د. جمال الهاشمي: التكنولوجيا بين كهرومائية التفخيخ الاجتماعي ومغنططة العالم الافتراضي “ثقافة الموسوس آب أنموذجا”

د. جمال الهاشمي

قصة التكنولوجيا بين تخيلات العالم الافتراضي ووباء الواقع الاجتماعي هو الحقيقة المؤلمة التي تفكك عرى العلاقات المجتمعية وصلة القربى في ظل انتشار البطالة ووباء الأمية الأخلاقية وغياب مدركات الوعي بفلسفة الوجود الإنساني ودوره الوظيفي على مستوى الرعاية والصحبة والمسؤولية.

لا شك أن العالم الواقعي مليء بالصراعات النافعة التي تعتبر من أهم ميادين صقل الأفراد مجتمعيا ونوعا من التجسيد والتنشئة الثقافية المجتمعية تتقاسمه الأسرة والمجتمع كوحدتين أساسيتين في رسم معالم التربية النفسية والتعاليم المكتسبة والتنشئة الثقافية.

 كما أن المخالطة هي شهادة من الأسرة والمدرسة للفرد المدرك بضرورة فاعليته الاجتماعية حيث ترفع من مستوى من منسوب مدركات الوعي بخصائص النفسيات وطبائعها ومعادنها فتدفع البعض للبحث عن معالجات قانونية وإنسانية وإدارية وأمنية وغيرها من المعالجات التي تصحح مفاهيم الحياة وتؤسس لثقافة المجتمع القادر على صناعة الحضارة والمساهم في تشكيل الثقافة لإنسانية.

إن تقدير المواقف واكتشاف الثغرات تتأتى من خلال العلاقات الاجتماعية وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقته بالقانون والسلوك العام والبيئة والنظام ومن خلاله يتعلم الفرد آداب الحوار واختيار المفاهيم وتفسيرها وحسن الاستماع وأعظم من ذلك يتعلم فنون الصمت المتأمل المراقب ووزن الكلام بميزان الخسارة والمكاسب.

أما العالم الافتراضي فهو عالم من الصمت الناطق وأخلاقيات الوهم الكاذب وربما الوقاحة الزائدة ولها انعكاسات سلبية على الواقع الأسري خاصة كأول من يدفع ضرائبها ثم المجتمع ويليه النظام والحضارة.

يحتاج البعض إلى التفريغ العاطفي في مجتمعات مرهفة لم تتعلم ثقافة الحوار المنزلي تتكلم كثيرا في قضايا روتينية مكررة أو قضايا كرامتي والشخصية، الشخصية الوهمية التي لم تتعلم فضيلة الصبر عند الأذى وفضيلة الحلم عند الاقتدار.

 مجتمعات تتعايش مع الخيال وتعبر عن دموعها وأحزانها في سلسلة من العبارات أو التصاوير والموعظات المنقولة والبعض يرغي بكلمات يستشعر بأنها رائعة أمواتنا أعراسنا الروتين اليومي البحث عن الشهرة لم يعد ميادنا خاصا للفنانين بل هو جل اهتمام الأفراد العاديين وحتى العلماء خرجوا من عالمهم الواقعي إلى العالم الافتراضي، ودخلوا بجهل في صراع مع السفهاء حتى امحت مكانتهم المجتمعية، ثقافة أنا الأسبق وبدخول هؤلاء العلماء عالم الافتراض تشكلت الشخصية المنفصمة أو الشخصية المائعة والضائعة بين جداول التأثيرات العاطفية، وخسر الدعاة أبناءهم وأسرهم وانفتحوا على العالم والحضارات ليس لقيادته وإنما لمنافسته؛ كالشهرة التي أرادها إبليس بحرصه جداله وكبره. وتحول من ثقافة العبودية والانقياد إلى ثقافة التمرد والابتعاد.

