د. جمال الهاشمي: اليمن بين ثقافة المدارة وإدارة السلطة”الثقافة الصراعية”

 د. جمال الهاشمي

الإدارة هي استراتيجية منضبطة بقوانين تشريعية أو دستورية لتحقيق مصلحة ما.. من وظائفها تنظيم التداخل بين الحقوق والواجبات؛ وتفسر طبيعة العلاقة بين الشعب والسلطة وقد تكون اقتصادية تفسر العلاقة التنموية بين العلم والثروة، أو تعليمية تنظم العلاقة الوظيفية بين نظام الدولة والفكرة، وتتكامل فيها عناصر التخطيط والتنظيم والرقابة.

ويقابل عقلية الإدارة والتخطيط، عقلية المدارة والتحنيط.

فالمدارة هي آلية فوضوية سلطوية تمارسها السلطات الأوليجاركية في إدارتها للدولة وهي أحد معامل إنتاج الثقافة الصراعية في أسمالها القبلية أو أشكالها الحزبية وحتى في مؤسساتها التعليمية.. أي ثقافة عسكرة المجتمعات.

وتتسم اليمن بهذه الثقافة منذ التاريخ القديم «نحن أولو قوة وأولو بأس شديد” وهي سمة من سمات الثقافة اليهودية كما هو في إشارات قرآنية ” بأسهم بينهم شديد” وهو ما يعني أن طبيعة المجتمع الأول أنثوية لأن الرجل عادة ما يتفاخر أمام المرأة بقوته البدنية، في حين برزت ثقافة المرأة (بلقيس) في الشورى لتؤكد على العقلانية وأهمية التخطيط في إدارة السلطة، وثقافة المداراة بإرسال الهدية.

بنفس العقلية تعامل النبي سليمان في خطابه مع الموقف وقابل عقلية «أولوا قوة” بعقلية “لا قبل لهم بها” وقابل إمداد الهدية باستعراض القوة العسكرية، وقابل عبودية الشمس والنجوم بعبودية التوحيد؛ في الأولى عبودية الإنسان للظواهر الطبيعية وعبودية جنس الإنسان للإنسان إلى حرية الارتباط بعبودية خالق الإنسان.

بدأت الثقافة الصراعية اليهودية بصبغتها العسكرية داخل اليمن في القرن الثالث قبل الميلاد مع الملك ذو نواس ليس كعقيدة إيمانية وإنما كعقيدة سياسية لمواجهة النفوذ الروماني، وهي الطريقة التي استخدمها علي صالح في سياسته عندما سمح بنشر المذهب الجعفري الفارسي بعقلية يمنية لمواجهة نفوذ الإخوان خلال لقاءه بطلاب البعثات الطلابية من وزارة التعليم العالي إلى حوزات قم بأموال خليجية من أبناء صنعاء، وكذلك سياسته في استقطاب المعلمين العراقيين منذ 2001 لمواجهة استغلال الدين بالأحزاب الإسلامية ونقلهم إلى المناطق الريفية لتأميم جهل التدين واستغلالهم كقوة محاربة لمواجهة النفوذ الحزبي القومي المحارب للدين الإسلامي المنحرف عنه ولهذا أسس تنظيم الشباب المؤمن ودعم الحوثية لمواجهة السلفية في صعدة، أو الوهابية في اعتقاده مع أن السلفية كانت مع طاعة ولي الأمر والصبر عليه إلا أنها في جانب آخر لا تحبذ السياسة وفقاً للقاعدة التي وضعها المؤسس العام للسلفية الحديثة “مقبل الوادعي” من السياسة ترك السياسة، وهو من قبائل همدان المشهورة وأكثر العلماء دراية بأبعاد المذهب الزيدي.

ينقم الرئيس علي صالح من السلفية إلى كونها لم تندمج في مؤسسات الدولة ومجلس الافتاء ولم تتقارب مع السلطة السياسية لمواجهة الخصوم ورفض الشيخ مقبل الوادعي مناصب الافتاء بقوله “إن كراسيكم لا تساوي عندنا بعرة البعير” كما أن السلفية محل نقد الزوايا الصوفية ومحل تشهير فرع إخوان اليمن.

