د. جمال الحمصي: بعيداً عن الأيديولوجيا: هل عمل المرأة السوقي متطلب للنمو الاقتصادي؟

 

د. جمال الحمصي

منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، أطرش الاعلام العربي آذاننا حول مساهمة “عمل المرأة” في التنمية الاقتصادية  المتسارعة والمستدامة في العالم العربي. ورغم مرور نحو خمسين عاما على شعارات الجندرة والمساواة والتنمية الموعودة والمفقودة، لا يزال البعض يصرّ ويؤكد ان هذا العمل هو شرط ضروري ومتطلب أساسي للتخلص من التخلف الاقتصادي في الدول العربية؟.

ولم تقتصر الموجات الترويجية المتلاحقة على الاعلام المحلي وتوجهات السياسة العامة العربية، بل تعدتها الى برامج ومشاريع العديد من المؤسسات الدولية والجهات المانحة المؤثرة في أجندة السياسات العامة وبتمويل سخي قل مثيله!. وفي حين قد يجد المحلل المحايد بعض العذر لغير المختصين الساعين وراء الشعارات، لكن هذا لا ينطبق على الاقتصاديين والخبراء والمؤسسات الدولية.

ويبدو وكأن الثمار الاقتصادية “اليانعة” لوصفات الليبرالية الاقتصادية وصندوق النقد والبنك الدوليين قد نضجت وفاح شذاها في معظم أرجاء العالم العربي، قبل عام 2011 وبعده، بما فيها القضاء على البطالة والمديونية العامة والفقر المدقع والنسبي، علاوة على حماية الطبقة الوسطى ودعم النمو التشاركي. وهذه “الانجازات” حفّزت برامج الصندوق التركيز -مؤخراً- على التدخل في مجالات اجتماعية تتجاوز الاقتصاد البحت الى الاسرة وقرارتها الشخصية وتشريعاتها بشكل مباشر أو غير مباشر.

اذ بتفحص آخر ثلاثة تقارير رسمية عربية لصندوق النقد الدولي تهدف الى تشخيص ومتابعة “اصلاحات” ثلاث دول عربية هامة، تأكد للكاتب التزام الصندوق بدعم سياسات ليبرالية لتحفيز المرأة العربية مؤخراً على زيادة مساهمتها في العمل السوقي (تمييز له عن العمل المنزلي أو التطوعي).

وفي عصر ما بعد الحداثة، فان تسويق وتسويغ مزيد من السياسات الليبرالية “الاصلاحية” في العالم العربي ينبغي ان لا يمر دون نقد وتمحيص صارمين. وهذا هو الهدف النهائي للمقال. فالتداعيات السلبية واسعة الأثر لمبادئ “الليبرالية الاقتصادية الجديدة”، بما فيها الخصخصة وازالة الدعم وتحرير الأسعار والأسواق والتجارة الدولية، ينبغي تقييمها بعمق قبل الموافقة على المزيد من سياسات تعزيز الليبرالية الاجتماعية، وادماج “الجندر” في “الفوضى الخلاقة” المصاحبة للمذهب الليبرالي.

وقبل ان يقفز البعض الى الاستنتاجات القاطعة، لا يهدف هذا المقال الى اصدار حكم أخلاقي مطلق، صريح أو ضمني، مفاده ان “عمل المرأة السوقي هو أمر سيء دوماً وابداً”، لكنه يهدف الى اثبات ان “عمل المرأة السوقي ليس أمراً جيداً بالضرورة من منظور النمو الاقتصادي”. اذ لا يمكن اختصار قضية عمل المرأة السوقي بنتائجها الاقتصادية البحتة، وهنالك أبعاداً أخرى هامة على الأسرة والمجتمع، تطال استقرار مؤسسة الاسرة ورفاهيتها واستدامتها وبالتالي استدامة المجتمع ككل، كما تُنبئ التجربة الغربية.

وفي الواقع، فان معظم الكتابات التي تبحث في العلاقة بين عمل المرأة السوقي وبين النمو الاقتصادي تأخذ طابع الاستنتاجات الفورية أو المسبقة وتؤكد على قوة العلاقة بين العاملين قيد البحث دون ان تثبت ذلك بشكل تجريبي أو تفصيلي. ومن النادر ان نجد دراسة علمية تحليلية تستقصي الآثار الاقتصادية والاجتماعية المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن عمل المرأة السوقي، اذا ما طبق كسياسة عامة أو قرار جماعي، ونتائجها على الرفاهية الاقتصادية والاسرية والاجتماعية.

