د. جمال الحمصي: حوكمة الحوكمة في المجتمعات العربية

د. جمال الحمصي

يحيا العالم حالياً حالة واضحة من الهشاشة وسوء التنظيم، والفساد وعدم العدالة، واخفاق الحكومات وتفاقم المعضلات الجماعية، وذلك على مستوى العالم ككل، وخصوصاً على مستوى العالم العربي والاسلامي.

وما أحداث تفكك الاتحاد السوفييتي، والأزمات المالية والاقتصادية العالمية، وتقلب السياسات الأمريكية، والتحولات العربية، والتغيير المناخي العاتي، وسباق التسلح وتفاوت الثروات، والحروب التجارية، ومخاطر الهجرات القسرية والتقنية الرقمية وأحداث فرنسا مؤخراً ببعيدة عن أذهاننا.

يتحدث المتخصصون عن الحوكمة Governance ويقصدون بها بشكل عام: نهج ادارة أو طريقة تسيير المنظمات. فهم يتحدثون عن حوكمة الشركات أو المنظمات الكبيرة أو حوكمة الأسواق المالية أو حتى الدول (مؤشرات البنك الدولي مثلاً)، لكن الاهتمام الأحدث هو حول “حوكمة الحوكمة” أو الحوكمة العليا Meta-Governance، فما هو المقصود بهذا المصطلح السحري؟

الحوكمة العليا هي الحوكمة العامة في حدودها القصوى: هي حوكمة المجتمعات ككل، بشركاتها ومنظماتها غير الربحية وأسواقها وجامعاتها ومحافظاتها وبلدياتها وحكوماتها ومؤسساتها وجماهيرها ونخبها واحزابها وجماعاتها وعائلاتها وشبكاتها الرقمية وغير الرقمية!. وترتبط الحوكمة بالمقدرة على التنفيذ وتحصيل النتائج المتوخاة وتحقيق الأهداف النهضوية والتنموية.

الحوكمة العليا هي باختصار نهج حديث في علم الحوكمة يرى امكانية تحقيق نتائج وسياسات عامة أفضل من خلال تصميم وادارة وتنسيق مزيج أمثل من آليات عليا ومتباينة للحوكمة.

الأدبيات الحديثة للحوكمة العليا تؤكد على أربع أساليب أو آليات تقليدية  لحوكمة المنظمات/ المجتمعات، لكن هذا المقال يؤكد على آلية خامسة “مهجورة”، وهي كالتالي: (1) السوق والمنافسة وحوافز الأسعار، و(2) البيروقراطية والتسلسل الهرمي Hierarchy والامتثال للتشريعات والتدخل الحكومي، و(3) التشبيك Networks والحوكمة التشاركية والديمقراطية والتدافع المشترك للفرقاء Partisan Mutual Adjustment، و(4) التواصل والحوار والاقناع، وأخيراً (5) التعاون والأخلاقيات العامة والفضائل الاجتماعية، أو بتعبيرات أكثر فنية: رأس المال الاجتماعي والخير المشترك الموضوعي.

الآليتان الأولى والثانية تشكلان الآليات التقليدية للحوكمة وقد اشبعتا دراسة وتطبيقاً في الفكر الغربي الحديث، لاسيما في علم الاقتصاد. الآلية الثالثة يتم التركيز عليها مؤخراً في فكر الحوكمة في العصر الرقمي، رغم أن عالم السياسة تشارلز لندبلومC. Lindblom  قد أكد على نمط منها في فكر السياسة العامة منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي.

الآلية الرابعة هي هامة في حالات بعينها لكنها قد تكون مكلفة عند استخدامها على نطاق واسع في المجتمعات الكبيرة المعاصرة. أما الآلية الخامسة، فيمكن بسهولة تسميتها ب”الآلية المهجورة” رغم ان المفكر الغربي فرانسيس فوكوياما وغيره قد أكد عليها في في كتابيه المشهورين “الثقة” و”التصدع العظيم”.  .

للأسف، ركز الفكر الاقتصادي الغربي على نوعين رئيسيين فقط من آليات الحوكمة: الأسواق الحرة (المنافسة) والآلة الحكومية (التشريعات والسياسات العامة) وتجاهل بقية الآليات.