وعوداً إلى التاريخ بعد هذه المقاربة الجزئية للواقع  وبعد فترة من الانقطاع السلطوي عن الثقافة اليهودية والذي ترتب عليها عبودية الظواهر الطبيعية كما أشار القرآن “وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دين الله” عادت الثقافة اليهودية مع سليمان من جديد واستمرت إلى أن دخلت الحبشة بثقافة رومانية مستغلة التدين المسيحي في نجران لتوسيع نفوذها السياسي ولمواجهة النفوذ الفارسي في اليمن ولذلك لم تنتشر المسيحية في اليمن لغلبة طابع الفلسفة والإلحاد الوثني وتعدد الآلهة وهو ما يتنافى مع الطبيعة البسيطة للشخصية العربية وفطرته الإيمانية التي تدعو الى التوحيد، ولكونها منطقة مشهورة بتتابع الأنبياء والملوك حيث كان هؤلاء في الثقافة العربية وسائل القربى الإلهية وأحد مداخل الولوج إلى مخاطبة الإله المحتجب ” وما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى” ولهذا غالباً ما تخطئ وسائل القربات وطرق الوصول وهو ما جعل اليمن وجزيرة العرب من أهم مواطن بقاء الحنفية الإبراهيمية حتى البعثة النبوية كما تشير دلائل الآثار، أما تعدد الأصنام فإنما كان عبارة عن رمز مميز للقبائل عن بعضها كتميز الأعلام الوطنية في الدول القومية العالمية، ولا فرق بين عبودية الصنم أو عبودية الوطن إلا أن عبودية الصنم يوظف التدين بينما عبودية الوطن يوظف المواطن وجميعها ذات أبعاد سلطوية؛ ولهذا كانت الفروسية من أهم مميزات القبلية لكنها الفروسية المنضبطة بالنبالة العربية أما المواطن وثقافة شهيد الوطن من الثقافات المبوءة بالتدمير.

إضافة إلى ثقافة الحبشة اليهودية  من الناحية البيولوجية المتواترة في أسفار الملوك من التوراة  فإن اليمن كأهم مواطن اليهودية التاريخية تسمى بالعبرية “تيمان ” وتطلق على يهود اليمن حيث يذهب بعض الإخباريين إلى أن اليمن موطن اليهودية الأولى التي تعود إلى العصر الموسوي، وأرى أن موسى النبي كغيره من الأنبياء المهاجرين عن أرض اليمن إلى منطقة الشام حيث كانت الجغرافية القبلية العربية تتمدد الى هذه المناطق حيث كان مركزها السياسي والبيولوجي في اليمن ويمكننا مقاربة أسم عابر من الأسماء اليمنية التي تلتقي مع نبي الله هود في النسب كعنصر عربي نشأت عنه العبرية كأحد فرع اللغة العربية السامية ومن ثم اكتسبت اللغة العبرية اسمها من صفة النسب البيولوجي لـ عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح، ومنهجنا العمل بالدليل الإخباري إذا غابت الأدلة المادية مع اعتبار التحقيق في اعتماد الأدلة بقرائن تمنحه درجة التواتر.

في ثقافة أخرى يجسد التاريخ ارتباط اليمن بمكة منذ عصر قبائل جرهم وسكناهم في مكة وهم أخوال العدنانية “وابن اخت القوم منهم” كما استمر الارتباط الاجتماعي خلال عصر التبابعة(مفرده تبع) وكذلك الارتباط السياسي حيث تشير الأحاديث النبوية إلى أن تبع كان قد أسلم ويمكن الإشارة إلى ملوك الأذواء(جمع ذو) وهي الإشارة القرآنية التي تنظم العقلية السببية المنظمة لقضايا التنمية والعدالة ومحور حديثنا في التفريق بين القحطانية والعدنانية إنما يبرزه ويتعصب له من يستغل هذه الثقافات القبلية لتدمير بنية الوحدة العربية وغالبا ما يكونوا من المستعربين القدامى الذين أرادوا من ذلك التفريق لضمان القاعدة السياسية المشهورة تاريخياً “فرق تسد” وهي محور السياسات الاستعمارية الحديثة والقائمة ، ولهذا تسيد العرق الحبشي والفارسي وغيرها من الأجناس على أرض الجزيرة العربية بهذه السياسة كما سيطر الفرس والروم على قبيلتي المناذرة والغساسنة بنفس الطريقة ومن ثم يمكن الإشارة إلى دور إيران وأمريكا والقوى الدولية في منطقة الجزيرة العربية عبر أدواتهم داخل المنظومة العربية.

