د. جمال الحمصي: كيف نكافح الفساد في العالم العربي؟

د. جمال الحمصي

 مدخل شمولي

تزايد الاهتمام الشعبي والحكومي بمكافحة الفساد في الدول العربية منذ عام 2011 باعتباره العدو الأول للتنمية والنهضة العربية والسبب الأهم في هشاشة الدول العربية وفي اهدار الموارد القُطْرية والدولية في عهد ما بعد “الربيع العربي”.

كما يساهم الفساد في العالم العربي أيضاً في تزايد معدلات الفقر والبطالة وضعف الانتاجية وتفاقم عجز الموازنة الحكومية وبالتالي الهجرة السكانية للشباب نحو العالم الغربي. ولاشك بأن تقرير مدركات الفساد 2018، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية بصورة سنوية، يؤكد تدني مراتب معظم الدول العربية.

لكن ما ينقص هذا الاهتمام الصادق عادة التوصيف الدقيق والتوصيات الناجعة. فالفساد بمختلف أشكاله وألوانه (كالواسطة والمحسوبية والرشوة وسرقة المال العام واستغلال السلطة والهدر والتلوث والاسراف وعدم الامتثال الى القانون) أصبح في واقع الحال أقرب الى الهواء. الكل يحس به أو يستنشقه  لكن الأهم تعيين طبيعته وأسبابه الجذرية وتحديد أفضل السبل لمنع استشرائه.

عادة لا يكون تنامي “الفساد الأعظم” وأقصد بذلك فساد القطاع العام والمؤسسات البيروقراطية، منفصل ومنعزل عن تواجد وتعمّق أنماط أخرى (جزئية أوقطاعية) للفساد في القطاعات الرئيسية الأخرى، وابرزها القطاع الدولي والقطاع الخاص والقطاع العائلي. نحن هنا نتحدث -وان بدرجات ومسؤوليات متفاوتة بالطبع- عن فساد منظومي ومتعدد الابعاد، وبالتالي لابد أن تكون الحلول شمولية قدر الامكان.

ولكي لا أظهر بمظهر المدافع عن الفساد المؤسسي ولو لبرهة، أؤكد بأن “فساد السياسات العامة” هو أهم وأكثر كلفة من الفساد المالي والفساد الاداري، رغم صعوبة التعرّف عليه وتحديده الا عادة بعد ظهور النتائج الكارثية.

فساد السياسات هو “القاتل الصامت” ومن الصعب تحديده بالسرعة المطلوبة والاجماع عليه دون نظرية موضوعية للمعرفة الأخلاقية Objective Epistemology، وهو ما فشلت المنظومة البشرية العلمانية في ابتكاره (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (البقرة: 12)).

فمثلاً الفلسفة الاشتراكية -كأيديولوجيا علمانية واستراتيجيات اقتصادية وسياسية قائمة على النخبوية والعلمية والتخطيط المركزي – كلفت الاتحاد السوفييتي موارد بشرية ومادية ضخمة لكن بعد فوات الآوان!. كما كلفت الدول الحليفة والدول المعارضة لهذه الفلسفة والكتلة الشرقية -على المستوى العالمي- ما يفوق التقدير وربما التصور. حدث هذا رغم ان قطعيات القرآن وسننه رفضت هذه الفلسفة الأشتراكية الدوغمائية منذ ما يفوق 14 قرناً من الزمان.

نعم التاريخ يقول لنا ان “السلطة مفسدة والسلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة” ولا جدال في أهمية مكافحة الفساد الأعظم. لكن هنالك أيضاً على سبيل المثال فساد في القطاع الخاص يرتبط بالاحتكار وغيره من الممارسات المخلة بالمنافسة، بما فيها استغلال الشركات الكبرى لقوتها الاقتصادية (مركزها المهيمن في السوق) والمغالاة في رفع الأسعار. وهنالك أيضاً فساد في القطاع الدولي عندما يفرض بجزرة المساعدات والقروض سياسات ليبرالية دوغمائية تبناها صندوق النقد والبنك الدوليين منذ الثمانينات من القرن الماضي، وهي بالتجربة أما سياسات فاشلة بالفعل أو غير كافية وآيلة الى الفشل.

