د. جمال الهاشمي: التحدي الحضاري بين إرادة المفاهيم وثقافة الحضارة

 

 

د. جمال الهاشمي

التسمية وصك المصطلحات والمفاهيم من الأهمية بمكان لدى الأمم الحضارية، وما من حضارة إلا ولديها مفاهيمها الحضارية الخاصة التي تعد ضرورية لنهضتها، ولا قيام لها بدونها، وقد ظل الصراع المفاهيمي عقودا بين القوميتن الفرنسية والجرمانية حول مفهوم الحضارة والثقافة والذي على أساسهما قامت الدولتان الحضاريتان  ..

إذ أن الحداثة العلمية التقدمية لكليهما في الأساس كانت خارطة مفاهيمية منهجية متولدة من التاريخ ومولدة له.. في سلسلة من العمليات التحفيزية لمقاربة الروحانية التاريخية بالمادية التأريخية وهنا جاء التمييز بين التاريح والتأريخ.

إذ كانت المفاهيم لدى الجيل الأول من عباقرة الغرب يعني بالنسبة لهم فلسفة روحانية إرادية  تهيئ المجتمعات للإنخراط في قالب معين من البنى الفوقية .. مدركين بذلك أن العلوم الإنسانية هي القيادة الفعلية لبقية العلوم المادية والتجريبية .. ومع هذا الجيل العبقري بدأت  تلك الإرهاصات النهضوية المتعثرة بجهل النظم التعليمية التقليدية الكنسية والنظامية والسفسطائية تؤسس لقيام الدولة من عمق المجتمعات النقية أو مجتمعات الفطرة الواقعية .. التي لم يلوثها ثقافة الوافد ..

بدأت تلك المفاهيم في أنساق أدبية  وملحمات شعرية تتحرك في وجدان الشعب وتترجم في كلمات وفلسفات وأفكار ونظريات بسيطة تتناب مع طبيعة الفطرة الإنسانية.. وفطرة الحاجة التجريبية بدأت أفكارا ونظريات فلسفية او أدبية أو فكرية لكن دعونا نقول أن المفاهيم كانت أولا..

يدل لفظة الحضارة الذي تحول من لفظة سفسطائية مجردة  مع فلاسفة فرنسا إلى مفهوم علمي حضاري في سلسلة منهجية مقاربة مع الواقع؛ إرادته الاصطكاك ودافعه الاحتكاك الحضارة من منظور التاصيل المنهجي هي لفظة لغوية في شقها الأول، وحياة مدنية في شقها الثاني، والجمع بين اللفظة والفعل ..شكل المفهوم ..

 ثم تطور للتعبير عن مظاهر التطور الإداري والقيم القانونية والنظم المسيرة للمجتمعات الفرنسية عبر موروثها التاريخي كما اشتمل على الظواهر المادية والسلوكية للحياة المدنية المعاصرة..

دعونا نعرج قليلا على الباحث العربي، إذ يكتب في مقدمة رسالته أو بحثه نقلا عن المعاجم ويتعامل مع الكلمة كمفهوم ويبني عليه بحثه دون أقيسة منهجية وإن تميز البعض بالأقيسة المنطقية .. وكله يعبر فقط عن ثقافة امتهان البحث وليس علميته..

كانت فرنسا تتبنى الفلسفة الواقعية العميقة التي أسست لمفاهيم  العالمية والقانونية والنظام السياسي وعنها أخذت مجتمعات أوروبا والمجتمعات الأسيوية المتقدمة.. بما فيها روسيا والصين وكوبا وغيرها من الدول العربية والعالمية والأوربية.

لقد مرت المدرسة الواقعية بعد مراحل بيئية تاريخية أسهمت نحو الوصول إلى واقعية “سان سيمون” الحديثة. أما الثقافة الألمانية فتعني الزراعة التاريخية لاشتقاقات الألفاظ  والمفاهيم والأفكار ولا أقصد اللألفاظ السوفسطائية (الجدلية- الاتجاه المعاكس) بل الألفاظ (البنائية).