ومن ثم فحديثنا عن المكون الثقافي يعني الوقوف على أهم المحطات التاريخية لهذا التكوين والذي انتهت بثقافة أكسوم كثقافة عربية يهودية من جهة ورومانية مسيحية متأخرة وأخيراً الثقافة الفارسية كثقافة سياسية معارضة للنفوذ الروماني، وبين هذه المكونات الثقافية تشكلت الشخصية اليمنية الصراعية وأفضل تجسيد لشخصيتها الصراعية التوجيه النبوي الشريف لمعاذ “فقاتل بمن أطاعك من عصاك”.

وصف اليمانيون بأهل الكتاب ولم يكن بحكم طبيعتهم العربية رهباناً ولا أحباراً وهي الصفة التي أعطت لليمن رؤية واضحة في مسائل الحكمة والفقه والتدين الواعي بدلالة حفظهم لطقوس الحج على الطريقة الإبراهيمية.

بالإضافة إلى أن الرقة واللين والإيمان من الصفات العربية بدلالة استيعاب الجزيرة العربية لمفاهيم الإسلام وقدرتها الذاتية على تطهير ذاتيتها من المفاهيم السلبية التي تتوالد في الجهل والتعصب المناطقي والجهوي.

تميزت اليمن بأهمية جيواستراتيجية وبيولوجية خلال الخلافة النبوية والخلافة الراشدة وقد أرسل إليها من خيار الصحابة بما يراعي إنزال الخطاب من جهة والطبيعة النفسية من جهة أخرى؛ فالأولى تخاطب العقل، والثانية تعالج العنف، ولما كانت الثقافة اليمنية متعددة نتيجة للتحولات السياسية وتوظيف الدين في الثقافة الصراعية من جهة أو ارتباطها بالتدين الواعي من جهة أخرى فقد تلاءمت شخصية الرسل مع الخصوصيات الجهوية ويمكن قياس نفسية مستقبلي الرسالة بالمرسول إليهم:

وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبائل كندة وفيهم بنو لهيعة والأشعث بن قياس   رجلاً من الأنصار (زياد بن لبيد خلفاً لرجل من المهاجرين (المهاجر بن أمية) وهددهم بعلي بن أبي طالب ويغلب عليها طابع التعصب والثقافة الجهوية، وهي المنطقة التي ظهرت فيها فتنة الردة المشهورة بالنجير وخلالها خذل الأشعث من بايعوه من قومه على الملك وطلب الآمان لنفسه وعشرة من أصحابه بما يعني أن هناك طريقة مشهورة للتعامل مع الطبيعة النفسية وهي الطريقة التي فطنت لها الدولة الأموية وسنتناولها في محور الحديث عن اليمن.

وكان خالد بن الوليد من نصيب قبائل همدان ومركزهم نجران، وتضم قبائل  حاشد وبكيل من صنعاء إلى نجران ومنها إلى الجوف ومرتفعات حجة والمحويت؛ وخصهم بهذه الشخصية الصارمة  بعد أن تأخروا عن الإسلام ثم أعقبه بشخصية أكثر صرامة منه وهي الحركة العسكرية الثانية التي حدثت في مواجهة بين علي بن أبي طالب وقبائل همدان وبعد تلك المواجهة الصارمة  أجابوا بمنطق ما يؤمنون به قوة وحزم وشدة  حيث يغلب على هذه المناطق الثقافة الصراعية، أو الثقافة العمياء و ثقافة القطيع الذي أشار إليه دريد بن الصمة ويتسمون بالتبعية والسيكولوجية البربرية، ولهذا ربطنا في محور قراءتنا وزيارتنا لمنطقة المغرب العربي بين هذه الطبيعة والطبيعة البربرية في مناطق الريف المغربي باستثناء قبائل كتامة.  بينما ربطنا مناطق قبائل تشلحت البربرية في الجنوب وأقيال حمير في المناطق الوسطى المشهورة بمنطقة الجند وخصوصاً قبائل صنهاجة (ليس هذا محور حديثنا).

وفي المقابل اختص النبي أعلم الصحابة بالحلال والحرام؛ معاذ بن جبل قبائل حمير واختار له منزله في منطقة الجند بين قبيلتي السكاسك والسكون وتشمل هذه المنطقة مخلاف الجند ومحورها تعز وتضم الحديدة وتهامة كلها بما في ذلك التهائم المتصلة بمناطق حجة والمحويت وريمة والمناطق المطلة على الساحل ثم لحج وعدن جنوبا ًوشمالاً تمتد إلى وصاب وعتمة غرب محافظة ذمار ويغلب على هذه المناطق الثقافة الجدلية وفيها الثقافة العقلانية، ويمكن الإشارة إليها بالمدنية وطابع التشريع والتنظيمات القانونية.