والخلاصة، عندما يكون الفساد بمعناه العام متعدد القطاعات، لابد من تجاوز الحكمة السائدة والحلول التقليدية القائلة بأن مسؤولية مكافحة الفساد من الأفضل ان يتم توكيلها الى “مؤسسة عامة” واحدة تعمل وفق قانون وحيد. هذا تبسيط لواقع معقد.

المشكلة في هذا الحل المركزي انه يفترض المعرفة والقدرة الكلية لمؤسسة واحدة، وهذا يجد معارضة علمية قوية من قانون معروف في علم السيطرة والاتصال Cybernetics يدعى قانون التنوع المطلوب .Law of Requite Variety

وبافتراض ان موارد لانهائية رصدت لهذه المؤسسة، كما فعلت الاشتراكية للحزب الاشتراكي الأوحد باستخدام القوة الغاشمة، تبقى مسألة: من يُراقب المراقِبْWho Regulate the Regulator؟ المعروفة في نظرية التنظيم الحكومي في علم الاقتصاد.

وهل سيعهد الى هذه المؤسسة -مثلاً- تنفيذ قانون المنافسة ومنع الاحتكار لمنع فساد القطاع الخاص؟ والذي عادة ما يجد حلفاء من القطاع العام. فحسب تعبير الاقتصادي الأمريكي المشهور جامس بوكانان: “اذا فشلت كل من الأسواق والحكومات ]في مكافحة الفساد في المجتمعات المعاصرة[، ما هو البديل التنظيمي؟.”

وعليه، تثبت التجربة الغربية الطويلة في مجال مكافحة الفساد عن أهمية وجود منظومة متناسقة ومتكاملة لمكافحة الفساد، تشمل الحوكمة العامة والمؤسسسات الرسمية وغير الرسمية، وتشمل قنوات اتصال من أعلى الى أسفل ومن أسفل الى أعلى، وتُعنى باستقلال القضاء والاعلام، وتضم العديد من التشريعات التي تدعم الشفافية والمساءلة والموضوعية وحرية التعبير والعدالة والحصول على المعلومة والتدافع المشترك وتعزيز “الضوابط والتوازنات”.

العديد من الدول العربية لا تملك المؤسسات الرسمية القوية والنزيهة، ولا تتمتع برصيد وافر من الثقة ورأس المال الاجتماعي، وينقصها البرلمانات التشريعية الممثلة والمجتمع المدني الحارس والسلطة الرابعة المستقلة، وبالتالي فان الحلول المؤسسية الرسمية الضيقة لا تفيد العرب في مطلع الطريق الوعر نحو مكافحة الفساد بمعناه العام.

وبناء على كل ما سبق، فان الحل الأساسي لمشكلة الفساد في العالم العربي، برأيي، يبدأ بتطبيق الحل القرآني الثنائي: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [الرعد:11] ووصفة الحديث النبوي: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته” من ناحية،  و”وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ” ]البقرة: 251[، من ناحية أخرى.

وهذا الحل القيمي والسُّنني ذو الطبيعة المنظومية يكمله التدابير التنفيذية والآليات التفصيلية ضمن التجربة الغربية ويزيد عليها مكون وقائي جديد: الاخلاق الذاتية والمسؤولية الاجتماعية.

باختصار، الحل الأنجع والقابل للتنفيذ في الوطن العربي لمشكلة الفساد المنظومي هو حل أخلاقي أولاً ، يليه الحل السياسي (سنة التدافع والتحول الديمقراطي الحقيقي)، ومن ثم الحل المؤسسي الرسمي الضيق. واذا تطلب انتعاش الأخلاق وتطبيع “الديمقراطية” سياسة رسمية مُبادِرَة، يصبح الحل ذو طبيعة أخلاقية وسياسية في آن واحد.

* باحث وكاتب أردني

[email protected]

******************

الكاتب في سطور

* من مواليد الاردن (1965)

* دكتوراة في علم الاقتصاد، جامعة ليستر، المملكة المتحدة (2002)

* مستشار وخبير اقتصادي في مؤسسات اقتصادية ريادية في الاردن والكويت

* محاضر غير متفرغ في الجامعة الاردنية ومدرب في معاهد عامة رسمية وشركات استشارية

* كاتب في صحيفتي الغد الاردنية (سابقاً) والمقر الاردنية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here