وعلى النقيض من الأتراح هناك فلسفة أخرى من الأفراح، فالعاطفة تعنى حزنا وفرحا هدوء وغضبا وكله يشكل صورة الأنثى التي تتحول بإدمانها وسائل التواصل الاجتماعي إلى ظاهرة صوتية عصبية عندما تتفخخ بالواقع؛ العلاقة مع القربى والزوج والأبناء ومثلها الذكورية الافتراضية

التي تتقمص صورة الرجل وتتكشف أمام قعقعة ذكورية أو شخصية أنثوية بصورة ذكر؛ إنها المأساة التي تحتاج إلى العديد من المصحات النفسية لمعالجة هذه الظواهر المرضية الكل مشغول وتظنهم في شغل فاكهون، الكل لديه يشكو من ضيق الوقت وقلة الإنجاز والتحصيل ثم يظهر له واعظا ليقول من علامات الساعة أن تقصر الأيام. ويحس بتثاقل الوقت وطوله فقط عندما يكون في قاعات التعلم والعلم. أزمة وعي وفهم أم أزمة وقت، أزمة أخلاق أم أزمة كرامة وصناعة.

كان الفرد يرسم شخصيته في واقعه  رجلا أو أنثى في جاهلية وإسلام وفي كل الحضارات الراقية بالتعاون والمحبة والتكامل وليس بالحسد والتشاحن والتقاسم  على نقيض ما نراه في وسائل التواصل التي تخلق شخصية متخيلة  في القص واللصق. أو التعابير الركيكة المليئة بأمعاء تقرح سكونها على معابد التواصل وتقيحت نسكها النتنى بخشوع المتواصل.

وبين هاتين الشخصية الأولى عربية تاريخية أو عالمية حضارية  ترجمت أحاسيسها شعرا ونثرا وإنجازا وفخرا  ابتعثتها  القرائح الوجدانية والذهنية الواقعية  بينما تراجع انتاجنا وتبلدت أحاسيسانا حتى اعتقدنا أن الرجل امرأة والمرأة أنثى “إن البقر تشابه علينا”.

ولكل يسابق الريح في اقتصاص المكتوب ولصق المنشور  كأنه جزء من تجاربنا مع أن تجربته واقعا آخر أو للتعبير عن تعاستنا  وهو الحقيقة التي نعاني منها ولا ندرك حلولها.

خرج الشعب اليمني اعتراضا على انطفاء الكهرباء المتكرر وخرج الشعب اللبناني اعتراضا على رسوم الانترنت فهل هي ظاهرة إدمان شعبية تجاوزت مرحلة الحالات الفردية.

إن أعظم أحاسيسنا هو الشعور بالحرمان حرمان التواصل الافتراضي للتعبير عن مشاعرنا الجافة التي تبخرت أحاسيسها على موائد التواصل التي لا نسمع سوى أجراسها ليس في طرقنا وشوارعنا بل وفي غرفات نومنا وموائدنا وعند تعليمنا أطفالنا ومحادثتنا آباءنا ثم نريد أطفالا مثاليين كمثالية التواصل الافتراضي الوهمي وتحول ذلك الإدمان إلى ثقافة مرضية نصنعها بأنفسنا الاكتئاب الحاد و وتأخر النطق للأطفال والشخصية المضطربة واهتزاز الثقة والاغتراب الاجتماعي.

 إنها ظاهرة البلادة الوجدانية والأحاسيس المترفة والتقعر المسكوب على أروقة الطريق؛ عاجزون عن الإنتاج أو التعبير عن مشاعرنا لأنها خالية، ليس لأننا جبلنا على الوقاحة والقباحة بل لأننا تخلقت بها نفوسنا للهروب من الواقع إلى الافتراض لمعالجة فلشنا بأوجاعنا وتنتهي المحاولة بالانتحار.

لو وضعنا عدادا لترقيم الكلمات التي تطرح عبر وسائل التواصل نطقا وكتابة لوجدنا بأن أحدنا قادر على كتابة مثلها مجلدات منهجية علمية بل لو رزقنا نصف الوقت من الرباط على وسائل التواصل لإنفاقه على أطفالنا وأزواجنا وآبائنا لوجدنا حياة مليئة بالأحاسيس الصادقة والمليئة بالحب والسعادة ولن يتخلى عنا الأبناء أو يشعرون بالغربة والوحشة عندما نشعرهم بوجودنا كما أنهم لن يشعرونا بالوحدة عندما يكبرون “وكما تدين تدان”

يرى البعض أن التواصل الاجتماعي الافتراضي وسيلة الاقتراب وقطع صلة القربى ومعها افتقدنا غبا تزدد حبا” وحرمنا من أرغب الرغائب دعوة غائب لغائب. وها نحن نتحول مع هذا العالم التكنولوجي المدمر من آداب طرق الباب إلى متفجرات الواتس آب،

ومن لباقة « راعنا وانظرنا إلى رخامة في الحال جاوبنا، ومن ثقافة وإن قيل لكم ارجعوا  فارجعوا هو أزكى لكم إلى ثقافة إن لم ترد سأحتجب بالبلوك عن محياكم” ومن فضيلة التواصل والإعذار إلى رذيلة التقاطع والفرار ومن أزمة التكامل و التعاون إلى أزمات  التدابر والتشاحن. ومن قاعدة العذر والالتماس إلى قاعدة الوسواس الخناس.

