د. حبيب حسن اللولب: مخاض تأسيس دولة المواطنة في المنطقة العربية والمغاربية

 

 

د. حبيب حسن اللولب

ولدت الدولة في المنطقة العربية والمغاربية  ولادة قيصرية مشوهة عبر مخاض عسير بين المد والجزر وعاشت نضال وحراك وانتفاضات ، من أجل النهوض والالتحاق بركب الأمم المتقدمة ، والتمكن من التكنولوجيات والمعرفة ، وبالرغم من كل هذه  العوائق والعراقيل ، من قبل القوى الاستعمارية السابقة والجديدة ، التي كبلتها بالاتفاقيات مع الصندوق النقد والبنك الدولي وبمشاريع ، وجعلتها أسواق لترويج بضائعها ومنتجاتها وثقافتها ودفن نفايتها واستقطاب كفاءتها، ورهنت الاستقلال والثروات، والحاضر والمستقبل، وشجعت على الاستبداد والانقلابات ، وأسست الحركات المتطرفة الإرهابية، للمساومة والابتزاز، مثل داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، فهل آن الأوان لتأسيس دولة المواطنة بالبلدان العربية و المغاربية؟، وإذا كان ذلك ممكنا فماهى آلياتها وأدوات تجسيدها ؟ .

المواطنة في التعريف السوسيولوجي السياسي ،تعني العيش المشترك والشراكة ، وتتضمن معاني المساواة في الحقوق والواجبات ، والمشاركة السياسية وتحقيق تكافؤ الفرص وحرية التعبير وتحرير الإرادات في ضوء العقد الاجتماعي.فالمواطنة بهذا المفهوم لم تتاح للشعوب العربية والمغارية بسبب ما أسس فيها في مرحلة ما بعد الكلولونيالية من أنظمة ريعية وشمولية، واستبداد وديكتاتوريات الشرعية الثورية، تعتمد على مرافقة الدول الاستعمارية والتبعية لها والتحكم في نمطها التنموي، فحالت دون تحقيق أدنى شروط المواطنة والعيش بحرية وكرامة. هذه الأخيرة تعد عوامل وميكانزمات سيكولوجية وسوسيولوجية مشروطة للتقدم والنهوض العربي، إذ أن التجارب الإنسانية المتقدمة هي تجارب حول المواطنة قبل كل شيء، وهي التي تتيح فرص تحرير المبادرات والإبداع في جميع المجالات، وإذا كانت الشعوب العربية والنخب الفكرية بمختلف مشاربها الإيديولوجية تفطنت مبكرا إلى هذه الشروط  وحاولت عبر الإنتاج الفكري والثقافي وبعض الحركات الاحتجاجية النقابية أن تؤسس للتغيير، إلا أن استبداد الأنظمة الشمولية في المجتمعات العربية والمغاربية  حال دون تجسيد آمال تلك النخب ، فكانت المآلات أن انفجر طبقا لسنن التغيير الوضع العربي ربيعا . وما حادثة البوعزيزي والمتمثلة في حرق جسده إلا تعبيرا عن نقص المواطنة والعيش بحرية وكرامة، حدثا تاريخيا مفصليا أحدث موجة من الثورة العربية بسقف عالي من الوعي بالمشكلة والأزمة العربية وفشل الدولة الوطنية والقطرية ، وفي ذات الوقت تلك محاولة لتأسيس دولة المواطنة . وبالرغم من مشروعية هذه المحاولة الشعبية والتاريخية وسلميتها، إلا أن القوى الديكتاتورية المتحالفة مع النظام الاستعماري الناهب للثروات العربية المغاربية  حال دون تحقيق الأمل في التغيير، بالقمع الشديد والعسكرة وإنتاج الدواعش وافتعال الأحداث الإرهابية لتبرير الإسراف في القتل وإنتاج الثورات المضادة شبه شعبية، فأجهضت معظم أهداف الموجة الأولى في مهدها، وأعادت تكريس قيم الاستبداد واستبعاد شروط المواطنة والتحول الديمقراطي .

 إلا أن منطق التاريخ وحضور الوعي العربي وإصرار الشعوب على الحرية والديمقراطية مكسب لا يمكن التفريط فيه، جعل الأمل يبزغ من جديد في الثورة السلمية التي تشهدها كل من الجزائر والسودان، وهي ثورات بدون شك استفادت من الموجة الأولى للحراك العربي وتعمل على التصدي لألاعيب الدكتاتورية وتكرار المشاهد العنفية الإرهابية والتصدي للصوصية العالمية، وغلق أبواب ومنافذ التدخل الأجنبي ووضع الحراك كما لو انه مشكل داخلي اسري .. وقد توفرت لهذه الموجة الثانية  جملة من الشروط ،لنجاحها ولتحقيق مطالبها ،كتحييد القوى الاستعمارية، مثل فرنسا المنهمكة في مشاكلها الداخلية والمتمثلة في السترات الصفراء وعجرفة وغرور ونقص التجربة لرئيسها ايمانويل ماكرون ،وأمريكا بسبب شعوبية الرئيس دونالد ترامب وشعاره أمريكا أولا وهزيمته في أفغانستان ومشاكله مع كل من فنزويلا وإيران وغيرها من الدول، وبريطانيا بسبب تداعيات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وضعف حكومة رئيسة تريزا ماي، والغاز والنفط والذهب واضطرابات المنطقة العربية والمغاربية والإفريقية والإرهاب والهجرة السرية .