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم على قبائل مذحج “فروة بن مسيك المرادي” والياً إدارياً وقائداً عسكرياً وسياسياً وعلى الزكاة خالد بن سعيد الأموي (ومركزهم مأرب وتضم، ذمار، شبوة، البيضاء وأبين) وفيهم ظهرت أول ردة في الإسلام بقيادة الأسود العنسي وسيطر على صنعاء وتبعه ابن مكشوح المرادي وقبائل كندة في حضرموت وحتى الأحساء، ويغلب على هذه المناطق الثقافة البدوية أو هي أحد فصائل الثقافة الأعرابية ويغلب عليها طابع الفوضى والثقافة الوحشية.

أما صنعاء فأقر عليها باذان والعنصر الفارسي في الحكم (كانوا يحكمون من صنعاء وحتى عدن) وجعل على زكاتهم أبان بن سعيد الأموي وتغلب عليها الثقافة الفارسية أو هي أحد فصائل الثقافة الثنيوية من حيث التفكير بين الذات والآخر والتمييز بين أنا وهم، ويغلب عليها طابع العرقية والثقافة الاستعلائية، وقد تشكلت هذه الثقافة نتيجة للصراع بين القيم العربية والقيم الفارسية المجوسية والقيم الحبشية فتخللها عدة معايير منها اعتبار النقاء والعرق وهي المفاهيم التي كانت في بني إسرائيل وفقاً للنظرية الثيوقراطية وفلسفة الحلول والاتحاد والصراع الثقافي بين اليهود واليونان في إطار الدولة الرومانية كأقليات انتقلت بعدها مع الغزو الحبشي لليمن جينات يهودية وأسست لهذه الثقافة الصراعية داخل اليمن وناسب ذلك الطبيعة العربية التي ترفض الاندماج والاختلاط مع الآخر، ويمكن الإشارة إلى أن الثقافة الاستعلائية ليست خصيصة عربية وإنما هي من الخصائص الفارسية أو هي فلسفة سياسية أعادت اعتبار المهمشين والمنبوذين اجتماعياً إلى الصدارة بفلسفة التميز العرقي المفروض بقوة السلطة ومن ثم نشأت ثقافة عربية مقاومة وأسست لعلم النسب وجعلت ذلك من أهم محاور بناء العلاقات الأسرية بين القبائل ونبذ الوافد أو رفض التماهي معه إلا ما كان خارج نطاق الإرادة وبفعل القوى السياسية ومن ثم فإن النتاج المختلط بين عرقيتين وثقافتين أفرز طبقة أدنى من الثقافتين النقيتين العربية المحضة أو العرقية الأعجمية المحضة سميت بهذه الطبقة بالمولدين أو طبقة الصعاليك كحركة ثورية وتنظيمية ضد التقاليد الاجتماعية، ويرجع نبذها بين الثقافتين إلى أن كل ثقافة عرقية ترفضها لكون نصفها من جنس مفارق لجنسها حيث تبني عليها الظن الغالب من فساد الطبيعة نتيجة لهذا الاختلاط، ولهذا تعتبر هذه الثقافة من أكثر الثقافات انتشاراً وخصوصاً في المناطق القبلية والريفية المعزولة عن المناطق الحضرية لا سيما إذا قلنا أن خمسة وتسعين من سكان اليمن يستوطنون المناطق الريفية.

ونتيجة لكون صنعاء منطقة في الأساس للأبناء فقد تمكن فيروز الديلمي الفارسي نسباً الحميري ولاءً من  اغتيال الأسود العنسي على قاعدتين أحدهما أيمانه بالإسلام المساوي بين الأعراق ولا أفضلية لجنس التراب على بعضهم وأن الصفة العامة فيهم تتفارق مع الطبيعة الإلهية التي أتت بها الثقافات الفلسفية والغنوصية ومن جهة أخرى قدرته على توظيف العرقية الفارسية كأغلبية في منطقة صنعاء المدينة الحضرية وقد  وصفته النبوة وأهل بيته بالبركة لكونه عنصر فارق قومه من فارس وعندما جاءت وفود فرس صنعاء إلى المدينة المنورة قالوا ونحن لمن نكون فأقر النبي (ص)لهم نسب الولاء  قياس على إلحاق سلمان الفارسي بالنسب النبوي “أنتم منا آل البيت” “سلمان منا آل البيت”. فأصبح هذا النسب من أحد مكونات هذه الطبقة في صنعاء، تحول عند الكثير إلى نسب بيولوجي مع أن الإسلام يقر نسب الولاء ” وأنا مولى من لا مولى له ” في الحديث الشريف وربما يغلب هذا الادعاء البيولوجي في مناطق العالم العربي والإسلامي كنوع من تسيس البيولوجية الهاشمية أو القرشية أو العربية نتيجة لهذه الثقافة الصراعية التي دفعت بالكثير الى التماهي والهجرة وغيرها من الصنائع المفارقة للأنساب الحقيقية.