يهدف هذا المقال الى دراسة العلاقة السببية بين عمل المرأة السوقي وبين النمو الاقتصادي في العالم العربي، ويُقصد بالنمو الاقتصادي: الزيادة في كمية السلع والخدمات المنتجة في الاقتصاد العربي كمؤشر للرفاهية الاقتصادية. وكذلك يهدف المقال الى اختبار “الفرضية” القائلة بوجود علاقة طردية وقوية بين زيادة نسبة مساهمة المرأة العربية في قوة العمل وبين النمو الاقتصادي العربي.

المتحمسون لعمل المرأة خارج القطاع العائلي أو التطوعي يؤكدون على قوة العلاقة بين المتغيرين قيد الدراسة من خلال التركيز على اعتبار المرأة مخزوناً غير مستغل من القوة العاملة يمكن الاستفادة منه في “الانتاج” وزيادة معدلات النمو الاقتصادي. ومن خلال هذا التبسيط يخلصون الى ان العلاقة بين المتغيرين هي علاقة قوية وطردية بداهة. لكن ما يعتبر بدهية عند مستوى معين من التحليل يمكن ان يصبح فرضية قابلة للنقاش أو حتى الرفض عند مستوى أرقى من البحث.

النقاط الستة التالية تلقي مزيداً من الضوء والحقائق على الموضوع، وتشكك في فرضية الارتباط الوثيق بين عمل المرأة السوقي (خصوصاً الأم) وبين النمو الاقتصادي في الاقتصادات العربية، على عكس ما توحي اليه توصيات المؤسسات الدولية:

  • ان المرأة المتزوجة وربة المنزل تقوم ضمن نطاق الاسرة بانتاج السلع والخدمات المنزلية، سواء أكانت سلعاً وخدمات استهلاكية كاعداد الطعام الصحي وترتيب المنزل (بدلاً من الخادمة غير العربية) وتنظيف الملابس وكيها (عوضاً عن محل “الدراي كلين”)، وكافة هذه الأنشطة هي أمر تطوعي شرعاً بالأصل. وتقوم المرأة الأم أيضاً بانتاج سلع استثمارية على شكل تربية الأطفال ومدهم بالتدفق العاطفي وتعليمهم اللغة والأخلاق والمعايير الاجتماعية بما فيها اتقان العمل (وهو أمر واجب شرعاً). وبالتالي، فان المرأة العربية تساهم في الانتاج والنمو الاقتصادي. كل ما هنالك ان حسابات الدخل القومي في الدول العربية لا تأخذ هذه السلع والخدمات المنزلية وغير المعروضة في الأسواق بعين الاعتبار في الدخل القومي لقصورها عن ادماج السلع غير السوقية ضمن احصاءات الناتج المحلي الاجمالي.

  • من العيوب التي يتسم بها الناتج المحلي الاجمالي كمؤشر لمستوى المعيشة انه لا يدخل في حسابه وقت الفراغ، والذي يعتبر من العوامل الهامة في تحديد الرفاهية الفردية. كما انه يعتبر حسب حقل اقتصاديات العمل احد السلع المتفوقة Superior Goods التي يسعى الفرد الى استهلاك المزيد منها واشباع حاجته منه كلما ازداد دخله، ومن هنا فان زيادة عدد ساعات عمل المرأة الام في السوق مع انه قد يؤدي الى زيادة السلع والخدمات السوقية الا انه يقلل من سلعة وقت الفراغ لدى المرأة، تلك السلعة العزيزة على الاطفال والزوج والمرأة نفسها. اذ ان مشكلة ضيق الوقت مشكلة مزمنة بالنسبة الى الام العاملة كما أثبتت ذلك الدراسات الميدانية. هنا تذكر مراجع اقتصاديات العمل ان زيادة أجر رب الاسرة أو الزوج يمكن ان تؤدي الى ان يستخدم هذا الجزء الاضافي من دخله لكي “يشتري” به وقت فراغ زوجته وتستمتع الاسرة كلها بهذا الوقت.

  • ان العلاقة بين عمل المرأة السوقي وبين النمو الاقتصادي يمكن تقصيها بشكل أوضح اذا ما علمنا مسببات النمو الاقتصادي. يقسم علماء الاقتصاد أسباب النمو الاقتصادي الى قسمين رئيسيين هما:

أ- العوامل النوعية ويدخل تحت هذا القسم التقدم التقني وزيادة انتاجية عناصر الانتاج.

  • العوامل الكمية: اي الزيادة في كميات عناصر الانتاج من: رأس المال وعمل وتنظيم، الى جانب الأرض والبنية التحتية.

