د. جمال الهاشمي: التشابه الاستراتيجي بين صناعة الحروب الأهلية والحروب البيولوجية “وباء كورونا والشرق الأوسط”

د. جمال الهاشمي

كان السم في أثينا من طرق القتل الرحيم التي استخدمتها المحاكم اليونانية ومن ضحاياها الفيلسوف الإصلاحي سقراط ثم تطورت لتكون من أهم وسائل الاغتيال في الثقافة الرومانية للمعارضين وقد اغتيل بها شاعر العرب الجاهلي أمرؤ القيس الذي رحل إلى قيصر الروم طلبا للنجدة من قتلة أبيه، وقد كانت سقاية السيوف التقليدية بالسموم من الطرق الأسيوية التي دخلت العالم الإسلامي من خلال حركة الحشاشين وتطورت مع المماليك والفاطميين في العالم العربي، فقد يكون السم في العسل أو في الحذاء وقد يكون في الثياب وربما في الأغذية والمخدرات (مصانع السكر، والسجاير، والمواد الحافظة) وقد تأخذ طريقة أخرى في صناعة الانحلال والأمراض الجنسية من خلال دعاوى الحقوق والحريات الفردية.

عندما نعود إلى بداية استكشاف أمريكا الهند وأفريقيا عبر رحلات الاستكشافات البحرية سنجد أن الأوربيون استخدموا استراتيجية الإبادة للخصوم من خلال تغذية الثياب والأغذية بالسم أو بالأمراض المعدية ومثلها كانت مخترعات الفيزياء والكيمياء اللتان استخدمتا في حروب الإبادة النووية.

تطور الطب عبر أداتين أحدهما استخدمت لصناعة الطب والثانية للتطبيب، واتبعت شركات الأدوية العالمية استراتيجية الوباء والدواء في تنمية ثقافة الثروة، إلى جانب استراتيجية شركات الأسلحة  العسكرية وشركات النفط في صناعة الأسلحة وتصديرها، بينما تعمل دولها على فتح أسواقها في بلدان العالم المتخلف من خلال خلق  الأزمات السياسية والحروب الدولية أو الأهلية على غرار الحرب الخليجية الأولى والثانية وغيرها من الحروب المستمرة  في سيناريوهات محددة تعمل على انعاش الشركات الرأسمالية والدولة القائمة على استراتيجية الاقتصاد الحربي بمصائب الأصدقاء والحلفاء والآخرين “وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي”

تعريجا على مفهوم دور الإعلام والبحوث أتذكر أنه في عام 2007 كان لي أستاذ مشهورا ومشتهرا بإقامة المؤتمرات الدولية في أمريكا وله علاقة عميقة بباحثين من تل أبيب، حيث أنه حضر الدكتوراه من جامعة فلوريدا تقريبا وكان صديقا هامشيا لمؤسسي بنك العالم الأمريكي اليهودي ميكلاند دايز حيث كان متأثرا ببعض أفكاره حول بنك المعلومات.

 كان هذا الأستاذ يكره كل مظاهر التدين؛ اللحية، الثوب القصير والفقه والفقهاء وفي الوقت ذاته يمارس سلطة الأستاذية لاحتواء طلبة الجامعات وتجنيدهم للتجسس على بقية الطلاب أو الأساتذة الأخرين في نفس القسم، بالإضافة إلى إرغام الطالبات على أشياء أخرى مقابل مآرب أخرى، وحينها كنت بدويا أدافع عن قناعاتي بصراحة وما زلت أعاني من هذه التربية التي منعتني من استنبات لسانين وتشكيل قناعين رغم الفرص المتواترة،.

وبالمثل كان لي صديقا يحمل مظاهر التدين الفطري دون حزبية أو طائفية وبات وأصبح محل سخرية الأستاذ وطلابه، لم يحتمل التطويع بالترغيب والتهديد فاضطر للانسحاب من الدراسة وفتح له محلا تجاريا وقطع علاقته بالجامعة تماما، ولم تكن ظروفي كظروفه وهو ما جعلني أواصل دراستي.

 بعد وقت يسير استدعي هذا الأستاذ لحضور مؤتمر علمي حول الحركات الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية شارك فيها يهود أمريكيين وإسرائيليين وقد طلب من صديق كنت أدرس معه، أن يكتب له بحثا عن أحد الحركات الإسلامية، ولعله أشار على فتواصل معي طالبا مني كتاب بحث حول حركات الإسلام السياسي مع الإشارة للنموذج في مدة لا تزيد عن أسبوع، وكنت حينها لست مهتما بمظاهر الحراك السياسي الإسلامي فاعتذرت له، فأصر وحينها التزمت الصمت وقطعت التواصل ودفعت الثمن.