أثبتت التجارب الدولية في القرن العشرين أن التحول الهيكلي من آلية السوق الى آلية التدخل الحكومي (أو العكس)، والتركيز على احداها دون الأخرى (بل والاكتفاء بكلاهما أيضاً) هو توجه استراتيجي غير عقلاني وغير مستدام بل ومكلف مالياً على صعيد الموازنة العامة، كما سيتبين في نهاية هذا المقال. وبالتالي، ليس صحيحاً تقزيم مسألة الحوكمة العليا بهيمنة أو كفاءة المركزية على اللامركزية (أو العكس) كما يدعي البعض.

فبعد أن أثبتت التجربة الغربية والشرقية أن أياً من السوق أو البيروقراطية  غير قادرة -على انفراد- على حوكمة المجتمعات بفاعلية، خصوصاً بعد الكساد العظيم (1929) وبعد توصيات المفكر والاقتصادي المشهور “كينز” في نظريته العامة في التوظيف (1936)، اقترح الاقتصاديون الغربيون مفهوم اقتصاد السوق المختلط (الهجين) وسياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث للأسواق دورها في الاستثمار وتخصيص الموارد وللحكومات دورها في توزيع الدخل وفي تأمين الأطار القانوني والمخاطر وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي.

لكن هذا الخيار الثنائي، والهجين، في الحوكمة العليا لم يستمر في النجاح. ففي مطلع  الثمانينيات من القرن السابق وتحديداً في عهد تاتشر وريجان، مال ميزان فكر الحوكمة الغربية الى الأسواق الحرة في اطار ما يُعرف بمذهب الليبرالية الجديدة. فجاءت الترويج الفكري لفلسفة التخاصية وازالة العوائق التنظيمية Deregulation وتحرير التجارة الدولية والأسواق المحلية من التدخل الحكومي (بما فيها ازالة الدعم الحكومي)، وتبناها صندوق النقد والبنك الدوليين في برامج الاصلاح والدعم المالي الى الدول العربية. والنتيجة العامة كانت ضعيفة في العالم العربي والاسلامي على وجه الخصوص، حتى على مستوى الكفاءة والاستدامة المالية، ناهيك عن عدم العدالة الاقتصادية وسوء التنظيم الاجتماعي.

الوضع الراهن -في عصر ما بعد الحداثة- أقل ما يقال عنه انه يتسم بالغموض. فاذا فشلت السياسات الاقتصادية الكينزية وحديثاً سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين في تأمين “طريق وسط صحي” بين حوكمة التدخل الحكومي الشامل (الاشتراكي) وحوكمة الأسواق الحرة (الرأسمالي) في اطار الاقتصاد المختلط، فالى أين الاتجاه الصحيح؟ هل آليات التشبيك والحوار قادرة على احداث فرق جوهري في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأسري والبيئي، أم المطلوب آليات اضافية ومكملة أكثر فعالية؟

وحسب تعبير الاقتصادي الأمريكي جامس بوكانان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد: “اذا فشلت كل من الأسواق والحكومات ]في حوكمة المجتمعات المعاصرة[، ما هو البديل التنظيمي؟”. بكلمات أخرى، أين هو الاتجاه المستقبلي الصحيح في مجال الحوكمة الفعالة؟ هذا هو سؤال التريليون دولار في مجال الحوكمة العليا.

عموماً، تعاني الدول العربية من ضعف المنافسة وهيمنة التشوهات في الأسواق الاقتصادية لعدة أسباب، كما انها ذات ترتيب متدن نسبياً في مجال الادارة العامة ونوعية المؤسسات الحكومية، ويغلب عليها ضعف التشبيك والمجتمع المدني والحوكمة التشاركية، وبالتالي تعاني العديد من هذه الدول من مراتب دنيا في مؤشر الدول الهشة (سابقاً مؤشر الدول الفاشلة حسب تصنيف صندوق السلام).

بعد هذا الملخص المركّز للحوكمة العليا، تتركز المساهمة الأساسية لهذا المقال في الربط بين آليات الحوكمة العامة وبين قانون معروف في علم الاقتصاد يسمى قانون تناقص الغَلّة (العوائد أو النتائج)        Law of Diminishing Returns.

