د. جمال الحمصي: كلا إن الانسان ليطغى: في أسس أفول المجتمعات ونهضتها

 

د. جمال الحمصي

هذه آية صغيرة حول الطغيان البشري مكونة من اربع كلمات فقط، لكنها تلخص طبائع البشرية ومآسيها في عصر كورونا والأزمات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية. هذا المقال يُعرّف الطغيان تعريفاً عاماً: الأنانية الطاغية والمصاحبة لإستخدام القوة في مختلف الميادين. ومن الأمثلة المعاصرة والصارخة لتداعيات الطغيان: مقتل عشرات الملايين ومعاناة مئات الملايين من شيوعية روسيا (1917-1989) وفاشية إيطاليا (1922-1943) ونازية ألمانيا (1933-1945) التي أسست يوتوبيات علمانية استبدادية تناقض مصالح البشر طويلة الأجل وسنن الله في البشرية والوجود. وبالتالي هذه الآية الصغيرة حول الطغيان عموماً لا تقل في أهميتها عن الآية الوجودية الصارخة التي تصف بعض البشرية: “قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” (البقرة 30).

“آية الطغيان” تؤشر بموضوعية الى أولويات الإصلاح: (1) أولوية إصلاح النفس البشرية وتزكيتها، و(2) ضرورة تصميم وتطبيق المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تروض الأنانية والقوة البشرية معاً. الغرب عموماً حقق تقدماً جوهرياً في الشأن الثاني رغم انتكاسة الشعبوية مؤخراً، لكنه فشل في الشأن الأول بسبب جمود عقائدي. العالم العربي فشل عموماً في الشأنين لأسباب معروفة.

آية الطغيان هي آية عامة تنطبق على الذكر والأنثى وعلى الجنس البشري في شتى الأزمنة والأمكنة منذ بدء الخليقة حتى عصر الظلام الجديد في مطلع الألفية الثالثة، وتعكس في واقع الحال الحسابات العقلية/ العلمانية الخاطئة المتبناة بعيداً عن قوة الله وجبروته وسننه الربانية. 

أمثلة أخرى على الطغيان، ربما أقل صراخة من أعلاه: عندما تدمن الشركات ورجال الأعمال على رشوة البيروقراطية الحكومية لترويج الغذاء الفاسد والأفكار الفاسدة، وعندما تستبد السلطة وتُمعن في قهر الشعب المظلوم وتحرّم التغيير المنشود بشتى الطرق، وعندما يطغى التاجر المستورد أو مهندس المجمعات السكنية في الكيل والميزان على الدوام، وعندما يتجاوز الأبن المغرور حدوده في عقوق ابويه الهَرِمَين. في هذه الحالات الأربعة وغيرها يسود الطغيان في المجتمع وتبدأ الأمم والدول والحضارات بالأفول. وهذه الأمثلة الأربعة هي ليست قائمة حصرية بميادين الطغيان البشري ومجالاته وأشكاله المتنوعة، لكنها تمثل أبرزها. هي أمثلة تساند في التأكيد على أهمية الإستقامة والأخلاق المقدسة مقابل الأنانية والعقلية العلمانية.

فالطغيان -أي العلو والظلم والفساد الممتد وتجاوز الحدود باستغلال القوة غير المتكافئة- لا ينحصر في ميدان السياسة فحسب على أهميته وتأثيراته الواسعة والكارثية على مستقبل الأمم (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ: طه 2﴾، بل يشمل أيضاً الاقتصاد والحقوق (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ: الرحمن 8﴾ والاجتماع (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَٰذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ: الطور 32﴾ والأسرة (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا: الكهف ٨٠﴾ وحتى البيئة الطبيعية. كما ان الطغيان قد يكون على مستوى جزئي (فردي) أو مؤسسي أو قطاعي أو كلي (المجتمع ككل بكافة أفراده ومؤسساته وقطاعاته).

في كتابه القيّم “التفسير الاقتصادي للقرآن الكريم”، يُصنّف د. رفيق المصري آيات القرآن الى آيات معيارية وآيات وصفية (مثل آية هذا المقال): “ومن المعلوم ان في القرآن أحكاماً أو مقولات قيمية (افعل أو لا تفعل).. ومقولات وصفية، تصف الواقع والفطرة ]والمجتمعات[ البشرية، من دون أمر ولا نهي”. ويعقب د. المصري سريعاً فيقول: “المقولات الوصفية قد تعني عند علماء الشريعة: الأحكام الكونية.. والمقولات القيمية قد تعني عندهم: الأحكام الشرعية” (ص:44). 