وتشتمل على الألفاظ التجسيدية التي تولدت عن العمق المثالي للفكر الألماني المتجذر والمتراكم بانتظام منهجي عبر التاريخ أو بمعنى أدق جدلية التاريخ الذهنية التي أسست لجدلية الواقع من مدخل الفلسفة المثالية ..والتي عليها قامت الأمة الألمانية .. وتدين اوروبا السياسية والدينية بالفضل للفلسفة المثالية الألمانية.. فلسفة العمق والتحدي والهوية والإرادة..فلسفة لوثر والفلسفة البروتستانتية الرجعيةالتي تجاوزت تقليدية الكاثوليكية إلى العمق الأصولي أو الأصولية النصية.

كما ارتبطت  بالعمق البيولوجي للصفات الأخلاقية والسلوكية والروحية.. والتي قامت عليه أيدلوجية النازية السياسية المتطورة عن الأيدلوجية الفكرية النازية .. أو أيدلوجية هيجل المتعدد النزعات التاريخية التأصيلية.. مؤسس الجدلية المنهجية.

كان الصراع بين المفهومين الثقافة الألمانية والحضارة الفرنسية..يقوم على فلسفة التحدي والجدلية ولم يكن أزمة ذاتية ، وإنما كان إرادة ذاتية فكرية ومجتمعية بين دولتين لغويتين  متنافستين عبر التاريخ .. فاللغة لكل منهما هوية وعمقا وحضارة وثقافة، ولا بد أن يكون التوليد المنهجي من داخل الهوية أو العمق المجتمعي وليس من خارجه .. كما أن المفاهيم الغربية وإن بدت واهية أو غير منطقية  إلا أنها تتميز بالقدرة على المقاربات والتفسير، أو يؤصلونها بوجه من أوجه اللغة المعبرة عن سيادة المجتمع والدولة والتاريخ المميز والمتميز بالذاتية القيادية العالمية .. ومن هنا اشتهر الغرب بفلسفة التأويل .

عندما يكتب الباحث العربي عن الثقافة يبدأ بسرد التعريفات الألمانية وبالمثل عندما يكتب عن الحضارية يبدأ باستيراد التعريفات الفرنسية في أسوأ أزمة من أزمات التقليد المنهجي المتطفل على ثقافة الآخر، ويؤسفني أن لا أشير الى الثقافة العربية في هذا المقال لأنها ليست موجودة في واقعنا المواكب للحداثة.. وإذا قلت الجزيرة العربية فليس لنا من العمق سوى لفظية النزاع بين القحطانية والعدنانية داخل الحضيرة وليس مع خارجها..

والحقيقة أن كلا من المفهومين الفرنسي والألماني يعبران عن طبيعة التطور المجتمعي الفرنسي والألماني.. حيث تتمدد فرنسا نحو فلسفة المدنية اليونانية مما جعلخا أكثر ارتباطا بالطبيعة القانونية المدنية؛ أقصد المدينة الإله أو تمثال الإنسان القانوني الإله الذي خلق روح المدنية بالقوانين المنظمة لطبيعة العلاقات المجتمعية (صولون القانوني العظيم).. وبالاقتفاء وقف فلاسفة فرنسا على هذه الخيوط الناظمة للفكر الإنساني الحضاري  وأستطاعوا من خلالها تطوير فلسفة القانون في سلسلة من النظريات المنهجية وبذلك سبقوا القوميات الأوربية بهذا الإنجاز المفاهيمي وأخذ عنهم الأنجليز ومن خلاله أستعادوا العمق الفلسفي للمفهوم وقاربوه مقاربة إجرائية وعملية بالواقع وعليه تأسست حضارتا الفرنكفونية والانجلوساكسونية .. وتميزت فرنسا بهذا العمق عن غيرها..

بينما لم تكن المجتمعات الأنجلوساكسونية سوى تجمعات بشرية أوروبية وأسيوية مختلفة

وجزء من ثقافة الانجلو فرنسية والانجلو نورماندية الجرمانية وجزء من بيولوجيتها المنفصلة عنها؛ غير أن الطبيعة القبائلية وطبيعة البيئة الجغرافي ساهمتا بتشكيل الشخصية البريطانية المعاصرة .. حيث كانت بريطانيا آخر مجتمعات أوروبا الحضارية والتي استطاعت قولبت الحضارات الأوربية في قوالب جديد بسياقات مختلفة..وشكلت قاعدة بيانات معرفية ومعجم جديدا للغتها الإنجليزية  خلال القرن السابع واستصحبه نقد التعليم مع المصلح المؤسس للحضارة الصناعية البريطانية “فرنسيس بيكون”.

