د. حسن مخافي: الإعلام العربي الرسمي: فشل ذريع في تدبير الاختلاف

د. حسن مخافي

أغلب وسائل الإعلام العربية على اختلافها وتناقضاتها استهلت صياغة خبر الاعتداء الصهيوني الأخير على سوريا يوم 30 يونيو، بالعبارة التالية: ” شن الجيش الإسرائيلي هجوما صاروخيا على عدة مواقع تابعة لجيش النظام السوري…”.

لا يحتاج قارئ هذا الخبر الذي استنسخته وسائل الإعلام العربية المرئية والمسموعة والمقروءة إلى كبير عناء كي يفهم أن جيش “الدولة” في عرف هذا الإعلام هو الجيش الإسرائيلي، أما الجيش العربي السوري فليس سوى جيش “نظام”، وهو ما يستتبع في نهاية التحليل، القول بأن الجيش الصهيوني يدافع عن قضية لأنه جيش “دولة” و”بلد” في حين أن الجيش العربي السوري لا قضية له لأنه مجرد جيش “نظام”، ومن ثم فالأول يدافع عن “كيان” أما الثاني فيذود عن “أشخاص”..

هذا الزعم الملفوف بتلك العبارة السالفة بما يتركه من أثر على قارئ الخبر كاف لوحده كي يبين أن الإعلام العربي الرسمي الذي هو مرآة السياسة العربية يعيش فترة انقلبت فيها الموازين واختلطت المقاييس. فما كان إلى عهد قديم جيش الاحتلال وجيش الكيان الصهيوني، أصبح جيش إسرائيل، وما كان يسمى الجيش العربي السوري الذي خاض حرب 48 وحرب 67 وحرب 73 وحروب الاستنزاف التي لم تتوقف على مدى سبعين عاما دفاعا عن الوجود العربي، هذا الجيش أصبح مجرد جيش يحمي النظام ولا يحمي سوريا..

إنها صورة مغلوطة تلك التي تروج لها وسائل الإعلام العربية الممولة بالمال العام العربي، وهي صورة لا تكشف فقط عن عداء سافر للنظام السوري وهو أمر يمكن تفسيره وتبريره، ولكنها تفصح أيضا وأساسا عن عدم تمييز بين سوريا الأرض والإنسان وبين سوريا الاختيار السياسي الذي يمثله نظامها الحالي. وهذا بالذات هو ما يظهر إلى حد وصل استهتار الإعلام العربي الرسمي بالقيم العربية وبما بقي من روح التضامن العربي، كما ينم، وهذا أفدح وأنكى، عن نزعة التشفي التي باتت قيمة أساسية في تعامل العرب مع بعضهم.

لو وقعت هذه الهجمة الصهيونية على سوريا قبل عشرين عاما فقط لرأينا بأعيننا وسمعنا بآذاننا سيلا من بيانات التنديد والوعيد، تصدر من الجهات الأربع للوطن العربي، ولوقفنا على اجتماع استثنائي لجامعة الدول العربية ولدعا بعض العرب إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن… وقبل ذلك كله فإن مثل هذا الهجوم على سوريا كان كافيا ليخرج ملايين المتظاهرين إلى الشوارع تنديدا واستنكارا.

لم يحصل شيء من هذا اليوم، لأن التعامل مع هذا العدوان وأمثاله بات يخضع لتحليل ضيق، قصير المدى، لا يفرق بين التناقض الثانوي وبين التناقض الرئيسي. ذلك أن الإعلام العربي الرسمي لا يرى في سوريا سوى حليف لإيران التي احتلت في منطق السياسة العربية في الآونة الأخيرة مكان إسرائيل في سلم أولويات العداء.

 وبالمقابل أصبحت إسرائيل بين عشية وضحاها دولة محبة للسلام، وهي التي لم يزد طمعها في احتلال الأراضي العربية إلا شراهة ولم تزد شهيتها لقتل الشعب الفلسطيني والتنكيل به إلا اتساعا.

نحن إذن أمام تحول في القاموس السياسي العربي، فمن كان إلى الأمس القريب عدوا، في طريقه ليصبح صديقا ومن كان أخا وشقيقا أضحى شيئا فشيئا عدوا.

من هنا يبدو أن الإعلام العربي الرسمي يعكس ازمة حكم عنوانها الكبير: الانحطاط السياسي والأخلاقي. انحطاط سياسي جعل العقل السياسي العربي عاجزا عن التفكير إلى الحد الذي لم يعد معه يميز بين الصديق والعدو، وانحطاط أخلاقي لأن السياسي العربي لم يعد يحتكم إلى أية منظومة قيمية وأصبح حبيس رؤية ضيقة أقصى ما يمكن أن تحققه أن تحافظ  مؤقتاعلى مصالحه الذاتية التي تتناقض بالتأكيد مع مصلحة الإنسان العربي.

الإعلام العربي إذن صورة مصغرة للحاكم العربي المتخبط، الذي لا يعرف ماذا يريد، ويترك الآخرين يحددون له مساره المضاد حتما لما يطمح له الإنسان العربي.

ولكن ما يعزي النفس ويزرع الأمل في القلوب أن مواقع التواصل الاجتماعي خلقت نوعا من الإعلام المواطن يبرهن بما لا يدع مجالا للشك أن الإنسان العربي راح يبحث عن المعلومة بعيدا عن هذا الإعلام الرسمي الذي لم يعد يقنع حتى صانعيه، ولا أدل على ذلك من أنهم يتهافتون على الظهور في وسائل الإعلام الأجنبية بحثا عن مصداقية مفقودة.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الاعلام الرسمي العربي ميت منذ عقد ويزيد ولا يأخذ احد عاقل ما يقوله وينشره على محمل الجد.
    نشكر الانترنت على اتاحة الفرصة لمن لا صوت له لاسماع صوته.
    لدي برمجية على كافة اجهزتي تتيح لي الاستماع الى ما يزيد عن 33 الف محطة راديو حول العالم.
    لدي برمجية تتيح لي الدخول الى كافة المواقع الممنوعة من قبل الانظمة العربية وتصفحها زتنزيل ما يحلو لي منها.
    الاعلام الرسمي فاقد للمصداقية ويخسر اموال طائلة كان المفروض ان يتم توجيهها الى التنمية .
    لم اعد وعائلتي نستمع لنشرات اخبارية او قراءة صحف حكومية او خاصة محلية عربية منذ ما يزيد عن خمس سنوات الان .
    الالعام الرسمي العربي يلفظ انفاس ما بقي منه وبعد فترة وجيزة من تراكم الخسائر وقلة الحيلة والزبائن سيتم التخلص من جثته في اقرب مزبلة من مزابل التاريخ وهي كثيرة ومتوفرة .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here