في الواقع يعمل الساسة وأطباء ومتطوعي وعلماء اجتماع الغرب إلى خلق فضاءات اجتماعية ورومانسية وحدائق أطفال مجانية وجمعيات ثقافية وصالات خاصة للتواصل الواقعي بين الجيران على مستوى المجمع السكاني الأوحد وفضاءات كبرى لخلق تقارب الثقافات المتباينة وإرشادات الأسرة ومجلس تعارف آباء وأمهات عبر علاقات الطفولة في المدرسة وخلق ثقافة التعارف في الحفلات الوطنية الجهوية والمعاملات الإدارية لممارسة ثقافة النظام والالتزام..  يسعى الساسة ومثقفو وأطباء وعلماء مجتمعات أقصى الشرق لحفظ المجتمعات التقليدية والرباط الأسري المقدس ومجتمعات الأبوة والأمومة والطفل الاجتماعي بهدف بناء الشخصية التعاونية والفاعلية الاجتماعية وثقافة التكامل الاجتماعي وعضوية الفرد. فإن هدفهما في المقابل هو تضييق الفجوة بين عالم الافتراض والتدمير وعالم الواقعية والتعمير، وتضيق ثقافة التوحش والاكتئاب واهتزاز الثقة والتواصل النافق إلى ثقافة تجسيد الأنس والسعادة وبناء الشخصية والتواصل الناطق.

ومع تهافتنا على استهلاك الحضارة التقنية دون وعي بكيفية استخدامها وما يترتب عليه من تضييع لمفاهيم التربية التي يذهب ضحيتها الأطفال لما فيها من مخاطر سلبية على الصحة النفسية وما سيترتب عليها من استهلاك أدوية المعالجات النفسية التي حتما سيؤدي استهلاكها إلى مزيد من الأضرار النفسية للأطفال وقد يقود إلى الانتحار بالإضافة إلى الأضرار العضوية المترتبة عنها، كما قد تؤدي إلى سلوكيات سلبية أقلها الفشل والضياع وأكثرها العنف والتطرف والانحلال، وسيخلق جيلا معوقا أخلاقيا ونفسيا وأمنيا كفيلا بتدمير الأسر والمجتمعات إن لم تتدارك الدول والمجتمعات والأسر خطورة ذلك، وإن لم يتدارك الأبوان ضياع الأولاد من الضياع الحاصل لهما في غياهب اليوتيوب والتاروت والتواصل الاجتماعي، وخيركم خيركم لأهله.

كما أن التعبد في محراب التواصل الاجتماعي له انعكاسات سلبية على العلاقة بين الزوجين وقد تتحول القرارات والاهتمامات المشتركة في إدارة الأسرة إلى تناقضات سلبية تتحول مع الصمت المتصل إلى كوارث أسرية خلاقة للفوضى والوباء الاجتماعي.

بالتكنولوجيا تتحول الإنسانية المؤنسة إلى قلوب الكترونية جامدة وعلاقات بإرادة وفي الوقت التي يطالب من خلالها بالحقوق تضيع الحقوق الزوجية وحقوق الطفولة وحق الصحبة والأبوة وحقوق الضيافة وحق ابن السبيل والحقوق الاجتماعية والحقوق الإنسانية.

وفي الوقت التي نطالب فيها بحقوقنا ننسى واجباتنا ومن خلال تواصلنا نجد قسوتنا ومن وراء كل رسالة معبرة أو صورة مؤثرة شخصيات خيالية كاذبة تتغنى بما ينقصها، وتتأبلس بسجودها.