 وعلى الرغم مما شاب المرحلة الأولى من انحرافات ومآسي وعسكرة الانتفاضات، واندلاع الحروب الأهلية والطائفية في بعض الدول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، وأجهضت وحرفت عن سلميتها ومطالبها المتمثلة في الحرية والعدالة والكرامة والتشغيل، واخترقت من قبل المتطرفين والمافيا والدولة العميقة، والقوى الاستعمارية والامبريالية، والتي اعتبرت الديمقراطية وحق تقرير مصير الشعوب، خط أحمر لا يسمح به للدول العربية والمغاربية . فإنه وبحسب التجربة التاريخية لنهضة الشعوب ، وبالنظر الى التقدم الذي أحرزته حركة تاريخ الوعي العربي .. فان ميلاد المرحلة الثانية قد لا تطول ومبرراتها تتشكل مع تجربتي الجزائر والسودان  باعتبارهما مرحلة البناء والتأسيس لوضع وفضاء سياسي ديمقراطي لا يكتفي بحضور الشروط المتوفرة للحراك الجزائري والسوداني، وأن شروط نجاح هذه الموجة الجديدة لتغيير النظام الاستبدادي العربي يحتاج شروطا داخلية .

  وبالرغم من كل ذلك، يبقى الأمل والإرادة  والنضال السلمي، المتأصل والمشبع بالوطنية  التوأم لهوية هذه المجتمعات ،كفيل لأن تعيش المنطقة حلما جديدا وعودة الروح من جديد إلى الشعوب العربية والمغاربية بعد النكوص والهزيمة والتخلف على كافة المستويات .

 وشهدت المنطقة ميلاد المرحلة والموجة الثانية من التغيير ، مرحلة البناء والتأسيس، وعلى الرغم ما شاب المرحلة الأولى ،من انحرافات ومآسي وعسكرة الانتفاضات، واندلاع الحروب الأهلية والطائفية في بعض الدول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، وأجهضت وحرفت عن سلميتها ومطالبها المتمثلة في الحرية والعدالة والكرامة والتشغيل، واخترقت من قبل المتطرفين والمافيا والدولة العميقة، والقوى الاستعمارية والامبريالية، واعتبرت الديمقراطية وحق تقرير المصير الشعوب، خط احمر لا يسمح به للدول العربية والمغاربية ونجاح  المرحلة الجديدة يحتاج إلى :

1 ـ النفس الطويل .

2 ـ نشر ثقافة جديدة .

3 ـ تشبيك العلاقات .

4 ـ التشجيع وإطلاق المبادرات في العمل والمعرفة والبحث العلمي .

5 ـ الوحدة ونبذ الانقسام.

    وفي هذا الإطار يتجدد في كل الفترات طرح السؤال التالي في المنطقة ، لماذا تقدمت الشعوب والدول الأوروبية والاسكندينافية واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول ؟، بالرغم من شح الثروات، وبقيت الشعوب العربية والمغاربية والإفريقية تعيش الذل والهوان  والتخلف والتقهقر والنكوص والهزيمة على كافة المستويات بالرغم من توفر الثروات الباطنية والمنجمية ، والنهوض يتطلب خطة عمل وإستراتجية وخريطة طريق ،واستشراف لتشخيص الواقع واقتراح الحلول .

   تتجسد وتنجز عبر عدة مفاهيم وآليات، وتتمثل  في تغيير الذهنية ،وتأصيل وتمكين للمبادئ التالية ،تبني الديمقراطية التشاركية التوافقية، كإلية للوصول إلى السلطة عبر صندوق الانتخاب، وحقوق الإنسان كخيار، والحوار والتعايش والتوافق، شعارها الوطن للجميع والدين لله ،والحوكمة الرشيدة، واحترام الدستور وإرادة الشعوب ،كل هذه الخيارات وغيرها ، تأسس للنظام  جديد، ولدولة المواطنة المنشودة ، واستمرارية الدولة ونجاحها ،يتطلب أيضا محاربة الآفات التالية، الاستبداد والفساد والنعرات الجهوية واثنيه والدينية والإرهاب والتطرف بكافة إشكاله.                   وتتطلب كذلك، التعاون والشركات، وتخصص للمراكز البحثية وإسناد لها موارد مالية كبيرة ،وإصلاح التعليم بمختلف مستوياته، وتفتح على التجارب الناجحة والرائدة ، وتوعية وتحسيس القطاع الخاص بالقيام بدوره ووجباته ،في تسديد الضرائب ومساعدة الدولة على النهوض، وإدراج وتخصيص نسبة معينة من الميزانيته، لفائدة تطوير البحث العلمي والنهوض بالتعليم بكافة مستوياته  .

