د. جمال الحمصي: كيف سيقود تحرير المرأة الى فناء الدول الغربية

 

د. جمال الحمصي

بعد اعلان الأمم المتحدة مطلع هذا الشهر بأن فيروس كورونا يشكل أسوأ أزمة عالمية منذ الحرب العالمية الثانية 1945، تهدف هذه المقالة الى تقصي العلاقة السببية طويلة الأجل بين “تحرير” المرأة الغربية من ناحية، وبين هشاشة دولها وفناء شعوبها في نهاية المطاف، من ناحية أخرى.

قد يستغرب البعض العلاقة المزعومة بين تحرير المرأة الغربية وبين هشاشة الدول الغربية وانقراض شعوبها، لكن هذا الموقف الأولي سيزول في نهاية المقال- لمن أراد الموضوعية.

هنالك على الأقل قناتين رئيسيتين للسببية بين ما يُسمى ب”تحرير” المرأة وبين هشاشة الدول وبقائها. القناة الأولى هي بتأثير تحرير المرأة على قرارات الزواج والإنجاب وبالتالي على تدني معدلات تشكيل الأسر والخصوبة والولادة في المجتمعات، وبالتالي قدرة الدول على تعويض وفاياتها الطبيعية والوبائية، وهو سبب جوهري ومتأصل لا يمكن انكاره.

والقناة السببية الثانية هي عامل طارئ لكن مؤلم جداً وقابل للتجدد، وهي قناة تعمل بتأثير انخفاض معدلات الخصوبة والولادة -سابق الذكر- على التوزيع العمري للسكان نحو فئات العمر المرتفعة، وبالتالي على فعالية وقدرة الأنظمة الصحية الغربية على مقاومة تهديد كورونا الحالي والمستقبلي في الدول الغربية.

القناة الأولى واضحة وهي تركز على أثر تحرير المرأة، والليبرالية الاجتماعية عموماً، على قرارات الزواج وتأسيس أسر جديدة وانجاب الأطفال بالعدد الكافي لضمان الإستدامة السكانية. وكما هو معلوم تعاني العديد من الدول الغربية حالياً من معدلات نمو سكاني تقارب الصفر مما يهدد وجودها، خصوصاً في حال غياب هجرة الكفاءات البشرية الأجنبية اليها بالقدر الكافي لتعويض النمو السكاني الطبيعي المتدهور.

وبخصوص القناة الثانية، فلقد قاد تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في التشريعات والسياسات التفصيلية في العالم الغربي الى ظاهرة المجتمع الشائخ، ونعني بذلك تحيز التركيبة العمرية للسكان الى فئات الأعمار العالية.

وكان لهذه الديناميكية السكانية طويلة الأجل تأثيرات عميقة على فعالية وباء فيروس كورونا المتجدد على المجتمعات الغربية والأوروبية خصوصاً بسبب استهدافه لكبار السن وذوي المناعة الهشة من مدمني المخدرات وغيرها، مما شكل وسيشكل تحدياً وجوديا في المنظور الديمغرافي والوبائي. وكذلك سيفرض خسائر بشرية وتكاليف مالية استثنائية بالمقاييس التاريخية على الأقل.

كلا القناتين أعلاه تتطلبان سياسات عامة جديدة وتعديلات سلوكية عميقة في قرارات الزواج والأسرة والانجاب في العالم الغربي، وهي تعديلات يصعب انجازها ضمن نظام الليبرالية الاجتماعية الغربية كما أتصور. كما يتطلب الأمر مراجعة عميقة لتحليل الجندر وافتراضاته وتوصياته وممارساته في العالم العربي!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. بالرغم من سياسات الجندرة ودعمها الخارجي السخي والممتد، تراجع نصيب الفرد من الدخل القومي في العديد من الدول العربية.

  2. للأنسان -فرداً أو مجتمعاً- أن يعتنق ما يشاء من المعتقدات المثالية أو اليوتوبية، بما فيها المساواة والحرية الكاملة والمستحيلة بين الجنسين، لكنه في النهاية سيدفع بالتأكيد نتائج معتقداته المثالية كما تفعل الان مجتمعات “سيداو” وأخواتها، وهذه الملحوظة ليست شماتة ب “الفهمانين” بل تقصياً للدروس ومحاولة لفهم القوانين “الطبيعية” للمجتمعات بعيداً عن اليوتوبية الليبرالية.

  3. مقال يوضح الفرق بين العقلية الحديثة و العقلانية و اعني بها الغربية و العقلية السلفية الشرقية. في الغرب يعتبرون الانسان كيان قاڈم بذاته و هدفه سعادة نفسه و تقرير اسلوب حياته، طبعاً ضمن بعض الضوابط الاجتماعية المتفق عليها. مبدأ المساواة بين المرأة و الرجل ينص عليه القانون كما ينص على ان جسد المرأة هو ملكها الخاص و هي نفسها تقرر ما تفعل به مع احترام لبعض القواعد الاجتماعية. العقلية الشرقية تنفي عموماً صفة الفردية عن اي انسان سواء كان رجل ام امرأة. الانثى في العالم العربي مُهمشة ضمن المجتمع الذكوري الذي يقرر مصير المرأة. الجنس مسكوت عنه و يُصنف في خانة العيب.
    إزدياد الفقر في المجتمعات العربية له عدة اسباب من اهمها مستوى الخصوبة العالي فلكي يحافظ اي مجتمع على مستوى معيشته عليه ان يحصل على نسبة إنتاج قومي اعلى من نسبة التكاثر سنوياً و إذا مال هذا الميزان تكون النتيجة إزدياد نسبة الفقر مع كل ما يتبع هذا التحول من نتائج سلبية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here