وفي المقابل توجد حضارات مستلبة  تتخبط  بالتقليد.. وأي تقليد يكون وافدا سواء كان ضمن الموروث الثقافي أو ضمن موروث الانفتاح،  وسلبية لأنه ليس لها إرادة، والإرادة قد يكون بسيطرة فقراء الثقافة والإدارة والمنهجية على مفاصل المؤسسات التعليمية..

بعض هذه المجتمعات تتميز بيهكلة مؤسسية جامعية تتفوق على المؤسسات الأوربية في حداثتها المعمارية طبعا المقلدة أيضا، .. تستورد كل منتجات الحضارات الأوربية والأسيوية وليست قادرة في أدنى امنياتنا على التقليد في انتاجها، تتسم هذه المجتمعات بترجمة القانون الفرنسي التي بالكتابة عنه امتلأت أرففة جامعاتها ومكتباتها الشعبية والرسمية، ولم تستطع تشكيل النظام الإداري الحقيقي لإدارة المؤسسات والعلاقات الدولية، تمتلك هذه الدول جيوشا وأسلحة متطورة وحديثة جدا وليست قادرة على حفظ استقرار الأمن من الداخل أو من التحديات الخارجية، لديها أضخم وسائل التكنولوجيا المستوردة وتقنيات الأمن المعلوماتية وليست قادرة على حفظ سريتها المخترقة، لديها ثروات طبيعية متنوعة تتفوق على أوروبا والدول المتقدمة وليست قادرة على استغلالها أو حمايتها من الأطماع الخارجية، لديها عمق لغوي ولغة متفردة وليست قادرة على صناعة الهوية الثقافية، لديها قيم دينية عظيمة وليست قادرة على تجسيد المعايير الأخلاقية،  كل هذه الممكنات التي هي من فضائل التقدم معوقات لتقدمها..

هذه المجتمعات تترنح  منذ ما يزيد على ثلاثة قرون بين مجتمعات الشرق والغرب وتستورد كل النماذج الغربية والأسيوية القديمة والحديثة، واستوفدت التعليم بنماذجه الفرنسية و السنغافورية والفلندية والماليزية واليابانية  والانجليزية وكل النظريات الحديثة التي أصبحت سوقا لمراكز التدريب وأحد اهتمامات المراكز البحثية العربية ومع هذا كلما استوردت نموذجا ازدادت تخلفا… هذه النخب الفكرية العربية المتسولة فشلت في نماذجها القومية والمتأسلمة والليبرالية فالانحطاط ديدنها  والفشل ..

هذه المجتمعات التبعية لديها من حملة الدكتوراه  وما دونها وما فوقها ما يفوقون عددا  دول الحضارات الأوربية المتقدمة بل ويحملون شهادات  من أعرق الجامعات الأوربية والأسيوية ومع هذا لا يدركون من تطبيقات العلم إلا كيفية استعمال الأدوات الحضارية المنتجة أوروبيا، بدليل أن العالم العربي يعلن عن اكتشاف دواء كورونا وتصرح به حكومات رسمية .. في الوقت الذين يعيشون حياة المنبوذين في التجسس والاقتباس اللامنهجي والتقعر بالعلمية سنشير إلى هذه الظاهرة في مقال جديد..

بل وفي القوانين لديهم مرآة عاكسة لتلقف القوانين الغربية فما أن يولد قانونا في الغرب إلا وفي الساعة الأولى من التصريح به  وقبل تطبيقه يصبح قانونا مسيرا ومعمولا به في دول التبعية الفوضوية..دولة اللادولة .. لا اتهم الحكام العرب مطلقا وإنما اتهم الإدارات المفوضة عنه والتي لم تحسن ذلك ولم تتخلى عنه.

دعونا نتحدث أكثر عن أوجاعنا وهي كثيرة،  دولة عربية صغيرة يبلغ عدد سكانها بضعة ملايين يفوق عدد متحدثي اللغة الانجليزية فيها عدد متحدثيها في اليابان والصين ومع هذا تظل دولا متخلفة اجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا ومنهجيا.. ليست أكثر من مراة عاكسة وظل يعكس مظاهر الثقافة الغربية ..ستظلم حينما تقطع عنها شموس الحضارة،،

فرنسا اليوم تنظر إلى ألمانيا وليس إلى أمريكا بأنها دولة نموذج حضاري عميق متقدم اقتصاديا تناقش  ذلك في الدوائر الرسمية … كيف وبماذا ولماذا؟  سؤال منهجي مسؤول.. عن كيفية البحث والتخطيط ..