    والتشجيع والتحفيز على تأسيس وإحداث نظام Fondation الوقف ،لصالح البحث العلمي والتعليم والعمل الاجتماعي، والاعتزاز بالانتماء الحضاري للأمة العربية الإسلامية ،وخلق جيل معتدل متجذر في هويته ومتفتح  ومتسامح على الأخر، وجعل اللغة العربية لغة علم  ومعرفة وتكنولوجيا ،والتفتح على اللغات الأخرى، والاستثمار في العلم والمعرفة يتطلب من الحكومات الزيادة في الميزانيات المرصودة للتعليم والبحث العلمي، وخلق منصات ،ودرس وتقيم التجارب الإنسانية والمتمثلة في الأنظمة السياسية ،الرأسمالية الليبرالية والاشتراكية وغيرها ،والاستفادة منها وتعديلها وتكيفها، حسب العادات والتقاليد والعرف والبيئة وعدم إسقاطها بحذافيرها ، تشجيع الأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية على القيام بمرجعات مستمرة، وتكييف توجهاتها مع الوضع الدولي والإقليمي، ومصالحتها مع تراثها ،وإبرام عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الشعب والحكومة والتأسيس لمرحلة السلم الاجتماعي .

    وحان الوقت  لتقييم المرحلة السابقة، ومراجعة كل القضايا التي ساهمت في التخلف وارتهان القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي وخاصة قضية الديون المتراكمة والمطالبة بتحويلها إلى مشاريع للتنمية ،واتفاقيات الاستقلال التي أبرمت في ظل التكافل مع المستعمر القديم والجديد ،ونشر ملاحقها السرية، وقد رهنت ونهبت الثروات الباطنية والمنجمية ،وشجعت الاستبداد والانقلابات والفساد وصادرت الخيار الديمقراطي، والدعوة  والمطالبة بتعديلها وتنقيحها ،والاستفادة من مداخليها المالية، لحل معضلة الفقر والبطالة والجهل، وهجرة الشاب السرية والكفاءات.

 ولابد من تنويع الخيارات الاقتصادية ،بالاستفادة من الطاقات المتجددة النظيفة والاقتصاد التضامني بإحداث التشاركيات ومناصب عمل ، وإصلاح المنظمات الإقليمية التي فقدت دورها وتأثيرها وبقيت متكلسة وجامدة وإحيائها ببث دماء جديدة  وإصلاحات ، مثل الجامعة العربية -بيت العرب- والاتحاد المغرب العربي ،بالاعتماد النظام الديمقراطي وتدوير منصب الأمين العام ،ويبقى الأمل في البزوغ من الجديد وإحداث التغير والالتحاق بركب الدول المتقدمة ،باسترداد دولة المواطنة المنشودة  ،وتثبيت حقوق الإنسان والخيار الديمقراطي  والحوكمة الرشيدة ومحاربة الفساد ،عبر التوعية من خلال وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة ،ووسائل التواصل الاجتماعي والبرامج التعليمية .

رئيس جمعية  البحوث والدراسات من اجل اتحاد المغاربي

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. مقال جدير بالوقوف عند ضفافه الابستمولوجية للاستمتاع بنسماته الفكرية وما ترسله من اشكالات افرزها الوعي المغاربي والعربي المعاصر تعبيرا عن التحديات التي اضحت تهدد كيان وهوية هذه المجتمعات قصد عولمتها لرسم خريطة ثقافية عالمية تزول فيها خصوصيات تلك الشعوب……

  2. مقال راهني بالمشكلات التي يطرحها ،والتي تستحق وقفة تامل من طرف النخب العربية والمغاربية لكونها تعانق امال ومستقبل هذه الشعوب في ظل تحديات الالفية الثالثة .

  3. لك كل التقدير د. لقد تحدثت ولم تبقي في الموضوع جانبا الا صلط عليه الضوء وان سمحت لي بجزئية بسيطة وهي ان مفتاح النهضة السليمة في يد رجالات التربية والتعليم ومفتاح نجاح التربية والتعليم في حدود ما اعرف في أعداد القيادة التعليمية المختصة التى تستثمر كل امكانيات المنظومة التعليمة دون هدر في الوقت او الجهد او المال لك التحية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here