لا أعلم سبباً لهيمنة فقه الأحكام القيمية أو الأخلاقية أو التوجيهية على علوم الشريعة، وتجاهل علوم الدين، قديماً وحديثاً حتى وقت قريب، للأحكام الوصفية أو التقريرية، مع أن المصدر الأول للشريعة وهو القرآن يحوي كلا الأحكام والآيات، دون الدخول في جدال التوزيع النسبي؟.

فعندما يقول تعالى: “كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ” (العلق، 6) فان القرآن هنا لا يفرض حكما أخلاقياً أو يُعلن تشريعاً أو يصرّح بحكما فقهياً، لكنه يقرر ما لا يقل أهمية: حقيقة وجودية وسنة كونية، ليست فقط تتسم بالقطعية والإطراد والعالمية بل وتخدم فقه بناء الأمم ونهضة الدول. هي جزء من “الفقه الأكبر” والمنسي.

لكن ما تأثير هذه الآية وأمثالها على أبرز علوم الشريعة (وبالتالي على السياسات الشرعية العامة) منذ تأسيسها وتدريسها حتى وقتنا المعاصر؟ وفي أي الكتب والموسوعات والدورات التدريبية والمساقات الشرعية تدرّس هذه الآية بعمق وتفصيل بمدلولاتها الثرية وآياتها المكملة؟ في فقه الشورى؟ أم في علم الحوكمة العامة من منظور قرآني؟ أم في فقه السنن الألهية؟ أم في فقه التدافع والإستبداد؟ 

ليس في أي منها، وربما ينحصر الأمر في تفسيرها اللفظي المختصر والمختزل دون تصنيف كتب متكاملة حولها. يحدث هذا رغم ان فقه السنن الإلهية مثلاً هو مخزن للحكمة القرآنية العابرة للأزمنة والحضارات البشرية.

هذا يؤكد على أهمية التفسير الموضوعي للقرآن (أي تفسيره حسب الموضوع وليس حسب الآية أو السورة) عموماً، وأهمية فقه السنن الربانية في الحياة والوجود والمجتمعات والحضارات على وجه الخصوص.

وفي المقابل، ماذا يحصل للمجتمع بكافة أفراده ومؤسساته عندما يهيمن الطغيان بكافة أشكاله؟ النتيجة هي أن يصبح الجميع بوضع أسوأ بالمقارنة مع وضع “عدم الطغيان” حسب نظرية المباريات الحديثة Game Theory.

فهناك الكثير من الأوضاع المجتمعية التي تتسم بما يلي: (1) اللاعب (الفرد أو المؤسسة) يملك تفضيلاً شخصياً يعكس مصلحته الذاتية والضيقة والسريعة فحسب (2) إذا ما اتخذ كل لاعب (فرد أو مؤسسة) قراره اعتماداً على هذا التفضيل الشخصي المتحيز، فإن النتيجة الإجمالية لهذه المباراة هي أن يصبح جميع اللاعبين بوضع أسوأ، مقارنة بالوضع الذي يلتزم فيه كل فرد أو مؤسسة منهم بالصالح العام أو الخير المشترك. 

مثل هذه الأوضاع المجتمعية السائدة تعرف بـ “معضلة السجناء” في نظرية المباريات، وتتميز بوجود تناقض بين مصلحة الفرد والمؤسسة من ناحية، وبين مصلحة الدولة والمجتمع من ناحية أخرى. حيث تقود الأنانية والأهتمام حصراً بالمصلحة الذاتية الى نتيجة جماعية سيئة بوضوح بالمقارنة مع بديل التعاون والتضامن من قبل الجميع. هذا يذكرنا من جديد بمختلف المعضلات الجماعية التي يعاني منها كوكبنا، الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية والأسرية والوبائية. 

لكن كيف نروض الطغيان؟ حلول الطغيان في القرآن والسنة عديدة وعلى مستويات عدة، تشمل: النهي عن الغرور على المستوى الشخصي والمؤسسي والحزبي والعلماني والديني، وزرع مخافة الله في الراعي والرعية من خلال مؤسسات المجتمع بما فيها الأسرة والمدرسة والإعلام، وقبول مبدأ التدافع المشترك بين الفرقاء (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ: البقرة 251)، وتطبيق مبدأ الأمر بالشورى والتواصي بالحق، والتمسك بالقطعيات والتسامح في الظنيات، ومنع الإحتكار وتنظيمه وتشريع قوانين المنافسة الاقتصادية، وتقليل التفاوت في توزيع الثروة، وتحريم استغلال الرشوة والسلطة، والسماح بتأسيس منظمات حقوق المستهلك والعامل، والسماح للأحزاب ضمن قطعيات الوحدة القرآنية.

