د. جمال الحمصي: كيف يفكر العقل الغربي الناقد بعد فاجعة كورونا؟

 

د. جمال الحمصي

في ضوء “عولمة” فاجعة كورونا وسرعة انتشارها، من الأهمية بمكان تقصي استجابة العقل الغربي الليبرالي لهذا الوباء في الإعلام التحليلي والمجلات البحثية خلال الشهر الأخير، وتقييم هذه الاستجابة من منظور الأمة العربية والإسلامية.

ففي حين ان بعض الاقتصاديين والبيروقراطيين العرب يرون في الأحكام العرفية الممتدة لسنوات هي “الحل”، يمتلئ الاعلام الغربي حالياً بتشخيصات متعمقة للمشكلة وحلولها المقترحة التي تتجاوز السؤال المغلق: ما الذي سيبرز بعد كورونا: الحرية أم الإستبداد؟!. وضمن مقالين متتابعين، سألخص عينة بارزة من الاستجابة الفكرية الغربية بعناوينها العريضة مع تقييمي الشخصي والسريع.

ما رأي فرانسيس فوكوياما؟

المفكر السياسي المعروف فوكوياما في مجلة “أتلانتيك” يرى بأن الخط الرئيسي المحدد لفعالية الإستجابة والمقاومة لكورونا ليس هو نمط النظام السياسي أو الموازنة بين النظم الديمقراطية وبين النظم الأتوقراطية أو التسلطية، بل هو عموماً قدرة الدولة State Capacity  والثقة تجاهها على وجه الخصوص. مؤكداً بأن النظم التسلطية ستشهد أداء عالياً في بعضها ونتائج كارثية لدى البعض الآخر، وكذلك الحال مع النظم الديمقراطية.

تعليقي الشخصي بأن جدل فوكوياما صائب الى حد كبير لكن بشرط تعميم عامل الثقة لتشمل كافة اللاعبين في المجتمع: أفراداً وشركات ومؤسسات عامة وجمعيات وقبائل وأحزاب وجماعات. نحن هنا نتحدث عن الثقة والتضامن الاجتماعي لكن بمقياس مجتمعي ضخم ومتكامل، أو ما أُفضل تسميته ب”رأس المال الاجتماعي”. يلي عامل الثقة بالآخرين ضمن المجتمع ككل في الأهمية في نظري، الظروف الأولية قبيل الجائحة مثل: متانة الحوكمة العامة ورشد السياسات الاقتصادية والعامة، والموارد البشرية والمالية الفائضة والقابلة للتصرف، ومناعة الاقتصاد ونموه المستدام، ودرجة مرونته وتكيفه بأبعاد مختلفة اجتماعية وتنافسية. أما تحليل فوكوياما حول “نهاية التاريخ” فأصبح بنظري من التاريخ.

يرى الباحث Neil Vallelly في مقالته “الليبرالية الجديدة تحت التهديد” ضمن موقع “اكتشف المجتمع” عودة البعد الاجتماعي بسبب كورونا بعد هيمنة الفردية والأسواق الحرة على المشروع الإقتصادي العالمي. ويعزو الباحث التهديد الواقع على الليبرالية الجديدة ليس الى التدخلات الحكومية الضخمة في الإقتصادات حول العالم خلال الأسابيع الأخيرة والتي يتوقع بالمجمل أن تكون مؤقتة، وإنما الى عودة البعد “الاجتماعي”.

ويقصد بالاجتماعي هنا: الأهداف الاجتماعية غير المرتبطة بالضرورة بغايات الأفراد، وهو ما يسميه الفكر السياسي الكلاسيكي “الخير المشترك The Common Good”. مذكراً بتحذيرات المفكر والفيلسوف فريدريك هايك في كتابه “الطريق الى العبودية” من هيمنة التدخل الحكومي المركزي على إختيارات الفرد ومذكراً كذلك بإنجازات المفكر الاقتصادي كينز في إخراج العالم الغربي من تداعيات الكساد العظيم مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي من خلال تدخلات الإنفاق الحكومي وتخفيف الضرائب .

الباحث أعلاه خلص بأن وباء الكورونا أظهر حقيقة “الاجتماعي” وأيضاً الجانب المظلم من العقلانية الليبرالية، وبصورة أجهزت على هذه العقلانية بعد ظهور الوباء الخفي واستمرار تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية 2008. أما الحلول المجتمعية التي يذكرها الباحث فتتلخص في: الحلول البيولوجية كابتكار اللقاح والحلول الاجتماعية كدعم الأجور ودعم مخصصات القطاع الصحي.

ويتفق هذا الكاتب مع باحثنا الأخير على الحاجة الماسة ل “المجتمع”، وضرورة الابتعاد عن النهج الليبرالي الجديد بصيغته المتطرفة والغربية. لكن من الأهمية عدم تبني الحلول المركزية والتسلطية بصورة رئيسية، بل تبني أيضاً -وبصورة أهم- حلولاً تعاونية وطوعية لا مركزية قائمة على تمتين وبناء رأس المال الاجتماعي في اطار رؤية متكاملة لحوكمة الحوكمة في المجتمعات المعاصرة (أنظر مقال الكاتب في هذه الصحيفة: حوكمة الحوكمة في المجتمعات العربية).

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here