هنا يبدو لي أن صناعة الرجل النموذج والمجتمع النموذج والدولة النموذج ثقافة سياسية يونانية – رومانية أوروبية –أمريكية تأتي من خلال توظيف المعرفة المنهجية، وحرية الرأي والديمقراطية والصحافة والإعلام، ويتحقق ذلك بجهالة المجتمعات الأخرى وأزمتها المستشرية بعقدة النقص الذي تستكشف من خلال بروز ظاهرة التقليد الثقافي والمعرفي ناهيك عن ثقافة التقليد المجتمعي وتهافتها على المظاهر الحضارية واجتهادها في تقمص الآخر وقد أحسن صك اصطلاحها  المفكر الشيوعي الشيعي علي شريعي تحت مستمى ثقافة الاستحمار التي أراها تقابل ثقافة الاستعمار.

ونؤكد أنه بعد فترات من الاستقراء والدراسة ومن خلال تجنيد علم الاجتماع و الدبلوماسية الشعبية والتي تشكلت منهجيا خلال 2005 وحتى مرحلة تنبأ مراكز الدراسات الأمريكية بسيطرة الإسلاميين وثورات الربيع العربي وانتشار ظاهرة الإرهاب والحروب الأهلية والدولية، من خلال المعلومات التي قدمها الباحثون العرب عبر ما يسمى الزمالة البحثية أو حضور المؤتمرات الدولية أو من خلال مراكز البحوث الذين يتلقون الدعم من سفارات الدول القائمة في بلدانها، حيث كانت مراكز البحوث المتعلقة بحقوق الإنسان والحوار الحضاري والمراكز الداعمة لحقوق المرأة والقيم الديمقراطية من أكثر المراكز البحثية استغلال لمخرجات طلاب المؤسسات الجامعية والباحثين للحصول على بيانات كمية استخدمت لقياس توجه ودرجات الرأي الشعبي حول القيم والديمقراطية، ومعرفة التكوينات المحلية وتوجهاتها ووسائلها وأدواتها.

البعض يرى أن التجسس من خلال الأقمار الصناعية قلل من أهمية أدوات التجسس التقليدية وهذا محض تكهن وجهل مفترى.

بل إننا نرى أن مفهوم التجسس أصبح له قيمة معرفية ومكانة اجتماعية حيث أصبح كثير من مراكز البحوث والصحف والأنشطة المجتمعية والمنظمات تمارس الدور ذاته لكن على مجتمعاتها لصالح الآخر ومن خلال دورها الهادم تترقى مكانتها المجتمعية والسياسية.

لا يشك في ذلك عاقل أن البيانات الرقيمة التي تقدمها هذه التكوينات المحلية والثقافية التي أنتجتها الديمقراطية تتحول إلى معلومات مصنفة ومن ثم قيمة معرفية داعمة لصناع القرار السياسي الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دول العالم دعما لمراكز البحوث المحلية ومن خلال سفاراتها تقدم الدعم لمراكز البحوث في دول العالم الثالث، تقدم معلومات قيمة عن دولها ليس لها هوية وطنية أمنية، أو ليس لها غاية سوى حاجة في نفس يعقوب، ولذلك غلب عليها طاب استقراء البيانات عن مجتمعاتها وتقديمها للآخر.

 كانت الصحف من جهة أخرى واتحاداتها والمنظمات الدولية تقدم البيانات المتعلقة بفكرة الحقوق والديمقراطية لسفارات الدول العظمى الراعية للديمقراطية والمدنية وحقوق المرأة والمشاركة السياسية وحقوق الأقليات وفي الوقت ذاته كانت الأحزاب تسعى للارتباط بالسفارات بما لها من أهداف أخرى، وفي الوقت ذاته كانت تلك السفارات تجند بعض الباحثين لمتابعة المتغيرات الاجتماعية ومظاهر الثقافة ومن جهة أخرى كانت مكاتب الأمم المتحدة والجامعات الأجنبية تمارس الدور ذاته في جمع البيانات أو المعلومات ونقلها عبر القنوات المحددة بطرق علمية منهجية بحتة لا يشوبها شيء من الإحساس بالتجسس أو الخيانة الوطنية.

