د. حسان القبي: لقاء اليوم: ماكرون وبوتين

د. حسان القبي

رغم الملفات الإقليمية الشائكة والمتعددة تتوجه أنظار العالم اليوم إلى فرنسا التي تحتضن لقاء ماكرون مع نظيره الروسي بوتين في وقت جد حساس أيام فقط بعد لقاء جون بولتن مع رئيس حكومة بريطانيا الجديد وايام أيضا فقط قبل قمة منتظرة للسبع الكبار بفرنسا أيضا فماذا تحمل هاته القمة الفرنسية الروسية في ظل علاقة أمريكية فرنسية متوترة على العديد من الاصعدة الاقتصادية وحتى السياسية في تباين واضح بين باريس واشنطن خاصة في الملف الإيراني.

بعد تأكيد الكريملن لموعد الزيارة أكد ديمتري بيسكوف أن أبرز العناوين ستكون الملف الاوكراني، والذين كان سببا في استبعاد روسيا من مجموعة السبعة الكبار بعد ضمها لشبه جزيرة القرم إبان قمة سوتشي المنتظرة في ذلك الوقت واستبدالها بقمة بروكسل حيث وجهة الدول السبعة الكبار عقوبات اقتصادية على موسكو.

حيث سيسعى كلى الطرفين تواصل المفاوضات بصيغة النورموندي بين الأطراف المتداخلة (روسيا أوكرانيا فرنسا و ألمانيا)، من أجل تسوية أوروبية روسية قد تعيد المياه الي مجاريها بين روسيا والاتحاد الأوروبي. من جهته يصر الرئيس ماكرون الذي زار موسكو اكثر من مرة منذ توليه الرئاسة ان روسيا جزء من أروبا و شريك مهم في البناء الأوروبي و خاصة التبادل التجاري و الاقتصادي، دون أن ننسىى لقاءه مع مع كبار رجال الأعمال الروس على هامش المنتدى الاقتصادي في سان بطرسبورغ، ليعزز بذلك مركزه على الصعيد الداخلي و الخارجي كرجل أروبا القوي، دون أن ننسى أن الملف الأوروبي كان دوما من أولويات الرئيس الفرنسي منذ قدومه إلى قصر الايليزي في 2017.

                            ********************

كما سيتناول اللقاء سبل دعم المساعي الدبلوماسية في الملف الإيراني المتشعب خاصة مع  تناسق المواقف الاوروبية مع روسيا بخصوص العديد من القرارات الامريكية بشأن إيران و اصراركل من روسيا و فرنسا على المحافظة على ما تبقى من الاتفاق النووي الايراني،  رغم الخطوة الاستباقية التي اخذتها الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا الاسبوع الفارط بخصوص أزمة احتجاز الناقلة غريس 1، و بالرغم من الاعتراض الأمريكي في آخر الدقائق إلا أنه لدينا قناعة راسخة انه وقع التنسيق لذلك بين بولتن و  جينسون استباقا لتقدم دبلوماسي قد ينتج عن لقاء اليوم بين  ماكرون و بوتين.

ليونة الموقف الفرنسي قد تقلق الجانب الأمريكي الذي دعى الأطراف الأوربية لتشكيل قوة عسكرية مشتركة لحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز قوبلت بالرفض من فرنسا و ألمانيا و اصرار الجانب الأوروبي على الذهاب قدما في التشبث بالاتفاق النووي لما يحققه لهم من مكاسب سواء سياسية او حتى اقتصادية مع ما تعانيه القارة العجوز و خاصة فرنسا من صعوبات اقتصادية في ظل ازدهار أمريكي قد وصل لحدود 3 ٪ كنسبة تنمية و 58 ٪ من إجمالي سوق التسليح العالمي.

                       ***********************

اما الملف الثالث سيكون على اغلب الظن هو الملف السوري و خاصة مسألة  شمال الفورات و التوتر الحاصل بين قوات سوريا الديمقراطية من جهة و الجيش التركي من جهة أخرى و الذي يعتزم انشاء منطقة آمنة بعمق 40 كيلو في العمق السوري بتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت حذرت سابقا أنقرة من اي فعل عسكري ضد الأكراد إبان سحب الرئيس ترامب لقواته العسكرية من سورية كما وعد في حملته الانتخابية. بوتين الذي تمكن من إعادة روسيا كأول فاعل إقليمي في منطقة الشرق الأوسط من خلال البوابة السورية رغم التهديدات الاوروبية في ذلك الوقت قد لا يسمح لأي طرف مهما كان ان يهدم إنجازاته الاستراتيجيه التي كلفته الكثير سواء عسكريا او حتى دبلوماسيا و سيسعى لاقناع فرنسا بضرورة توحيد المواقف خاصة في مسألة محاربة الإرهاب و تنظيم الدولة و قد يقودهم هذا الملف إلى منطقة شمال افريقيا و بالتحديد ليبيا التي أصبحت الوجهة المفضلة لمنتسبي هذا التنظيم، هذا الملف سيكون كذلك محل توافق لما نلاحظه من تقارب في وجهات النظر الفرنسية الروسية فمنذ فترة تابعنا تصريحات بوتين الذي حذر من انتقال الجهاديين من إدلب السورية نحو درنة الليبية مما جعله يوفد وزير جارجيته سيرغي لافروف إلى شمال أفريقيا حيث زار كل من المغرب، الجزائر و تونس في جانفي الفارط من جهته يلقى ماكرون ضغوطات كبرى من حكومة الوفاق التي تتهمه بدعم المشير خليفة حفتر علما ان الرئيس الفرنسي كان قد صرح في غضون هاته السنه ان فرنسا لن تتسامح مستقبلا مع الإسلام السياسي مما يجعلها قد تلتقي مع الطرف الروسي في مسألة محاربة الإرهاب في شمال افريقيا.

                         *****************

التحديات الكبرى قد تبرز في قدرة الرئيس الفرنسي على إقناع نظيره الروسي بأهمية مشروعه الأوروبي الذي يمثل عمقا استراتيجيا لا من الناحية الاقتصادية فقد بل حتى العسكرية حيث يسعى ماكرون لتشكيل جيش اروبي قد يقوض تواجد حلف شمال الأطلسي و يقدم هدية مجانية لبوتين الذي عملا طويلا على إعادة روسيا لمكانتها الاعتبارية كقوة عضمي و فاعل أول بعد الحرب الباردة التي امتدت لسنوات و انتهت باختراق غربي لحلف وارسو سنة 1991، فروسيا التي تغاضت عن كل أعمال تركيا في الملف السوري كانت تمني نفسها بتقويض تركي لاصدقاءها الغربين الأعداء في نفس الوقت، فالوقت وحده الكفيل بتقديم الإجابة عن تساؤلنا الأول، اما السؤال الثاني فهل ينجح ماكرون في إيجاد حل يرضى الروس و الاروبيبن لمشكلة أوكرانيا على صيغة النورموندي و ذلك يحجز مقعدا ثامنا من جديد لروسيا في مجموعة الكبار لجمح النهم الاقتصادي  الأمريكي الذي بات يهدد الأصدقاء قبل الأعداء.

استاذ وباحث فى الاقتصاد السياسي بالجامعات الفرنسية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here