بادئ ذي بدء، فان مجرد النظر الى تلك العوامل يؤكد أن العلاقة بين عمل المرأة السوقي وبين الدخل القومي هي علاقة غير تامة أو تناسبية. وذلك ان الكثير من المتحمسين لعمل المرأة خارج منزلها يعتقدون خطأ انه يمكن “مضاعفة” الناتج المحلي الاجمالي اذا ما التحقت المرأة العربية بسوق العمل اعتمادا على مقولة أن المرأة تشكل “نصف” المجتمع العربي.

ان هؤلاء الذين يظنون بالفكرة السابقة يعتقدون خطأ بأن عنصر العمل هو العامل الوحيد المحدد للنمو الاقتصادي، ولكن العمل في الواقع هو فقط أحد العوامل المسببة للنمو الاقتصادي، فهنالك رأس المال والتكنولوجيا والادارة والأرض وزيادة الانتاجية.

وقد أثبتت الدراسات الاحصائية في حقل الاقتصاد القياسي Econometrics   ان التكنولوجيا وزيادة الانتاجية (العوامل النوعية) هي السبب الرئيسي للنمو الاقتصادي في الدول الصناعية، في حين تفسر العوامل الكمية الجزء المتبقي الأقل من النمو.

ومع ان التكنولوجيا لا تساهم في النمو الاقتصادي لدى الدول العربية بنفس المدى الذي تساهم به في الدول الصناعية لأسباب متعددة الا ان تلك الدراسات الاحصائية تثبت على الأقل ضعف العلاقة المتوهمة بين عمل المرأة الغربية وبين النمو الاقتصادي في العالم الصناعي.

وحتى ان كان عنصر العمل يشكل احد العوامل الرئيسية للنمو الاقتصادي في الدول العربية فان هذا العنصر يبقى احد العناصر الانتاجية الوفيرة في هذه الدول بحيث انها لا تحتاج، بدون حدود، الى مزيد من القوة العاملة النسائية في مختلف القطاعات، كما انه يمكن احلال رأس المال وانتاجية العمل محل هذه القوة العاملة اذا كانت الدولة العربية تعاني من نقص في عنصر العمل.

  • وما هو تأثير عمل الأم السوقي على العوامل النوعية سالفة الذكر؟

عمل الأمهات سيعمل على تخفيض الانتاجية العامة للاقتصاد العربي في الأجل الطويل. لكن ما الدليل العلمي على هذا الزعم؟ وهل انتاجية المرأة أقل من انتاجية الرجل؟!

مع انه من الصعوبة بمكان قياس انتاجية العامل والعاملة والمقارنة بينهما من الناحية العملية لكن وجد في نظرية “رأس المال البشري” ان السبب الرئيسي لانخفاض معدلات الاجور للنساء، عالمياً، مقارنة بمعدلات الأجور للرجال انما يعود الى ارتفاع انتاجية الرجل مقارنة بالمرأة. لكن كيف تنبأت هذه النظرية بذلك في ضوء صعوبة عزل انتاجية المرأة عن انتاجية الرجل في منظمات الأعمال والقطاع العام؟ السبب يعود الى ارتفاع معدلات “دوران العمل” لدى المرأة العاملة الأم مقارنة بالرجل وتدني مستوى التدريب اثناء العمل لديها، وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو التزامات المرأة العاملة بأدوارها كأم وزوجة وربة منزل.

وهذا يفسر انخفاض الانتاجية النسبية والاجر النسبي للمرأة مقارنة بالرجل المتفرغ للعمل السوقي. وقد أثبتت دراسة أمريكية ان المرأة الأمريكية تخرج من سوق العمل وتدخله مرة ثانية بشكل يفوق الرجل ثلاث او أربع مرات، مما يفرض على صاحب العمل تكاليف بحث وتعيين وتدريب اضافية. هذا غير التكاليف التي تفرضها بعض التشريعات العمالية بتأسيس وادارة وتشغيل حضانات لرعاية اطفال العاملات، كحافز تشجيعي للأم العاملة لكن لها أثار سلبية على الانتاجية التجارية بغض النظر عن النوايا الحسنة لهكذا اجراء حكومي.