عن طريق هذه القنوات استطاعت مراكز البحوث العلمية الأمريكية التنبؤ بمظاهر الثورات والتمدد الإسلامي ووصول الإسلاميين للسلطة واستخدمت الولايات المتحدة مبدأ الديمقراطية لقياس مدى هشاشة العلاقة أو متانتها بين السلطة والمجتمع، وأيضا لقياس مدى شرعية السلطة والقبول المجتمعي، ليس هذا فحسب بل ومن خلال قياس مستوى فساد المؤسسات الإدارية للدولة والفقر والأمية وغيرها من المؤشرات المنهجية التي يمكن من خلالها قياس مستوى شرعية نظام الدولة.

وبرزت الديمقراطية في كتابة الإسلاميين كمفهوم مرادف للشورى وتعددت الكتابات الإسلامية حول أسلمتها وظهرت هذه النخبة ومن بينها علماء دين لتدافع عن قيم الديمقراطية أكثر من الليبراليين الأمريكيين لكنها عند البعض كانت تعني وسيلة ميكافلللي لتحقيق الغاية وتبرير الوسيلة، وتناسوا أن نظرية المقاصد التي أسس لها علماء الإسلام القدامى منهجيا عبر منهجي الاستنباط والاستقراء أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد.

لهذا كانت مرحلة الثورات ووصول الإسلاميين للسلطة فرصة جديدة للحضور الأمريكي والدولي في العالم العربي أسهمت من فتح قنوات مجتمعية فردية وتنظيمية خارج سيادة الدولة وبذلك تعددت القنوات عبر استراتيجية الدبلوماسية الشعبية بالإضافة إلى تكوين خلايا داخل مؤسسات دول العالم الثالث السيادية، وتمكنت من صناعة التفكيك والأزمات المحلية والتهديد بها، وحققت انهيارا مجتمعيا وأمنيا وسياسيا واقتصاديا في دول العالم العربي بينما شهدت الولايات بخسارة العالم والدول الأخرى انتعاشا اقتصاديا.

وبدأت مرحلة جديدة من مراحل إعادة أوروبا تحت مظلتها والسير قدما نحو أضعاف أو تفكيك الاتحاد الأوربي الذي سيشكل بقيادة الثقافة الفرنكفونية والجرمانية تهديد محتملا لقواعدها المنتشرة في بعض بلدان دول أوروبا كبريطانيا وألمانيا وإسبانيا واليونان إضافة إلى قواعدها في المتوسط وأوروبا الشرقية.

ولكن وبعد قراءة واقع ودور الدول العظمى في صناعة الحروب.

هل وباء كورونا وباء طبيعيا أم مفتعلا ولماذا أصبح قضية إعلامية عالمية؟ هناك ثلاث أربعة مؤشرات تثير الشبهة حول افتعال وصناعة الوباء قد ذكرنا في مقدمة المقال استراتيجية وعراقة الحروب البيولوجية وتطورها تاريخيا.

أما صناعة النموذج الحضاري المعاصر ونموذج التنبؤ بمخاطر الحرب البيولوجية من خلال الفيلم المرعب Contagion الذي أنتج عام 2011 وحقق ما يقارب ضعفي نفقات الإخراج، فإن تحديد الخفافيش كسبب لوباء محتمل يأتي من الصين بالإضافة إلى تنبؤ عملاق مايكروسوفت بيل جيتس، بفيروس كورونا ومن خلال الصحف البريطانية دون غيرها من الصحف الأوربية وتحديدا قبل عام من تاريخ الوباء في مؤتمر الجمعية الطبية في ولاية ماساتشوستس، وبعد انتشار المرض يعرض الرئيس الأمريكي ترامب أن المرض تحت السيطرة وبإمكان الولايات المتحدة مساعدة الصين لمواجهة هذا الوباء، في وقت تشهد العلاقات الصينية الأمريكية توترا متصاعدا.

تحديد المكان، ووسيلة نقل المرض يشهد تخطيطا لحرب بيولوجية سيكون وسيلة سياسية من وسائل احتواء الصين (إن لم يتم احتواءه) شبيها بالحروب النووية على اليابان لا سيما وأن الصين ومنذ عام 2000 تشكل تحديا للاقتصاد الأمريكي والسياسة الأمريكية في أوروبا الشرقية وجنوبها.