ومن خلال استقرائي ومعايشتي لمثل هذه الشخصيات الفارغة نجد التناقض المر بين نتنتها المتخيلة ونتانتها الواقعية، ولو ظهرت في عمامة الواعظ وجلباب الناسك لن يزيدها ذلك نقصان ووضاعة.

لهذا فإني أدعو فلاسفة المجتمعات وعلمائها ومثقفو السلطة وساستها وحقوقي المجتمعات ونشطائها أن يبادروا في خلق مجتمعات عربية قادرة على التواصل لاستكشاف المعادن الاجتماعية الفردية وإنقاذها من متاهات الاضطرابات النفسية.

وإنقاذ الطفولة من آباءهم والوجبات السريعة ووباء الحضارية المادية ومنتجاتها اللأخلاقية والتواصل الوهمية الذي يقطع القربى وثقافة المسؤولية التي تتلبد ظلامتها بظلامها وتخلق سواد حالك من الظلام مع لا يزول مع ارتفاع النهار إنقاذ الطفولة تعني استحقاق وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا، لأن المعنى المخالف للآية والمسكوت عنه يحمل معنى اللعن كما ضيعاني صغيرا، وكأن طاعة الأبناء تنادي أولا بواجبات الآباء وحقوقهم، وكأن استحقاق الدعاء لا يكون مفروضا إلا بكما “كما” وكما تدين تدان.

ولمعالجة وباء التقنية أدعو الدول للسيطرة على وسائل التواصل وأن تؤسس لها مراكز إقليمية أو مركزا محليا،  وأن تعمل على رفع مجانية التواصل الاجتماعي من خلال العمل على تقنين الاستخدام وذلك بمنح ساعة مجانية يوميا للتواصل الإلكتروني  ثم فرض الرسوم  المالية ابتداء من الساعة الثانية وتحويل إيراداتها من ذلك نحو تأسيس حدائق ومكتبات  و منتجعات وأندية وجمعيات ثقافية وإنسانية وطبية وفتح مصحات وعيادات نفسية مجانية كوسيلة مشابهة لمعالجة ظاهرة العزلة النفسية الإلكترونية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية وما قد يترتب عليها من قوارض اجتماعية ممغنطة تؤطر لكهرمائية (كهرباء وماء) العلاقات المجتمعية، وقد تتناسب هذه المعالجة مع ما أشار إليه  العالم الغربي المتقدم حينما أجمع احتكار التقنية والتصنيع  ومنع تصديرها للعالم الثالث بقوله أننا نحمي هذه المجتمعات من الإضرار بنفسها في استخدام السلاح دون وعي ومجتمعاتنا يخرج منها من يدمر المساجد والمدارس والأسواق العامة.

 وهي نفس السياسة الاستعمارية التي استخدمت ما يسمى استراتيجية الانتداب والوصاية لتأهيل الشعوب حكوماتها على ثقافة الحضارة الغربية تلك الوصية التي لا تكون إلا على ضعيف أو سفيه. وعندنا نرى الوشائج المتقطعة والتهديدات والتحديات وثقافة العنف والسفه والإدمان على وسائل التواصل فإننا نجسد بالفعل الحالة النفسية التي فسرها قبل وقوعها العالم المتقدم.

وفي استقراء عشوائي تبين أن وسائل التواصل الاجتماعي لم يحسن مستوى الترابط والود الأسري والعلاقات القديمة أصدقاء الطفولة بل أدى إلى قطع الأرحام وعلاقات القربى وتدهور قيمنا وأخلاقنا وسلوكنا وصارت الوحشة بين الأهل أنموذجا خلقها الموسوس آب وخناس الواتس آب ، وفي المقابل تعددت العلاقات الوهمية مع الأجانب لملء فراغ القطيعة.

وأخير فإني لا  أتبنى إلغاء مجانية تنزيل الكتب الالكترونية على الرغم من عوارضها المرضية  كمعالجة وقتية في الوقت الحالي مع ضرورة  العمل الجاد على خلق رواد المكتبات وثقافة القراءة الورقية عبر سلسلة من المكتبات الاجتماعية في كل حي وحديقة والمكتبات المنزلية فالعلم للجميع والعمل لمن شاء أن يستقيم.

ومن أجل المبادرة فإني أتبرع بمكتبتي الخاصة لأول متصل بي على أن تكون نواة أولى لبناء مكتبة مركزية مجانية.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية-فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here