قانون تناقص الغلة هو قانون معروف في علم الاقتصاد ونظرية الانتاج وينص على تناقص عوائد أي عنصر انتاجي (العمل أو رأس المال) عندما نزيد من كمياته باضطراد، بافتراض ثبات بقية عناصر الانتاج. أي ان هنالك حدوداً “طبيعية” لعوائد أي عنصر انتاجي منفرد نُسرف في استخدامه.

فالاستخدام المتزايد لآلية السوق الحرة -منفردة- كما دعت الليبرالية الجديدة ووصفات صندوق النقد والبنك الدولي يُخضع هذه الآلية مع مرور الزمن الى تناقص متزايد في عوائدها على المجتمعات، بحيث تصبح في نهاية المطاف عبئاً -مالياً وتنظيمياً- على فعالية الحوكمة العليا في المجتمع ككل، وهكذا الحال مع آلية التدخل الحكومي المركزي في انتاج السلع العامة كما حدث مع النظام الاشتراكي، أو حتى آليات الاقتصاد الرأسمالي المختلط عندما تفشل كل من الأسواق والحكومات في علاج مظاهر الاخفاق النظامي أو المنهجي Systematic Failure لكلاهما.

مضامين هذا الربط بين الحوكمة العليا وقانون تناقص الغلة واضحة: يحتاج العالم ككل، ودول العالم العربي والاسلامي على وجه الخصوص، الى: (1) استحداث وتطوير وتطبيق آليات حوكمة جديدة غير مستخدمة سابقاً و(2) تحسين كفاءة آليات الحوكمة القائمة، وذلك بغية ضمان حوكمة عليا ونتائج وسياسات عامة أفضل للمجتمعات العربية المتغيرة في القرن الحادي والعشرين، بعيداً عن الليبرالية الجديدة (اليد الخفية) والبيروقراطية المتثاقلة (اليد الثقيلة).

وبناء عليه، يقترح هذا المقال: تعزيز دور الحوكمة التشاركية ومساهمة “اليد الأخلاقية” كآليات مكملة للسوق والدولة في تسيير المجتمعات وبناء الدول القوية والمستقرة.

والاصرار على تجاهل الحوكمة التشاركية واليد الأخلاقية ليس فقط غير مجد وغير مستدام، بل هو أمر يتناقض مع سنن الحياة: علم الحوكمة العليا وقوانين علم القرآن التنموي وقانون التنوع المطلوب وقانون تناقص الغلة.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. شكرا دكتور على مشاركتنا موضوع حوكمة الحوكمة.

    نحن، كأمة مسلمة، نرى للاخلاق دور جوهري في نهظة قوم ما.

    الغرب لم يتمكن من ايجاد دور لها ( اللهم منذ سنوات غير بعيدة خرجت بعض الفكار الغير الجادة حول ethics , و شيء ما يشبه هذا مع النمو المستدام).

    والسؤال هل يجب الانتظار قرن من الزمان ليأتي فيما بعده الناس و يؤرخوا ” لقرن الأخلقة” ، فرضا ان الصراع الطبقي يمكن ان ينتج لنا منظومة اجتماعية متخلقة.

    والسؤال الاخر الموجه هذه المرة لنا، ما هي الاجراءات العملية التي تسقط الاخلاق على واقعنا.

    وقبل كيف لنا ان نحدد ما هي الاخلاق.

    ارى، في عملية فكرية اولية، يجب على دولنا الحديثة ان تعترف بالمباديء الكبرى للاسلام : اركان، … كأن مثلا يتم دسترتها. هذا المنهج يمكن ان يعطي صبغة اخلاقية على الحكومات والمؤسسات.

    انه مشروع كبير على المفكرين ومهندسي النظم الاجتماعية ولم يتبقى من الوقت المتسع…، لكن سوف تتقبله الشعوب المسلمة، كيف لا و قد قاومت الليبيرالية المتوحشة وغيرها من النظم اللاخلاقية الى يومنا هذا رغم الهجمة الشرسة التي قامت بها وسائل التقنية الجديدة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here