5- وما هو تأثير عمل الأم السوقي على العوامل الكمية سابقة الذكر؟

مع ان التحاق المرأة بسوق العمل يرفع من نسبة القوة العمالة الى السكان، لكنه يؤثر سلبياً على حجم العمالة في الأجل الطويل. السبب يعود الى العلاقة السببية الموثقة بين عمل المرأة السوقي وتراجع معدلات الخصوبة والولادة. قد يكون هذا الأثر السلبي واسع النتائج غير ملموس الآن في الدول العربية ذات الوفرة النسبية في العمالة، لكن المجتمعات الصناعية الشائخة تعاني بحدة من هذه المشكلة السكانية وتستعين بهجرة الأدمغة من الدول الأخرى لتشغيل اقتصاداتها بالمعنى الحرفي للكلمة.

  • وأخيراً، اذا كانت الاقتصادات العربية تعاني من مشكلة البطالة العالية وهو أمر واضح للعيان في ظل الليبرالية الجديدة للأسف، فان عمل المرأة السوقي لا يؤدي بحد ذاته الى المساهمة المُفترضة في النمو الاقتصادي، لأنه بالامكان الحصول على ذات المساهمة من خلال تشغيل الزوج العاطل عن العمل لتتفرغ هي لبناء رأس المال البشري في جيل المستقبل، بدلاً من المساهمة في اهتلاكه.

مما سبق، يتبين ان هنالك تأثيرات سلبية عديدة لعمل المرأة العربية السوقي (خصوصاً الأم) على النمو الاقتصادي العربي، بدءاً من تقليص حجم ونوعية السلع والخدمات المنزلية وكذلك سلعة وقت الفراغ، مروراً بتراجع الانتاجية العامة متوسطة الأجل (بما فيها بسبب اهتلاك رأس المال البشري)، وانتهاءاً بتراجع حجم العمالة في الأجل الطويل وهبوط التراكم الرأسمالي (نتيجة زيادة الميل المتوسط للاستهلاك في الأسر التي تعمل بها المرأة خارج القطاع العائلي). كما ان عمل المرأة قد يساهم في بطالة الرجل في العديد من القطاعات، علماً بأن العديد من الوظائف والأنشطة التي تتركز فيها المرأة العربية حالياً من المتوقع أن يتم أتمتتها واحلال الروبوتات والذكاء الاصطناعي محلها كالسكرتاريا وخدمة العملاء.

وهذا بمجمله يتطلب سياسة عامة بديلة وانتقائية تجاه عمل المرأة السوقي في المجتمعات العربية، عوضاً عن السياسة الليبرالية العامة الحالية. السياسة الجديدة ستعمل على تشجيع المرأة المتزوجة المتفرغة لاطفالها باعتبارها “امرأة عاملة” من خلال الاعانات والحوافز المالية الحكومية تعويضاً لها عن جهود تكوين رأس المال البشري، وهو ما أصبح الغرب يميل اليه ربما بعد فوات الاوان!. كما تقتضي السياسة الجديدة دعم مهن نسائية مختارة في التعليم والصحة والصناعات اليدوية الابداعية، ودعم نظم العمل الجزئي والمرن للمرأة، وتسهيل ودعم ترخيص ممارسة المهن داخل القطاع المنزلي (للرجل والمرأة) في الأرياف وغيرها.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. كلام من القرون الوسطى وما زال يظن عمل المرأة هو “سكرتيرة وخدمة العملاء “!! كيف يمكن لمن لا تعرف العالم خارج البيت تنشئة اطفال ليتعاملوا مع ذلك العالم ؟ بخاصة إن كان أباؤهم من عينة عفى عليها الزمن, والغالبية الساحقة من أزواج من تبقى منهن قعيدات بيت كذلك, فالمراة القديرة لها معايير عالية في الزوج الذي تقبله. والمشكلة هي فقط لدى الرجال الذي يعانون من تفوق نساء عليهم في ذات مجال عملهم. فيما الغالبية الساحقة من عظماء العالم نساء ورجالا, هم أبناء نساء متفوقات عاملات مباشرة كما حديثا مع المرأة المتعلمة ونيل تامراة لأغاب حقوقها الإنسانية بما فيها حق العمل ,أو قديما بتاثيرهن القوي ولكن غير المعترف به , ومنه “تسكيج” زوج فاشل وإعادة تربيته وتعليمه وتعليم الأبناء ان لا يكرروا حالته ( ويمكن إيراد أمثلة تارخية على هذا بقدم والدة الإسكندر المكدوني ) .. النساء لا يخشين الروبت بل هو يخدمهن ليرتقين بجهدهن لسوية أكثر تحديا وتميزا ( الروبت هوجهاز مثل الغسالة الأوتوماتيك أ والجلاية),أو منافسة أي رجل لهن .. لهلا لا يطالبن بمنع عمل الرجال.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here