تندرج جميع هذه الثقافات وحتى التاريخ الإسلامي كمحطة ثانية بالثقافة الصراعية وهو الطابع العام للجنس اليمني خلال تلك الفترات التاريخية الممتدة خلال الأربعة قرون (حيث تتوافر الأدلة التي اعتمد عليها الباحث في قراءته للصفات النفسية والبيئات الجغرافية)، إلا أن طابع الصراع يتنوع إلى: الثقافة الجهوية المناطقية وهي المناطق التي ظهرت فيها دعوة الخوارج في التاريخ الإسلامي وهي ثقافة تبعية من حيث ارتباطها بالقيم الدينية التي تترجم نفسياتها.  والثقافة الوحشية وهي المناطق التي ظهرت فيها الدعوة الإسماعيلية من منطقة أبين وامتدت إلى صنعاء، ثم الثقافة البربرية وهي المناطق التي تواجدت فيها المعتقدات الشيعية من الجارودية والجعفرية والزيدية ثم الثقافة العرقية وهي التي جسدت صراع البيولوجيا في صنعاء رغم الاندماج والتداخل بين الجنس الفارسي والعربي وغيره من الأجناس التي حكمت المدينة ويظهر بعض منه في المناطق الحضرية وخصوصاً المناطق الساحلية، ثم الثقافة الجدلية التي أشرنا إليها سابقاً وبين هذه الثقافات العامة ثقافات إندماجية وثقافات يتيمة وثقافات عقائدية.

ونظراً لأن مجال البحث حول هذا الموضوع خصب فإن الوقوف على هذه المرحلة يستدعينا الوقوف على مراحل أخرى أسهمت جميعها في تشكيل الثقافات المجتمعية بالإضافة إلى دور المعتقدات في تكوين الشخصية وسيكون لها مواضع أخرى، كما ستكون هناك مقالات أخرى حول أنماط الثقافات الاقتصادية.

وأخيراً فإن إدارة السلطة اليمنية لأنصار الفيدرالية وتقسيم اليمن وفقاً للنظام الفيدرالي خارج إطار الوعي التنظيمي والتخطيط الجيواستراتيجي أو إدراك الوعي بالتاريخ والخصائص الاجتماعية التي تتنافى مع منطق التصور الواقعي أو إدارة الأزمات الإدارية الموبوءة بالثقافات المتعددة.

ويغلب عليها الثقافة بالمداراة خارج الرؤية الاستراتيجية في اختيار الأكفاء وفقاً للمنظور السلطوي؛ فالإدارة بالمدارة التي مارسها فخامة الرئيس عبد ربه هي التي أوجدت ثقافة الحراك وهي ثقافات تاريخية بأسمال عصرية وبتغذية مركزية من السلطة السياسية للرئيس السابق علي صالح ، وخلال هذه الفترات يمكننا استعراض  تعدد فئات الحراك اليمني  إلى حراك اللجان الشعبية الطائفية في صنعاء والحراك الجنوبي الجهوي في عدن والحراك التهامي الاجتماعي  في الحديدة وحركات الانفصال في حضرموت وفي عدن والتنظيمات السلفية  والقاعدة والإخوان والصوفية وتنظيمات القبيلة والتحيزات الجهوية والمناطقية وتنظيمات الثورة والتنظيمات الحزبية في سلسلة لا متناهية من الحالات الانشطارية الانتشارية.

إضافة إلى وجود مركزين للنفوذ السياسي والقوة العسكرية أسهما معاً في تفكيك المجتمعات إلى قوى نشطة وأخرى كامنة، وسنتبع ذلك في قراءتنا للتحولات التاريخية وتأثيرها الثقافي على الشخصية اليمنية في مقالات لاحقة لإعادة بناء الوعي المنطقي من اجل دولة يمنية ضمن منظومة دول الجزيرة العربية.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية –فرنسا

 

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here