياة و صحة الناس، ثم ما لبث أن امتد على الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية بموازاة كل ذلك.

اتسمت الفترة الأولى لانتشار الوباء بالضبابية حيث أمسكت الحكومة الصينية بأطراف الملف وكان من الصعب اختراق المعلومات الأولية للوباء وطبيعته وأثره؛ فهيكلية النظام السياسي و الاقتصادي في الصين منعت الأطراف الأخرى في العالم من بناء نماذج تنبؤية واستقرائية لماهية الوباء و آفاق التأثير على المناحي الحياتية، كون الصين تمتلك قدرات و موارد خاصة جعلتها قادرة على امتصاص كم هائل من التأثير المدمر للكارثة، هذا هو ما انكشف على حقيقته عندما تعرضت إيطاليا و إسبانيا و الولايات المتحدة وبريطانيا للوباء و تجلت آثارة بشكل متسارع و متسع لا يمكن استيعابه في بنية الهيكل السياسي و الاقتصادي لأوروبا و أميركا حيث الرأسمالية و الديمقراطية أخذت تتعاطى مع الكارثة بنمط مستجد (adhocracy) واعتباطي لم ينتفع من التجربة السابقة للصين كثيرا.

من المتوقع أن يستمر الأثر الاقتصادي الكارثي للوباء على مستوى الدولة و العالم كافة، وعلى المدى الزمني الآني و المستقبلي لبضع سنوات في أفضل تقدير. هذا الأثر يقع على عدة محاور كالآتي:-

١-قطاع النفط: انخفضت أسعار الخام بشدة كنتيجة لتراجع الطلب العالمي الذي سببه الإغلاف لمعظم المنشآت الاقتصادية في العالم، وهذا تفاقم مع انعدام تفاهمات منتجي النفط وخاصة روسيا و السعودية، ليصل بداية نيسان إلى 23$ للبرميل بشكل غير مسبوق.

٢-الرعاية الصحية: سرعة انتشار الفايروس واتساع نطاق العدوى أدى لوصول دولا مثل إسبانيا و إيطاليا و الولايات المتحدة و بريطانيا إلى الذروة بشكل متسارع، تزامن هذا مع انهيار القطاع الصحي ذي الطاقة الاستيعابية المحدودة، وبلغ أقصى سجل للوفيات ما يقارب 1400 حالة وفاة في اليوم في الولايات المتحدة حاليا. لم يعد هنالك قدرة على استقبال الحالات الحرجة ولا توفير أجهزة التنفس، مما فاقم معدل وفيات المرضى من كبار السن و المعتلين بشكل كارثي. فاتورة الخدمات الصحية ستبلع مستوى قياسي يعجز عن تحمله أي نظام تغطية حكومي أو خاص، فنحن أمام إفلاس واسع للقطاع الصحي وفرص التوظيف فيه.

٣-التجارة الخارجية: أغلقت معظم الحدود بين الدول بمجرد ظهور حالات مرضية وافدة، واقتصرت التبادلات التجارية على واردات أساسية و طبية في أحسن الحالات. حالة الشلل في قطاع النقل والتصدير ستجعل ملايين الناس يفقدون وظائفهم و سيعرض شركات الخدمات اللوجستية للإفلاس على المدى القصير. قطاع اقتصادي هام يتم تعطيله الآن لتبدو الموانيء و المطارات و المعابر البرية كمدن أشباح، وهذا بدوره سينعكس على اقتصادات الدول التصديرية بتراجع كبير في مؤشرات النمو.

٤-الطلب المحلي والعالمي: الطلب هو أهم محرك للعجلة الاقتصادية، وفي حالات الأزمات والحروب يتم ترشيد الطلب للحد الأدنى، ويتم توجيهه للضروريات فقط من السلع والخدمات كالمعقمات و الكمامات والقفازات وأجهزة التنفس و الدواء والمواد الغذائية. من المتوقع أن تسجل معظم دول العالم تراجعا يبلغ 25% في مستوى النمو للدخل القومي في هذا العام.

٥-قطاع الزراعة: الإغلاق الحكومي حد من حركة اليد العاملة الزراعية، و حد من حرية حركة آليات نقل المنتجات وشحنها، مضافا لذلك إغلاق أسواق الخضار والفواكه منعا للتجمهر والعدوى. كل ذلك أثر على المعروض السوقي، وبذات الوقت زاد الطلب على الغذاء، فكان ذلك نتيجته الارتفاع الملحوظ بأسعار المنتج الزراعي التي تجاوزت 50% أحيانا.