البحث عن الكيفية وعن الإمكانية .. معناه البحث عن الذات .. اليوم تعمم فرنسا اللغة الانجليزية ليس تقليدا أو التقليد الحاصل في العالم العربي المضطرب بين فواجع الأزمات ومنازع التقليد.. كلا.. ليس كما يعتقده المتحضر أن لغة الصناعة والفكر ستمنحك التقدم ..

هذه من الأوهام التخيلية وليس من الحقائق المنهجية ..

فرنسا تعلم  اللغة الإنجليزية بدروس خفيفة لا تؤثر على اللغة الفرنسية الأم هي طريقة تسويقية أو لغة من لغات السوق العالمية ووسيلة من وسائل التواصل على الطريقة الصينية .. وعند الحديث عن النموذج الأمريكي الذي هو امتداد للثقافة الانجلوساكسونية لم تقم هذه المستعمرة الاوربية والعظمى حديثا  إلا بالسيطرة أصول المعرفة الأوربية طوعا بتنازل بريطانيا عن حقوقها أو بنظام المقايضة مع فرنسا ضمن استراتيجية دول الحلفاء وتحالف الأطلنطي و كرها بإذلال ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أو عبر الصداقة الماكرة مع روسيا البريسترويكا  وهذه الطريقة الأمريكية هي التي حددت شخصية القرصان الأمريكي العالمي بإمكانيات عالمية ..

يجب ان نعترف أن محاربة التقليد ومقاومته طريقة ترفض التقاليد التراثية الدخيلة والمعوقة لأصولها المعرفية وترفض الانفتاج على الآخر إلا أن تكون مسيطرة وقائدة..

أنها مجتمعات قادرة على الاندماج بمجتمعات العالم والتأثير فيه ولديها مناعة قوية مقاومة للثقافات العالمية الغازية .. ثقافة الفرنكفونية دول الاستعمار الفرنسي تتفوق على ثقافتهم التاريخية والثقافة الاسلامية، ثقافة الانجلوساكسونية تسيطر على دول المستعمرات العربية التي أثرت بدورها كحامل وسيط على الدول الأخرى، الثقافة التترية  ما زالت تسيطر على الكثير من المجتمعات العربية .. من يمتلك مقومات الحضارة وينتجها من حقه أن يتبنى ثقافة العولمة والعالمية وحوار الأديان والثقافات والحضارات..وأن يرعى الحقوق والحريات طوعا أو كرها.. فمن لم يكن حرا بنفسه ومحررا لقومه حق عليه أن يكون عبدا لغيره..

الثقافة تعني العمق التاريخي للدولة كظاهرة وصفية تعكس طبيعة المجتمع وتقاليده وأخلاقه ولغاته وحياته الحضارية أي أنها ليست ذات قيمة منهجية وإنما هي وسيلة استظهارية .. بمعنى تقاليدنا الصناعية، مخترعاتنا الحضارية، قيمنا الأخلاقية، معارفنا الذاتية، فلسفتنا الخاصة، أي التميز الذي عندنا وليس لدى الآخرين .. الثقافة تعني أن يقلدنا الآخر طواعية كتقليدنا للثقافات الفرنسية والأمريكية التي تشعرنا بالامتلاء والافتخار عندما نقلدها، عندما نرطن اللغات الاجنبية لنشعر الآخرين بثقافتنا المستعمرة، عندما نشتري عطور باريس وساعات سويسرا، وأجهزة آبل..

فهل الثقافة العربية تعني بالنسبة لنا ثقافة المكر والطعان أم ثقافة التقليد ثقافة الحذق والفطنة؟

ومن الآن وحتى ثلاثين عاما إذا استمرت وتيرة التقليد العربي للعوالم المتقدمة دون قوالب منهجية حضارية وإصلاحات تعليمية عميقة وجذرية ستظل الفوضى في عوالمنا العربية بعد الثلاثينة ولمائة عام قادمة ..

أترك لك أيها المثقف النير هذه المقارنة المحزنة إن كنت عربيا، واترك لك حرية الرد لنعمق هذه الرؤية النقدية بالتواصل معي لبناء هذه المنظومة التصحيحية إن كنت عربيا تشعر بما أشعر به ..

g.alhashimi@yahoo.fr

رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية -فرنسا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here