فترويض الطغيان يبدأ بتزكية النفس وإصلاحها بدءاً من الأسرة والأم، ومروراً بمؤسسات التطويع الاجتماعي مثل الروضة والمدرسة والمنصة الاعلامية، وانتهاءً بالتشريعات الوقائية والدساتير العادلة التي تضمن “الضوابط والتوازنات” والتعددية البناءة في المجتمع. هكذا تُبنى الأمم وترتقي المجتمعات البشرية.

وعلى مستوى أعلى، وحسب تعبير الاقتصادي الأمريكي جامس بوكانان الحائز على جائزة نوبل: “اذا فشلت كل من الأسواق والحكومات ]في ترويض الطغيان[، ما هو البديل التنظيمي؟” (Buchanan, 1975). لم تستطع العلوم الإجتماعية حتى وقت قريب الإجابة المقنعة والشاملة على هذا السؤال الإستراتيجي، رغم أنه عامل رئيسي كامن وراء هشاشة العديد دول العالم وإخفاقها في أداء وظائفها الأساسية، خصوصاً بعد الأزمات المالية والإقتصادية والوبائية العالمية. 

لكن، من المسؤول الأول عن قرع الجرس وزرع الثقة في الأسواق والحكومات من جديد في العالم العربي: تحويل النفوس الأمّارة بالسوء الى نفوس مطمئنة وضمان تنفيذ قواعد أخلاقية وعادلة وشرعية للمباريات المجتمعية بأصنافها وميادينها؟ بكلمات أخرى، من المسؤول عن بناء “رأس المال الاجتماعي” و”إسمنت المجتمعات” في الدول وحمايته من التآكل والتدهور المتفاقم في العالم العربي؟ 

أعتقد بأن الإجابة هي أن الجميع مسؤول لكن بقَدَر المقدرة والموارد المتاحة. في كافة الحالات، فان المنطلق لإنعاش الأخلاق والأسواق والإقتصادات هو ليس بالتأكيد في الليبرالية الجديدة ولا في “التسلطية الجديدة”. في عصر كورونا القاسي، فان قانون التنوع المطلوبLaw of Requisite Variety في علم السيطرة والإتصال لا يزال سارياً وبفاعلية في العالم العربي، رغم أن “اليد الخفية” والفردية الطاغية قد أخفقت بوضوح في هذا العالم متزايد الهشاشة.

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. الموضوع حلو ومتشعب لكن لفت نظري وضعك الكره في ملعب الام. ؟؟؟؟
    اين الاب والدور الذكوري في التربيه والاخلاق … علينا نحن الاباء الدور الاكبر في استيعاب الام والاسره … الام تهز العالم بالحب والعنايه والمتابعة بما يضمن انوثتها
    لكن الصفات الذكوريه من الاب …
    فيكفي إلقاء اللوم على الآخرين ..
    مع جميل ما كتبت لكن احسست بعنصر إلقاء اللوم على الامهات …
    مع احترامي …..
    شكرا للكاتب ..

  2. رائع، رائع! كم أصبتَ، بل كم أصمَيْت!
    جزاكم الله خيراً جزيلاً عميماً.

  3. شكرا للمعلق الكريم .. رغم الوجود المتزايد للعديد من الدراسات القرانية التي تنتهج المدخل الموضوعي عموما في العقدين الاخيرين، لا تزال ميادين ذات اولوية مثل فقه الشورى والحوكمة العامة بحاجة الى دراسات موسعة ومعمقة، بحجم كتاب او رسالة دكتوراة، تستند الى نصوص القرآن المجمعة ومقاصده وقواعده وسننه العامة.

  4. بوركت على مقالك ….اجمل تفاسير للقرآن ….اولا …نحو تفسير موضوعي للقرآن للشيخ محمد الغزالي ….وثانيا …الظاهره القرآنيه لمالك بن نبي ……وسيد قطب في ظلال القرآن …..جزاك الله كل خير في الدنيا والآخره والسلام على من اتبع الهدى …..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here