٦-قطاع السياحة: أحد أكثر القطاعات تأثرا بالوباء هو قطاع السياحة الذي تعطل عالميا بشكل كامل نظرا لوقف عمل المطارات و النقل العابر للحدود كإجراء لمنع وفود العدوى. إنه شهر بلا سياحة، وبالتالي تعطل هائل في حركة نقل الأفراد عبر العالم، الأمر الذي يهدد شركات الطيران و وكالات السياحة بالإفلاس وفقدان الوظائف في حالة استمر الإغلاق العالمي لأكثر من ثلاثة أشهر، وبالطبع هذا من أسباب تراجع الطلب على المشتقات النفطية.

٧-قطاع التعليم: تم غلق المدارس و الجامعات في غالب دول العالم التي وصلها الوباء، وتم اللجوء لتطبيقات التعلم والتعليم عن بعد، وهذا ما زاد الطلب على خدمات الاتصال والإنترنت، الأمر الذي أثر سلبا على الطاقة الاستيعابية و جودة خدمات الاتصال. سيكون قطاع التعليم آخر القطاعات تشغيلا بعد انحسار الوباء نظرا لطبيعة الكثافة البشرية و التجمهر الحاصل في الصفوف والقاعات التدريسية، ولكنه سيكون أحد أقل القطاعات خسارة نظرا لاستمرارية العمل بالحد الأدني عن بعد.

٨-الأسواق المالية: من المعلوم أن أكثر قطاع حساس للتقلبات والمخاطرة هو السوق المالي، وتكبدت بورصات العالم وخاصة في الولايات المتحدة خسائر بالترليونات كنتيجة للبيع الواسع والطلب الضعيف و حالة عدم اليقين وارتفاع المخاطر، تم وقف التداول لأكثر من مرة و في أكثر من بورصة لكبح الانهيارات في أسعار الأسهم. سوف تتولد طبقة جديدة تمتلك الثروة في العالم مباشرة بعد عودة الأمور لطبيعتها.

٩-البطالة والفقر: سيشهد عامنا هذا 2020 أعلى مستويات الفقر عالميا نظرا لتراجع المداخيل و الطلب والتوظيف، وسيعجز القطاع الخاص عن تقديم أي دور فاعل في أزمة الفقر والبطالة لمستوى عام كامل في أحسن تقدير لحين عودة النشاطات الاقتصادية أعمالها، أثناء ذلك ستتكبد حكومات العالم العبء الرئيس في الإنفاق على الفقراء وإدامة أنظمة دعم الحياة.

١٠- المال: سيتجه العالم للحد من استخدام النقد بشكله الورقي بحجة نقله للعدوى! وسيكون للذهب والعقار والأرض مكان الصدارة في حفظ القيمة للمال وتخزينه. الحكومات ستتمكن من السيطرة على التدفقات المالية والتهريب و الرشوة و التهرب الضريبي والفساد، ذلك بعد إخصاع المصارف و الحسابات لرقابة مباشرة، خاصة بعد اعتماد عملة رقمية عالمية، و تكثيف استخدام التبادلات المالية الإلكترونية على نطاق واسع.

الصين استطاعت الإفلات من تأثير الجائحة على بنيتها كدولة صناعية نظرا لدور القطاع العام و مركزية التخطيط و القرار، و خضوع الشركات لسطوة الحزب و الدولة القوية، وبسبب الإمكانات المالية و التقنية الهائلة التي مكنت بكين من محاصرة الوباء و كبح تفشيه مبكرا، وهذا لا يثبت ولا ينفي حقيقة الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الصيني في شهر آذار السابق والذي يعتقد بأنه سيتسبب بتراجع النمو 15% لهذا العام.

العالم لن يكون كما هو قبل كورونا؛ فالاستمرار بدعوة الليبرالية الجديدة الأمريكية والاعتماد على الشركات الخاصة بات من الماضي، وسيكون للحكومات دور اقتصادي متعاظم سيكون التركيز فيه أكثر على الاكتفاء الذاتي و خطاب القومية الشعبوي، والانغلاق، والاشتراكية الاقتصادية كنموذج أكثر إنسانية و استقرارا في عالم مادي هائج.

أكاديمي و كاتب – الأردن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here