وستكون أكثر البلدان استهدافا بلدان آسيا وأفريقيا وتحديدا أوروبا الشرقية ودول المتوسط أو ما يعرف بقارات العالم القديم، وتحديدا البلدان الساحلية الأكثر انفتاحا على العالم، وسيحاصر هذا الوباء ويحتوي دولة الصين اقتصاديا كعمليات يتخذ العالم تدابيرها اضطراريا، وبذلك فإن على الصين إن لم تستطع معالجة هذا الوباء النزول على الشروط الأمريكية في قضايا الصراع بينهما.

بينما تدور عقلية العالم الإسلامي على فكرة النوازل الإلهية العقابية الشبيه بالتفكير الكنسي للعصور الوسطى حيث يذكر أنه ظهر مرض الطاعون في أوروبا فما كان من رجال الدين إلا أن دعوا الناس للاجتماع وممارسة الصلوات والدعاء لرفع هذا الوباء.

التفسير الكنسي نفسه حيث برزت تعليقات بعض الدعاة أن الوباء في الصين سببه ممارسة الصينيون حروب الإبادة والحصار على طائفة الإيغور المسلمة وهو نفس التفسير الذي فسر لنا ظهور الملائكة في الحروب الأفغانية على الروس.

بينما تعاني تركستان الصينية المسلمة منذ سنوات حرب تهجير وإبادة وكذلك بورما، رغم حديثنا عن السنن إلا أن تفسيرها بمنطق التفسير الخرافي مع ضعف الإيمان المنتشر ليظهر لنا أننا في عصور الظلام الحديثة الشبيهة بظلام العصور الوسطى على أوروبا.

ذلك العصر الذي العالم الإسلامي تنويريا يعلم العالم استطاع “عمرو بن العاص الرجل السياسي بالفطرة” أن يعالج طاعون عمواس بتفريق المجتمعات الحضرية بين الجبال والأودية ومنع الاجتماع” واستطاع بقرار أن يقضي على الوباء دون دواء.

كما أننا نجد انتشار حمى الضنك والملاريا والمكرفس في بلدان العالم الثالث أفريقيا واليمن وما جوارهما ويحصد الكثير من الأروح سنويا بينما لا نجد الوباء ذاته في أوروبا والمغرب العربي أو الدول المحاددة لدول أوروبا ويأتي الاستفهام كيف تم تلقيح البعوض في هذه البلدان بينما لم تستطع منظمات الصحة العالمية مكافحة الحامل للمرض في بلدان العالم المتخلف؟ وكيف عجزت دول العالم الثالث التي تستورد سنويا ألاف الأطنان من الأدوية في تلقيح البعض بأقل ميزانية ممكنة ورفع معاناة الناس؟  وكيف عجز التجار المهرة وأطباء العالم الثالث من معالجة هذا الوباء؟ هل يتعلق الاقتصاد وازدهار مهنة الطب بمعاناة الأمراض ونهب ثرواتهم؟

خلاصة ما سبق، تتبادل شركات الأطعمة والتكنولوجيا والكماليات والملابس مع شركات الأدوية فكرة الدور واستغلال العالم من خلال تنمية ثقافة الاستهلاك وفي المقابل تتبادل الحروب البيولوجية مع الحروب الدولية والصراعات الأهلية نفس الدور لتحقيق الغاية.

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. مقال جيد جدا تشكر عليه, الراسمايين الأمريكيين وجلهم من اليهود لا يردعهم رادع عن فعل اي شيئ مقابل رواج أسواقهم

  2. شكرا لك على هذا المقال . لكن مفكر مثلك يجب أن ينأى عن إستخدام جملة مثل (المفكر الشيعي على شريعتي ), حتى نغسل نت عقل القاريء هذا الطوفان من المصطلحات العصابية دون منطق . علما بأن الراحل علي شريعتي كان فكره ينصب على تنقية الإسلام من ( التشيع الصفوي والتسنن الأموي ) .

  3. حفظك الله استاذنا الكريم ولا يستبعد بضم الياء أن يكون ما يقع في الصين هو بداية لحرب بيولوجية ضدها لعدم قدرة الغرب على تحمل حرب نووية ضد الصين قد تبيد أمريكا الشمالية بكاملها . وهناك اسراتيجيوا الحروب في الغرب لا يرتاحون حتى يرجعوا الصين وروسيا وكوريا الشمالية وكل الدول المعارضة لها الى العصر الحجري وقد يقول البعض بأن ما أذكره هو ترديد لفكرة المؤامرة وانتظروا سنة 2050 حتى تعرفوا الحقيقة بعد رفع السرية عن وثائق cia لسنة 2020

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here